صوت الأمة ــ سارة عطية

 

مع حلول أكتوبر الوردي، تعود حملات التوعية بسرطان الثدي إلى الواجهة في السودان، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة داخل منظومة علاج الأورام، بعد أن أدت إلى توقف عدد من المراكز، ونزوح كوادر طبية ومرضى، واضطرار كثيرين إلى التنقل بين الولايات بحثاً عن التشخيص والعلاج والدواء.

وبينما أعلن مستشفى الخرطوم لعلاج الأورام "الذرة"، في الثاني من أكتوبر 2026، تدشين فعاليات أكتوبر الوردي وفتح عياداته للكشف والفحص المجاني خلال الشهر، تكشف تجارب مريضات السرطان جانباً آخر من واقع رحلة العلاج منذ اندلاع الحرب رحلة لم يعد فيها الوصول إلى المستشفى أو الحصول على الجرعة في موعدها أمراً مضموناً.

 

ومن بين هؤلاء أمل، وهي سيدة في العقد الرابع من عمرها، شُخصت بإصابتها بسرطان الثدي في بداية الحرب، لتجد نفسها أمام سؤال ظل يرافقها في مختلف مراحل العلاج: "أين سأجد علاجي؟".

 

كانت الحرب قد دفعتها إلى النزوح من ولاية الجزيرة، وقبل أن تستعيد شيئاً من الاستقرار، جاء تشخيص المرض في تلك الفترة المضطربة ليضعها أمام رحلة جديدة من البحث عن طبيب ومستشفى ودواء، إلى جانب تأمين تكاليف العلاج والتنقل.

 

وتقول أمل في إفادتها لـ(صوت الأمة): "المرض في حد ذاته صعب، لكن الأصعب أن تعرف أنك بحاجة إلى العلاج ولا تعرف من أين ستحصل عليه".

 

وتكشف تجربتها جانباً من المعاناة التي فرضتها الحرب على مريضات سرطان الثدي، إذ لم يعد المرض وحده هو التحدي، بل أضيفت إليه صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، والتنقل بين المناطق، والبحث المتكرر عن الأدوية ومراكز العلاج.

 أين سأجد العلاج؟

تقول أمل إن تشخيص إصابتها بسرطان الثدي جاء في بداية الحرب، في وقت كانت حياتها قد فقدت استقرارها بسبب النزوح، وإن معرفة إصابتها بالمرض فتحت أمامها باباً جديداً من القلق.

وتروي: "بعد أن عرفت أنني مصابة بسرطان الثدي، أصبح تفكيري منصباً على سؤال واحد: أين سأجد العلاج؟ كنت نازحة بالفعل ولم أكن مستقرة في مكان واحد، كما أن المستشفيات والخدمات لم تعد كما كانت من قبل".

 

ولم يكن الوصول إلى العلاج بالنسبة إليها خطوة واحدة تنتهي عند باب المستشفى، ففي كل مرة كان عليها البحث عن الطبيب ومكان توفر الدواء، ثم التفكير في كيفية الوصول إليه.

وتقول: "كنت أسأل باستمرار عن مكان توفر الدواء، وما إذا كان موجوداً في إحدى الصيدليات أو في مدينة أخرى. وفي بعض الأحيان كنت أذهب إلى المكان الذي قيل لي إن الدواء متوفر فيه ثم أعود من دون أن أجده".

ومع مرور الوقت، أصبح الخوف من عدم العثور على الجرعة التالية جزءاً من رحلة العلاج نفسها.

كما أضاف النزوح أعباء أخرى إلى مرضها، من الانتقال بين المناطق والبحث عن وسائل المواصلات، إلى معرفة المراكز التي تقدم الخدمة وتوفير المال اللازم للعلاج والتنقل.

وتقول أمل: "كنت أشعر بالإرهاق، لكنني لم أكن أملك خيار التوقف. كان عليّ أن أتحرك وأسأل وأبحث عن وسيلة للحصول على العلاج. وفي أحيان كثيرة كنت أتمنى فقط أن أجد مكاناً آمناً أستطيع أن أستريح فيه، لكن التفكير في العلاج كان حاضراً طوال الوقت".

مراكز توقفت وخدمات تعطلت

لم تكن تجربة أمل منفصلة عن واقع القطاع الصحي خلال الحرب. فمنذ الأيام الأولى للقتال، بدأت مؤسسات ومراكز طبية متخصصة في علاج الأورام وأمراض الثدي تعلن تعليق خدماتها بسبب الأوضاع الأمنية وتعذر وصول الكوادر.

