فستيفانيا إنديلكاتو، مصممة مجوهرات مولودة في إريتريا ونشأت في السودان
دوافع للحفاظ على التراث البصري والثقافي للسودان
ترجمة نادرة المهدي
جمع معرض "من الجذور والمسارات"، الذي أشرفت على تنظيمه فريدريك سيفوينتيس في مؤسسة ألماس للفنون بلندن، خمس فنانات سودانيات معاصرات؛ شكّلت تجارب الهجرة والنزوح والابتعاد عن الوطن جزءاً أساسياً من مسيرتهن الفنية، ودفعتهن إلى الحفاظ على التراث البصري والثقافي للسودان، وإعادة تفسيره والتعبير عنه بطرق مختلفة.
تستعيد الفنانات في أعمالهن ذكريات الوطن، كل واحدة منهن من زاوية وتجربة خاصة. فستيفانيا إنديلكاتو، مصممة المجوهرات المولودة في إريتريا والتي نشأت في السودان، تستحضر ذكرياتها الأولى في سوق أم درمان، حين كانت ترافق والدتها بحثاً عن قطع وأشياء تحمل معنى خاصاً.
وتأتي أميمة مداوي-رولينغز، الفنانة المتخصصة في المنسوجات، والتي كرّست عقوداً من حياتها المهنية لخدمة الصم وذوي الإعاقة في مجال الفنون، وحصلت على وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE) عام 2022 تقديراً لخدماتها.
كما يضم المعرض الشقيقتين نصرة مأمون وعائشة حسين شريف، اللتين تأثرت ممارستهما الفنية بوالديهما، الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي السوداني حسين شريف وشامة المهدي. وتجد عائشة، التي درست التصميم الداخلي في السودان، مساحتها التعبيرية في التجريد، لما يتيحه لها من حرية التعبير عن أشياء ومعانٍ لا تراها العين بالضرورة.
أما نصرة مأمون، مصممة المجوهرات، فقد درست الجيولوجيا في جامعة اليرموك بالأردن، وهناك تعمّق شغفها بالأحجار الكريمة والمعادن، وهو شغف ظل حاضراً في أعمالها حتى اليوم.
وتكتمل المجموعة بالفنانة البصرية وفنانة المنسوجات فيروز عمر، التي تتناول أعمالها موضوعات الصمود والتراث الثقافي، وتنشغل ببناء حكايات شخصية عميقة تتقاطع فيها السياسة السودانية مع أسئلة الهوية.
ما يجمع هؤلاء الفنانات هو ذاكرة ثقافية يواصلن الحفاظ عليها وإعادة تفسيرها وتخيّلها من خارج السودان.
حكايات الهجرة والذاكرة
كان هذا الجانب تحديداً هو ما أثار اهتمام فريدريك سيفوينتيس، المصورة الفوتوغرافية والمخرجة السينمائية، عندما قررت جمع أعمال هؤلاء الفنانات وتاريخهن في معرض "من الجذور والمسارات".
ويكتسب المشروع خصوصيته من ارتباطه العميق بالممارسة الفنية المعاصرة، مع صلته بجيل من الفنانين الذين تلقوا تدريبهم في مدارس الفنون السودانية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
فقد تشكّل التاريخ الحديث للسودان عبر حروب متعاقبة؛ امتدت الحرب الأهلية الأولى 17 عاماً، بين 1955 و1972، فيما استمرت الثانية من 1983 إلى 2005. ومع تصاعد الاضطراب السياسي، أصبحت الحياة والممارسة الفنية أكثر صعوبة وعدم استقرار، وتفرّق الفنانون السودانيون، مثل ملايين السودانيين، في أنحاء الشتات؛ بعضهم بحثاً عن الحرية والفرص الإبداعية، وبعضهم اضطر إلى المنفى.
لكل واحدة من الفنانات الخمس طريقها الخاص الذي قادها بعيداً عن السودان، لكن ما يجمعهن هو تلك الذاكرة الثقافية التي يواصل الفن حفظها وإعادة صياغتها.
ولم تكن سيفوينتيس بعيدة عن تاريخ السودان وحاضره؛ إذ يمتد ارتباطها بالبلاد لأكثر من عقدين. فقد صوّرت مهرجانات صوفية في السودان مطلع الألفية، وأخرجت عام 2008 الفيلم الوثائقي "السينما في السودان: حوارات مع جاد الله جبارة"، كما وثّقت التراث المعماري المتلاشي في البلاد.
وخلال سنوات من البحث الفوتوغرافي والسينمائي، بنت سيفوينتيس علاقات مع عدد من الفنانين السودانيين، وربما أسهم هذا الارتباط الشخصي في تعميق فهمها للتحديات التي واجهها هؤلاء الفنانون، والنجاحات التي حققوها، وهو ما انعكس في رؤيتها لمعرض "من الجذور والمسارات".
وتقول سيفوينتيس إن هذا المنظور وجّه اختيار الأعمال وطريقة عرضها، وسلّط الضوء على الكيفية التي أسهمت بها تجارب الفنانين في الشتات في توسيع تاريخ الفن السوداني، وإلهام جيل جديد من المبدعين، كما يكشف المعرض عن التطور المستمر للثقافة البصرية السودانية خارج حدود البلاد.
ستيفانيا.. أشياء تحمل الحكايات

