تقرير ــ صوت الأمة

في صباح يوم التخرج، وقف إبراهيم يوسف، مرتديًا قبعة التخرج ورداء الجامعة، يبتسم بثقة وهو يحمل شهادة البكلاريوس من جامعة وينيبيغ الكندية. بالنسبة للحاضرين، كانت لحظة احتفال عادية، لكن بالنسبة للشاب السوداني الكفيف كانت تتويجًا لرحلة امتدت سنوات، بدأت وسط أجواء الحرب في دارفور، ومرت بمحطات اللجوء والغربة، وانتهت بانتصار رجل رفض أن تسرق ظروف الحرب أو فقدان البصر أو اللجوء، مستقبله.

بداية الحكاية... من قرية صغيرة في دارفور

وُلد إبراهيم يوسف في قرية بشمال مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، حيث عاش طفولته في منطقة لم تعرف الاستقرار طويلًا. ومع اشتداد النزاع في الإقليم، وجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة وطنه وهو في الحادية والعشرين من عمره، تاركًا خلفه الأهل والذكريات، وحاملًا معه حلمًا واحدًا: أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عن أصوات الرصاص.

كانت مصر محطته الأولى، وهناك عاش قرابة ثماني سنوات لاجئًا، وعمل محاسبًا ليؤمن احتياجاته اليومية، بينما كان ينتظر فرصة لإعادة التوطين عبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وعندما خُيّر بين الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، لم يتردد كثيرًا. اختار كندا، لأنها بدت له بلدًا يمنح الإنسان فرصة حقيقية ليبدأ من جديد.

معركة جديدة بعد اللجوء

قد يعتقد البعض أن الوصول إلى بلد آمن يعني نهاية المعاناة، لكن بالنسبة لإبراهيم، كانت تلك مجرد بداية لمعركة مختلفة.

وصل إلى مدينة وينيبيغ وهو يحمل تحديين كبيرين؛ أن يتعلم لغة جديدة، وأن يواصل تعليمه بالرغم من إعاقته البصرية.

بدأ بدراسة اللغة الإنجليزية، ثم حاول الالتحاق ببرامج تعليم الكبار، إلا أن إعاقته شكلت عائقًا أمامه. لكن ما لم يدركه حينها أن أبوابًا أخرى كانت على وشك أن تُفتح.

بعد محاولات متواصلة، تمكن من إكمال المرحلة الثانوية، في رحلة لم يكن بطلها وحده، بل شاركه فيها معلمون آمنوا بقدراته قبل أن ينظروا إلى إعاقته.

ولا ينسى إبراهيم موقف أحد معلميه الذي كان ينتظر معه يوميًا حتى وصول وسيلة النقل المخصصة لذوي الإعاقة، في لفتة إنسانية يقول إنها منحته شعورًا بأنه ليس وحيدًا في معركته.

عندما التحق بجامعة وينيبيغ، لم يكن يعلم أن المكان سيصبح أكثر من مجرد مؤسسة تعليمية.

منذ اللحظة الأولى، وجد فريقًا متخصصًا لمساندة الطلاب المهاجرين واللاجئين، وآخر لدعم الطلاب ذوي الإعاقة، فتم توفير الكتب الدراسية بصيغ إلكترونية متوافقة مع برامج قراءة الشاشة، وترتيبات خاصة أثناء الامتحانات، وتدريب على الحركة داخل الحرم الجامعي بالتعاون مع المعهد الكندي الوطني للمكفوفين.

كما جرى تركيب علامات لمسية على الأبواب والمرافق، لتسهيل تنقله باستقلالية، بينما كان الأساتذة والطلاب يبادرون إلى تقديم المساعدة كلما احتاج إليها.

ويصف إبراهيم تلك التجربة بقوله: "لم أشعر بالوحدة أبدًا."

جملة قصيرة، لكنها تختصر قيمة الاحتواء التي صنعت الفارق في رحلته.

لماذا اختار علم النفس؟

لم يكن اختيار علم النفس مجرد قرار أكاديمي، بل كان امتدادًا لحياة عاشها بكل تفاصيلها.

فالحرب التي أجبرته على الرحيل، وتجربة اللجوء الطويلة، والتحديات التي واجهها بسبب إعاقته، جعلته يدرك أن كثيرًا من الجراح لا تُرى بالعين.

لذلك قرر أن يكرس مستقبله لمساعدة اللاجئين والناجين من الحروب والأزمات، مؤمنًا بأن الدعم النفسي لا يقل أهمية عن الغذاء أو المأوى، وأن الإنسان يحتاج إلى من يساعده على استعادة ثقته بالحياة قبل أي شيء آخر.

بالنسبة لإدارة جامعة وينيبيغ، فإن إبراهيم يوسف كان نموذجًا حيًّا للإصرار والمثابرة.

فقد استطاع أن يتجاوز الحرب واللجوء والإعاقة، ليصل إلى هدفه دون أن يسمح لأية محطة من محطات الألم بأن تحدد مستقبله.

أما هو، فيرى أن قصته لم تنتهِ بعد، بل بدأت الآن. فهو يأمل في مواصلة دراسته والعمل في مجال الصحة النفسية، وأن تكون تجربته رسالة لكل لاجئ، ولكل شخص من ذوي الإعاقة، بأن الطريق قد يكون طويلًا، لكنه ليس مستحيلًا.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...