ومن بينها مركز الخرطوم للعناية بالثدي، الذي أعلن منذ 17 أبريل 2023 توقف جميع خدماته مؤقتاً بسبب الظروف التي تمر بها البلاد وتعذر وصول الكوادر إلى موقع العمل، على أن يستأنف نشاطه متى ما سمحت الأوضاع بذلك.

وكان المركز، على مدى نحو 12 عاماً، يمثل وجهة للنساء لا تقتصر خدماتها على التشخيص والعلاج، بل تمتد إلى الدعم النفسي والمجتمعي وتبادل تجارب الشفاء بين المريضات والناجيات.

وتقول الاختصاصية بمركز الخرطوم للعناية بالثدي، د. مرام محمد حامد، إن الحرب بدلت هذا المشهد بصورة كبيرة، بعدما كانت فعاليات أكتوبر من كل عام توفر مساحة للتوعية وعرض تجارب التعافي وتشجيع النساء على الكشف المبكر، بينما تراجعت تلك الأنشطة مع اتساع رقعة القتال وتعطل المرافق الصحية.

وبحسب أرقام أوردتها د. مرام عن آثار الأشهر الأولى للحرب، حُرمت 2122 امرأة من خدمات عيادات الفحص والكشف عن سرطان الثدي، ولم تتمكن 1618 امرأة من إجراء فحص الماموغرام للكشف المبكر، كما تعذر أخذ عينات لنحو 300 امرأة لتأكيد الإصابة أو نفيها.

وأظهرت الأرقام كذلك فقدان 2024 امرأة فرصة متابعة العلاج مع اختصاصيي الأورام، ومعاناة نحو 3500 امرأة في الحصول على جلسات العلاج الكيميائي، إلى جانب تعذر إجراء العمليات الجراحية اللازمة لنحو 200 مريضة، وعدم تمكن نحو 6000 امرأة من إجراء الفحوصات المعملية المطلوبة.

وتعود هذه الإحصاءات إلى الفترة الأولى من الحرب، وهي من البيانات التي جرى تداولها خلال عام 2024، في ظل غياب إحصاءات رسمية  أحدث تعكس بصورة شاملة حجم الضرر الذي لحق بخدمات سرطان الثدي حتى الآن.

ومع خروج عدد من المراكز الرئيسية في الخرطوم والجزيرة عن الخدمة، اضطرت مريضات وناجيات إلى البحث عن العلاج في ولايات بعيدة، من بينها النيل الأبيض والشمالية، بينما لجأت أخريات إلى السفر خارج السودان متى ما أتيحت لهن الإمكانية.

وقالت شبكة أطباء السودان، في إحدى إفاداتها، إن مركز النيل الأبيض للأورام بمدينة كوستي عانى نقصاً حاداً في أدوية علاج السرطان بسبب إغلاق الطرق المؤدية إلى ولاية النيل الأبيض، في وقت خرجت فيه مرافق علاجية رئيسية في الخرطوم وود مدني عن الخدمة نتيجة الصراع.

وأشارت الشبكة إلى أن نقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى أماكن تقديم الخدمة زادا من معاناة المرضى والكوادر الطبية، مطالبة الجهات المختصة والمنظمات بالتدخل لتوفير الأدوية وتطوير نقاط تقديم الخدمات وتوزيع العلاج.

 

سيدة ترتدي قميصاً وردياً وتحمل شريطاً وردياً كبيراً، رمز التوعية بسرطان الثدي. الشريط مصنوع من سحّاب، في إشارة إلى حملات الدعم والتوعية بالمرض.

خريطة العلاج تغيرت بالحرب

 

ومن موقعها كطبيبة متخصصة، ترسم أخصائية أمراض سرطان الثدي د. عايدة مصطفى، في حديثها لـ(صوت الأمة)، صورة أوسع لتأثير الحرب على منظومة علاج السرطان.

وتقول إن الحرب أدت بصورة مباشرة إلى نزوح المرضى والكوادر الطبية داخل السودان وخارجه، فضلاً عن توقف خدمات علاجية في عدد من المناطق.

وتوضح أن من أبرز تداعيات الحرب توقف خدمات العلاج الإشعاعي في عدد من مراكز الخرطوم والجزيرة، وهو ما دفع المرضى إلى البحث عن مراكز بديلة في ولايات أخرى.