لا تبدأ ممارسة ستيفانيا إنديلكاتو من التصميم، وإنما من العثور على الأشياء واختيارها؛ وهو وصف يلائم عمل صائغة المجوهرات، لكنه بالنسبة إليها عملية مقصودة وذات معنى. فهي تتعامل مع كل مادة تعثر عليها باعتبارها حكاية.
وتعيش إنديلكاتو في لندن منذ عام 1987، حيث تختار المواد لما تحمله من حضور وقصص، قبل أن تحولها إلى قطع فريدة تكرّم الماضي، لكنها في الوقت نفسه تنظر إلى الحاضر.
وفي معرض "من الجذور والمسارات"، قدمت مشروعها "أمبيرسوك" في صورة تركيب فني حسي، يتخلله خيط ذهبي واحد، يمثل استعارة للاستمرارية عبر الحدود الجغرافية؛ لما يحمله الإنسان معه، وما يتذكره، وما يعيد تخيله في الشتات.
أميمة.. ما يبقى من المكان

تعمل أميمة مداوي-رولينغز من منطلق يمكن وصفه بـ "التفاؤل الجذري"، الذي تشكل عبر تجاربها الشخصية.
وُلدت في الخرطوم عام 1969، وانتقلت إلى المملكة المتحدة في الثانية عشرة من عمرها، بعد أن فقدت سمعها في طفولتها. وفي ذلك الوقت، لم تتمكن أسرتها من العثور على تعليم أو دعم مناسب للصم في السودان.
ومنذ هجرتها، انشغلت ممارستها الفنية باستكشاف ما يبقى من المكان بعد الرحيل، مستخدمة المنسوجات والطباعة بالشاشة الحريرية وسيلتين للتعبير، ومستعينة بالهندسة العربية والخط العربي، في محاولة لدمج التأثيرات الشرقية والغربية.
ولم تقتصر مسيرتها على الفن؛ فقد كرّست جانباً كبيراً من حياتها المهنية للدفاع عن فرص أكبر للصم وذوي الإعاقة في مجال الفنون. وأسست شبكة "ريزونانت" للفنانات الصم، ثم شاركت لاحقاً في تأسيس "فلير آرتس"، لتوجيه ودعم المبدعين الصم وضعاف السمع.
فيروز عمر.. خارج تصنيف "الفن الأفريقي"

واجهت فيروز عمر أكثر من غيرها، بحسب المقال، تحدي اختزال أعمالها في تصنيف "الفن الأفريقي"، وهو تصنيف ترى أنه يختزل تعقيد تجربتها ويفرض أطرًا محدودة على طريقة فهمها.
ولهذا اختارت العمل بمواد بسيطة ومتواضعة وخام، لا باعتبار ذلك قيداً، وإنما بوصفه لغة فنية مقصودة.
وتقول: "ترفض ممارستي الفنية فكرة أن الوسائل البسيطة محدودة بطبيعتها؛ بل أهدف إلى إظهار قدرتها على حمل معانٍ متعددة، وتحدي الروايات المسبقة، سواء كانت ثقافية أو فنية"
ويتقاطع ذلك مع رؤية سيفوينتيس للمعرض، إذ تقول إن وجود الإنسان وسط أعمال فنية ذات معنى يخلق فرصاً للتأمل والحوار، وإن الفن يدعونا إلى التفكير وتبادل الأفكار والنظر في قيمة المعرفة والتجربة المشتركة.
عائشة حسين شريف.. الانجراف داخل اللوحة

