صوت الأمة
تواجه الحكومة البريطانية موجة انتقادات حادة من أوساط أكاديمية وحقوقية عقب قرارها الأخير بفرض حظر شامل على تأشيرات الدراسة لمواطني أربع دول، من بينها السودان، وهي الخطوة التي وصفتها جامعات النخبة بأنها «غير متناسبة» وتعتمد على رواية حكومية «مضللة» تفتقر إلى الدقة الرقمية.
وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد بررت قرارها المفاجئ الصادر في مارس (آذار) الماضي، بحظر تأشيرات الطلاب الوافدين من السودان، وأفغانستان، والكاميرون، وميانمار، بوجود «إساءة استخدام واسعة النطاق» لمنظومة التأشيرات الدراسية. وقالت وزيرة الداخلية، شبانا محمود، في بيان صحافي حينها، إن بلادها «ستظل ملاذاً للفارين من الحروب، لكن نظام التأشيرات يجب ألا يُستغل»، متعهدة بـ«إعادة النظام والسيطرة على الحدود» عبر حرمان مواطني تلك الدول من دخول البلاد تحت غطاء التعليم.
بيد أن تحقيقاً موسعاً أجرته صحيفة «ذا مانكونيان» (The Mancunion) الصادرة عن جامعة مانشستر، استناداً إلى بيانات رسمية تم انتزاعها بموجب قانون حرية المعلومات (FOI)، كشف عن فجوة هائلة بين الخطاب السياسي لـ«الداونينغ ستريت» وبين الحقائق على الأرض. وتُظهر الأرقام الرسمية الصادرة حديثاً أن الطلاب القادمين من الدول الأربع المحظورة لم يشكلوا سوى نحو 1 في المائة فقط من إجمالي طلبات اللجوء المقدمة في المملكة المتحدة بين عامي 2020 و2026.
لغة الأرقام تحرج الحكومة
ووفقاً للبيانات التي تحفظت وزارة الداخلية على نشر تفاصيلها في البداية، فإن الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2020 وحتى مارس (آذار) 2026 شهدت تسجيل 401 طلب لجوء فقط من طلاب سودانيين دخلوا البلاد بتأشيرات دراسية، مقارنة بـ3182 طالباً أفغانياً (شهدت أعدادهم ذروة مؤقتة عام 2023 عقب قرار حركة طالبان حظر التعليم العالي للنساء)، و748 كاميرونياً، و828 من ميانمار.
وتكشف القراءة التحليلية للبيانات الرسمية لعامي 2024 و2025، واللذين تخطت فيهما طلبات اللجوء الإجمالية حاجز الـ100 ألف طلب سنوياً، أن نسبة الطلاب القادمين من الدول الأربع المحظورة لم تتجاوز 0.1 في المائة من إجمالي الطلبات؛ مما يفرغ الرواية الحكومية بشأن وجود «تهديد مستدام لنظام اللجوء البريطاني» من محتواها.
وفيما يخص الملف السوداني على وجه التحديد، تشير الإحصاءات الفيدرالية إلى أنه من بين أكثر من 20 ألف مواطن سوداني تقدموا بطلبات لجوء في بريطانيا خلال السنوات الخمس الماضية، لم تتعدَ نسبة الطلاب بينهم 1.8 في المائة. وتضع هذه النسبة الضئيلة السودان في مرتبة متأخرة مقارنة بـ66 دولة أخرى لا تشملها إجراءات الحظر البريطانية، ومن بينها الولايات المتحدة والصين ومصر وسوريا والمغرب والجزائر.
أحلام مجهضة وإعادة الإعمار المؤجل
القرار البريطاني ألقى بظلاله الثقيلة على مستقبل العشرات من الطلاب السودانيين المتميزين الذين ألغيت عروض قبولهم في جامعة مانشستر العريقة. وفي شهادات حية نقلتها الصحيفة، بدا بوضوح أن خيار اللجوء لم يكن يمثل الهدف الأساسي لهؤلاء الطلاب، بل كان العلم وسيلة للعودة والمساهمة في بناء وطن تمزقه الحروب.