وبحسب إفادتها، اتجه مرضى إلى شندي ومروي وبورتسودان ودنقلا والقضارف وكسلا للحصول على خدمات علاجية لم تعد متاحة لهم في مناطق إقامتهم.

وتشير إلى أن نزوح الكوادر الطبية والمرضى، إلى جانب توقف خدمات العلاج الإشعاعي في عدد من المراكز، فاقم معاناة مرضى السرطان، خاصة أن طبيعة المرض لا تسمح دائماً بتأجيل العلاج إلى حين عودة الخدمات إلى طبيعتها.

ولا يعني الانتقال إلى مركز آخر مجرد تغيير مكان تلقي العلاج، إذ يفرض السفر إلى ولاية أخرى أعباء إضافية تشمل تكاليف المواصلات والإقامة والغذاء، إلى جانب نفقات العلاج والدواء وترتيب المواعيد.

وفي المقابل، تؤكد د. عايدة أن ولاية الجزيرة بدأت تستعيد جانباً من نشاطها العلاجي في ود مدني، إلى جانب ظهور مراكز جديدة في الدويم، بما أسهم في توسيع فرص الحصول على الخدمات العلاجية.

 

لكن عودة الخدمات في بعض المناطق لا تلغي أثر توقفها في مناطق أخرى، خصوصاً أن علاج سرطان الثدي يعتمد على سلسلة متكاملة تبدأ بالتشخيص وتمتد إلى مراحل العلاج والمتابعة.

 

التشخيص.. بداية رحلة طويلة

 

تزداد حساسية المشهد عند الحديث عن اكتشاف سرطان الثدي في مراحله المبكرة، في ظل صعوبة وصول بعض النساء إلى الفحوصات والخدمات الطبية بسبب النزوح واضطراب النظام الصحي.

ويوضح طبيب الأورام د. طارق خضر أحمد، في حديثه لـ(صوت الأمة)، أن الحرب تركت أثراً مباشراً على اكتشاف سرطان الثدي وعلاجه في السودان، مشيراً إلى أن أحدث التقديرات المتاحة تشير إلى نحو 8,600 حالة جديدة خلال عام 2024، وأكثر من 3,600 وفاة مرتبطة بالمرض خلال العام نفسه.

ويؤكد أن هذه الأرقام تظل تقديرات وليست حصراً وطنياً شاملاً، نظراً إلى تأثير الحرب على عمل المؤسسات الصحية وقدرتها على تسجيل الحالات ومتابعتها، إلى جانب وجود مرضى خارج نطاق الخدمات الطبية المنتظمة بسبب النزوح.

 

ويشير إلى أن صعوبة الوصول إلى التشخيص تمثل إحدى حلقات الأزمة، غير أن التحدي يمتد إلى ما بعد اكتشاف المرض، إذ تحتاج المريضة إلى سلسلة طويلة ومترابطة من التدخلات العلاجية.

وتشمل هذه التدخلات، بحسب إفادته، الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي والعلاجات الهرمونية والموجهة، وهي مراحل تحتاج إلى انتظام ومتابعة مستمرة، في وقت فرضت فيه الحرب حالة من الاضطراب على المرضى والمؤسسات الصحية.

 

 مسافات أطول وكلفة أكبر

 

ويقول د. خضر إن نزوح المرضى والكوادر الطبية وتعطل الخدمات في مناطق عدة أجبر مريضات سرطان الثدي على قطع مسافات طويلة بحثاً عن التشخيص والعلاج.

ولا تتوقف كلفة هذه الرحلات عند العلاج نفسه، إذ تحتاج المريضة التي تنتقل من ولاية إلى أخرى إلى تحمل نفقات المواصلات والإقامة والغذاء والتنقل، إضافة إلى تكلفة الأدوية والفحوصات.

وهنا تتداخل الأزمة الصحية مع الأزمة الإنسانية؛ فالمريضة لا تواجه المرض وحده، وإنما تواجه أيضاً ظروف النزوح وعدم الاستقرار وما تفرضه رحلة العلاج من أعباء مادية ونفسية متزايدة.

وفي أكتوبر من كل عام، يتكرر النداء الموجه للنساء بأهمية عدم التأخر أو إهمال الفحص والكشف المبكر. لكن الحرب أضافت إلى هذا النداء سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تستجيب المرأة لنصيحة الكشف، ثم تجد أن الوصول إلى التشخيص أو العلاج نفسه أصبح رحلة طويلة وغير مضمونة؟

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...