الصديق الذي كان يجد بصيص أمل حتى في أحلك الظروف
"لم يتزعزع".. جوهرة الكمال تحكي حكاية صديقها حامد خلف الله
شاب جمع بين العلم والنضال وخفة الروح
حتى في الخلاف كان يبحث عن أرض مشتركة
لم يستخدم اسمه طلبًا لامتياز
خاص ــ صوت الأمة
في جوهانسبرج، في 29 أبريل، انطفأت حياة حامد خلف الله بصورة مفاجئة، تاركًا وراءه أسرة وأصدقاء وزملاء في بلدان متفرقة، وغيابًا يصعب استيعابه بالنسبة إلى الذين عرفوه عن قرب.
كان حامد قد قطع شوطًا طويلًا في حياة قصيرة. درس في بريطانيا، وبرز باحثًا في قضايا السودان، وشارك في النقاشات المتعلقة بالديمقراطية والحوكمة والتنمية، كما انخرط في العمل العام، وظل قريبًا من قضايا بلاده حتى وهو بعيد عنها.
لكن الذين عرفوه جيدًا يقولون إن اختزاله في هذه العناوين يظلمه. كان، قبل كل شيء، صديقًا حاضرًا، وزميلًا يمكن الاعتماد عليه، وشخصًا لا تفارقه روح الدعابة حتى في أصعب الأوقات.
تستعيد جوهرة الكمال كانو، زميلة حامد وصديقه، لقاءهما الأول في جامعة برادفورد عام 2018. كان حامد يومها تستعد للتخرج، بينما كان جوهرة الكمال قد بدأت لتوها دراسة الماجستير. ومنذ ذلك اللقاء، تقاطعت طرقهما مرات كثيرة؛ في المكاتب وقاعات المؤتمرات والمنشورات والبرامج البحثية، إلى أن أصبحت الصداقة بينهما واحدة من تلك العلاقات التي تتجاوز حدود الدراسة والعمل.
المعرفة و الحياة
تقول جوهرة الكمال إن حامد كان عالمًا مجتهدًا ودقيقًا، لكنه لم يكن من أولئك الذين يفصلون المعرفة عن الحياة. كان يرى أن العلم ينبغي أن يقود إلى فعل، وأن البحث والكتابة لا معنى لهما إذا ابتعدا عن الناس وقضاياهم.
وخلال السنوات بين 2020 و2026، نشر حامد عددًا من المقالات والأبحاث والآراء حول السودان، تناول فيها قضايا الحوكمة والتعبئة الشعبية والدستورية وغيرها. وحظي خلال مسيرته الأكاديمية بتقدير مبكر، إذ نال في 2019 جائزة جمعية دراسات التنمية لأفضل أطروحة دكتوراه في التنمية في المملكة المتحدة، كما حصل على جائزة أفضل أداء أكاديمي شامل في برنامج الماجستير بقسم دراسات السلام والتنمية الدولية في جامعة برادفورد، حيث درس بمنحة تشيفنينغ.
لكن المسار الأكاديمي لم يكن كافيًا بالنسبة إليه.
العودة إلى السودان
بعد حصوله على شهادته في ديسمبر 2018، قرر حامد العودة إلى السودان، في وقت كانت فيه الثورة تتسع في الشوارع وتقترب من لحظتها الحاسمة. لم يكن يريد أن يتابع ما يحدث في بلاده من بعيد، فاختار أن يكون هناك.
وصل إلى السودان وانخرط في الحراك، لكنه لم يعش لحظة سقوط نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 مع بقية المحتجين؛ ففي اليوم السابق، 10 أبريل، كان قد اعتُقل.
كان أصدقاؤه يمزحون لاحقًا بأنه ربما كان "آخر معتقل للنظام المنهار".
لم تكن تلك الواقعة استثناءً في حياة حامد. فقد ظل، بحسب صديقته، يرى أن القضايا العامة لا تنتهي عند حدود السودان. شارك في احتجاجات تناولت الحرب في غزة، واستغلال الموارد في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقضايا الهجرة، وظل مقتنعًا بأن الحرية لا يمكن أن تكون امتيازًا لفئة دون أخرى.
كان يمكن لمثل هذه المواقف أن تدفع صاحبها إلى الاصطفاف الحاد، لكن الذين عرفوا حامد يقولون إن أكثر ما ميزه كان قدرته على البحث عن المساحة المشتركة.
في الاجتماعات والنقاشات التي شارك فيها مع مسؤولين وناشطين ومؤسسات في أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، كان يتحدث بوضوح، لكنه لم يكن يبحث عن الانتصار في النقاش بقدر ما كان يريد الدفاع عما يؤمن به.
وتتذكر جوهرة الكمال اجتماعًا اتهم فيه أحد المشاركين منظمات المجتمع المدني بأنها تكتفي بالحديث عن القضايا الإنسانية وحقوق الإنسان، من دون الاقتراب من السياسة. رد حامد بأن كثرة الحديث عن الوضع الإنساني ليست خيارًا، وإنما نتيجة مباشرة لتجاهل السياسيين لمعاناة السودانيين.
كان ذلك، كما يصفه صديقه، يشبه حامد تمامًا: موقف واضح، لكن منطلقه الإنسان.