وتقول الآنسة علم الدين، التي كانت تستعد لدراسة الماجستير في التخطيط الحضري: «لم يكن طموحي يوماً هو الاستقرار الدائم في بريطانيا، بل الحصول على خبرات نحتاجها بشدة لإعادة إعمار السودان. كنت أخطط للعمل في وزارة التخطيط العمراني ببلدي ومواصلة مسيرتي الأكاديمية. الآن، بعد إلغاء قبولي، أشعر بخيبة أمل شديدة وقلبي مكسور، وليست لدي خطة بديلة».
من جانبه، يفند السيد محمد، طالب دراسات عليا آخر تم سحب عرضه الدراسي، المنطق الحكومي البريطاني قائلاً: «إن من يمتلك القدرة المالية والمعرفية لتأمين مقعد أو منحة في جامعات النخبة البريطانية (مجموعة راسل)، لا يمكن أن يتخذ من تأشيرة الدراسة غطاءً للجوء. الاستثمار في الوقت والجهد والمال لا يبرره اللجوء كتعويض؛ فالتعليم بالنسبة لنا هو استثمار في مستقبل عائلاتنا ومناطقنا لتزدهر وتنمو».
وفي السياق ذاته، تشير الآنسة أحمد، التي ألغي قبولها لدراسة بكالوريوس علم الأدوية، إلى أن عائلتها خسرت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، وتضيف: «الكثير منا لا يبحث عن اللجوء، بل نبحث عن المعرفة كقاعدة أساسية لبناء المجتمع وخلق سلام دائم في السودان».

جبهة أكاديمية معارضة
أثار الحظر الشامل حفيظة «مجموعة راسل» (التي تضم أفضل 24 جامعة بحثية في بريطانيا)، حيث قادت حراكاً أكاديمياً لمطالبة وزارة الداخلية بتبني «اتصالات واضحة وقائمة على الأدلة»، ومشاركة البيانات بشفافية بدلاً من فرض حظر عشوائي يمنع الطلاب الموهوبين والباحثين الحقيقيين ومرشحي منح «تشيفنينغ» المرموقة من القدوم إلى المملكة المتحدة.
من جانبها، انتقدت اللجنة التنفيذية للجمعية السودانية بجامعة مانشستر السياسة الجديدة، مؤكدة في بيان ، أن «تغطية الضغوط السياسية المتعلقة بملف الهجرة عبر إغلاق الأبواب أمام الطلاب هو نهج خاطئ. الطلاب السودانيون يثبتون تميزهم في مختلف المجالات ويقدمون قيمة مضافة للمجتمعات الأكاديمية البريطانية». وزاد البيان: «هؤلاء ليسوا أشخاصاً يستغلون النظام، بل هم أفراد هاربون من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ومع ذلك يسعون للعطاء والتعلم. معاقبة الطلاب الأبرياء بسبب إخفاقات السياسة العامة ليس حلاً، بل هو حرف للأنظار عن الجذور الحقيقية للمشكلة».
وفي المقابل، أكد متحدث باسم جامعة مانشستر تفهم الجامعة لحالة القلق والاضطراب التي تسبب فيها هذا القرار المفاجئ للطلاب، مشيراً إلى أن الجامعة ملزمة قانوناً بالامتثال لشروط رعاية التأشيرات الحكومية، لكنها تبذل كل ما في وسعها عبر فرق الهجرة المتخصصة لتقديم الدعم والتوجيه للمتضررين. يذكر أن اتحاد طلاب الجامعة أعلن أيضاً انضمامه للجهود الأكاديمية للضغط على صناع القرار لإلغاء ما وصفه بـ«السياسات العدائية تجاه المهاجرين والطلاب الدوليين».



التعليقات (0)
جاري التحميل...