يعرف حسين شريف بأدوار عديدة؛ فهو فنان تشكيلي ومخرج فيلم "انزياح العنبر"، الذي نال استحسان النقاد عام 1975، لكنه في سياق هذه الحكاية والد كل من نصرة مأمون وعائشة حسين شريف، اللتين تأثرت تجربتهما الفنية به.
وتجد عائشة قوتها في التجريد. وبالنسبة إلى فنانة تتحدث بلغة الأشكال والألوان، يصبح التجريد وسيلة للتواصل والتعبير عن المعاني التي لا يمكن قولها بسهولة.
وتتميز لوحاتها بعلامات داكنة وأجواء غامضة وخطوط مراوغة، تبدو هادئة وساحرة في الوقت نفسه.
وتطلق عائشة على هذا الأسلوب اسم «الانجراف»، وهي تجربة تريد للمشاهد أن يعيشها أثناء تفاعله مع أعمالها.
تقول: "تنجرف مع اللوحة، كما لو أنك تُسحب برفق إلى عالمها، معلقاً داخلها".
نصرة مأمون.. السودان في الفضة والحجر

ترى نصرة مأمون أن المجوهرات ليست مجرد زينة، وإنما تعبير عن حالة وجودية.
وتقول: "ما ترتدينه يمكن أن يعكس مزاجك وهويتك وحضورك في لحظة معينة".
بدأت مأمون تجاربها في صناعة المجوهرات باستخدام الخرز خلال سنوات دراستها، قبل أن تدرس لاحقاً صياغة الفضة في لندن.
وغالباً ما تستخدم العقيق، وهو نوع من الصخور يتكون من طبقات ملونة ومخططة من الكوارتز الميكروكريستالي، وتستمد تصاميمها كثيراً من السودان وطبيعته؛ من النيل والصحراء.
وفي المعرض، أهدت مأمون جميع أعمالها إلى ضحايا الحرب المستمرة في السودان، في طريقتها الخاصة لتخليد ذكرى أحبائها الذين فقدوا حياتهم.
لا طريق واحداً إلى الفن

تقول سيفوينتيس إنها خرجت من المعرض بعدد من الدروس المهمة، من بينها أنه لا يوجد طريق واحد يصبح من خلاله الإنسان فناناً. وترى في ذلك تحدياً للتوقعات التي يفرضها عالم الفن بشأن كيفية اكتشاف الفنانين وتمثيلهم وممارستهم لفنهم.
وما يحافظ على المسيرة الإبداعية، في رأيها، ليس وجود خطة جامدة، وإنما القدرة على تقبّل المرونة وعدم اليقين والتغيير.
وقد جسدت كل واحدة من الفنانات الخمس هذا المعنى بطريقتها الخاصة؛ فإنديلكاتو بنت مشروعاً في صناعة المجوهرات بلندن على مدى أربعة عقود تقريباً، ومداوي-رولينغز واصلت إنتاج أعمالها الفنية بالتزامن مع تأسيس منظمات لدعم الصم وذوي الإعاقة، بينما اختارت مأمون أن تضع تكريم ضحايا الحرب في السودان في الفضة والحجر.
ومنذ أبريل 2023، يعيش السودان تحت وطأة صراع مدمر وضع تراثه الثقافي أمام تهديد غير مسبوق؛ إذ تعرضت متاحف ومعارض ومجموعات خاصة للنهب أو التدمير أو لإعادة الاستخدام لأغراض عسكرية.
وفي ظل هذه الظروف، جاء معرض "من الجذور والمسارات".
وعبر تجارب مختلفة من الهجرة والابتعاد والنزوح، واصلت هؤلاء الفنانات العمل بما منحه لهن السودان: مواده، ومناظره الطبيعية، ولغته البصرية وذكرياته.
ولا تقتصر ممارساتهن على حفظ ما تُرك وراءهن، بل يعِدن تشكيله من خلال الحياة التي بنينها في أماكن أخرى؛ على اللوحة، وشاشة الطباعة، ومنضدة الصائغ، ليصلن الماضي بالحاضر، عبر السنوات والحدود.
أقيم معرض "من الجذور والمسارات"، بإشراف فريدريك سيفوينتيس، في مؤسسة ألماس للفنون بلندن، خلال الفترة من 21 مايو إلى 18 يوليو 2026.



التعليقات (0)
جاري التحميل...