اسم يحمل حكاية
حتى اسم حامد كان يحمل قصة أقدم منه.
سُمّي باسم جده الأكبر لأبيه، الشيخ حامد أب عصاة سيف جد العُمراب، وهو اسم ارتبط في الأسرة بشخصية ذات حضور ديني واجتماعي. ويروي الإمام الصادق المهدي، في رسالة إلى ابنته طاهرة، قصة اختيار الاسم، مشيرًا إلى رؤيا قديمة للسيدة أم سلمة، إحدى بنات الإمام المهدي، ظهر فيها الشيخ حامد رغم عدم وجود مناسبة واضحة لذلك في ذلك الوقت.
كان حامد يحمل الاسم، لكنه صنع لنفسه طريقًا خاصًا؛ طريقًا جمع بين خلفية عائلية معروفة، وتعليم حديث، وانخراط مباشر في قضايا المجتمع، من دون أن يجعل من اسمه أو عائلته وسيلة للحصول على امتياز.
تقول جوهرة الكمال إنه كان يعرف جيدًا أن ظروف نشأته وفرت له امتيازات وفرصًا لا تتوفر للجميع، لكنه كان يستخدم علاقاته ومساحته الاجتماعية لمساعدة الآخرين، ولم تسمعه يومًا يستند إلى اسم عائلته للحصول على معاملة خاصة.
حين اقتلعت الحرب الجذور
ثم جاءت الحرب، مثل ملايين السودانيين، وجد حامد نفسه مضطرًا إلى مغادرة السودان، حاملًا معه ما استطاع من حياته، تاركًا وراءه أشياء صغيرة لم يكن يعلم أنها ستصبح لاحقًا رموزًا لوطن فقده.
بعد عام من اندلاع الحرب، كتب حامد عن تجربة النزوح وعن ذلك الشعور القاسي بالاقتلاع. كان يعتقد حين غادر أنه سيعود خلال أسابيع، لكنه وجد نفسه بعد عام لا يزال بعيدًا عن السودان، يحاول بناء حياة جديدة فيما يظل حلم العودة إلى الوطن حاضرًا.
كتب عن الأشياء التي تركها خلفه: ساعته المفضلة، التي كانت هدية من جده الراحل، والصور والهدايا والتذكارات التي تلقاها من أحبائه، ولوحاته.
ثم اختصر كل ذلك في كلمات قليلة: ترك حياته، وترك جذوره.
كانت تلك الكلمات، في ما يبدو، أكثر من وصف لتجربة نزوح؛ كانت تلخيصًا لحال جيل كامل اقتُلع من مكانه بينما ظل الوطن حاضرًا في داخله.
حامد الذي عرفه أصدقاؤه
ومع ذلك، لا تريد جوهرة الكمال أن تبقى صورة حامد محصورة في الباحث والناشط والسياسي.
فبعيدًا عن المؤتمرات والأبحاث والاجتماعات، كان هناك حامد آخر يعرفه أصدقاؤه جيدًا: الشخص الذي يبادر إلى حل مشكلة، يقدم النصيحة، يساند صديقه، ثم يطلق نكتة ساخرة في اللحظة نفسها.
كانت روح الدعابة جزءًا أساسيًا من شخصيته.
وتتذكر جوهرة الكمال أن مساراتهما المهنية تقاطعت مرارًا، حتى كان حامد يمازحها قائلًا: "لماذا تلاحقيني باستمرار؟".
درسا في جامعة برادفورد، ثم التحقا بالمجلس الثقافي البريطاني، وتقاطعت طريقاهما مرة أخرى في معهد الجامعة الأوروبية في إيطاليا، ثم في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، حيث كان حامد زميلًا غير مقيم منذ 2022، مركزًا على قضايا الحوكمة الشاملة والتعبئة في السودان.
لكن ما بقي لدى صديقته بعد كل هذه السنوات ليس اسم مؤسسة أو لقبًا أكاديميًا، وإنما تفاصيل الحياة اليومية: سخريته، لطفه، استعداده للمساعدة، وقدرته على أن يجد شيئًا يبعث على الابتسام حتى في الظروف التي لا تدعو إلى ذلك.
ولهذا ربما كان رحيله صعبًا على نحو خاص.
فحامد، رغم كل ما أنجزه، لم يكن بالنسبة إلى أصدقائه مشروع عالم أو ناشطًا سياسيًا فحسب. كان واحدًا منهم.
شابًا لديه أحلامه ومخاوفه، يحب بلده، ويبحث عن مكان له في العالم، ويحاول في الوقت نفسه أن يترك هذا العالم أفضل قليلًا مما وجده.
العودة الأخيرة
رحل حامد في جوهانسبرج، بعيدًا عن السودان وعن كثير من أحبائه.
لكن المفارقة أن الرجل الذي ظل يحلم بالعودة إلى وطنه، والذي كتب عن مرارة الاقتلاع من جذوره، عاد أخيرًا إلى الخرطوم.

بعد سنوات من الغياب، عادت رفاته إلى المدينة التي ظل يحملها معه أينما ذهب.
ربما لم تكن تلك هي العودة التي حلم بها حامد.
لكنها كانت، في النهاية، عودة إلى المكان الذي لم يتوقف عن الانتماء إليه.
وفي ذاكرة أصدقائه، سيبقى حامد كما عرفوه: ذكيًا، مجتهدًا، ساخرًا، كريمًا، وعنيدًا في الدفاع عن ما يؤمن به.
والأهم، كما تقول صديقته جوهرة الكمال ، أنه لم يتزعزع.



التعليقات (0)
جاري التحميل...