70 عاماً من الخبرة على المحك

مذكرات احتجاجية وسيناريوهات محتملة لمصير الدمج

تقرير – ناهد محمد

في قطاع يرتبط مباشرة بأمن الطاقة واستقرار الاقتصاد، لا تبدو عملية دمج الشركات مجرد إجراء إداري لإعادة ترتيب الهياكل وتوحيد الأصول والالتزامات، بل خطوة تتجاوز آثارها حدود الشركات المعنية إلى مستقبل الإمدادات البترولية، وكفاءة التوزيع والنقل، ومصير مؤسسات راكمت خبراتها عبر عقود من العمل في ظروف اقتصادية وتشغيلية بالغة التعقيد.

وفي السودان، حيث تواجه المؤسسات الاقتصادية تداعيات الحرب وتحديات تشغيلية ومالية متزايدة، تكتسب إعادة هيكلة شركات النفط أهمية خاصة، ليس فقط لما يمكن أن تحققه من خفض للتكاليف وتعزيز للكفاءة، وإنما أيضاً لما تفرضه من ضرورة التحقق من سلامة القرارات، وعدالة توزيع الأعباء، وحماية الأصول والحقوق، وضمان ألا تتحول إجراءات الإصلاح إلى مصدر لاختلالات جديدة يصعب تداركها لاحقاً.

دمج الشركات

من هذا المنطلق، يثير دمج شركة النيل للبترول المحدودة مع شركتي بشائر للطاقة وبتروترانس جملة من التساؤلات بشأن الأسس التي قامت عليها العملية، ومدى استنادها إلى دراسة متكاملة لجدوى الدمج وآثاره المالية والإدارية والتشغيلية، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين الشركات الثلاث، واختلاف أنشطتها، وحجم الأصول والالتزامات التي انتقلت أو يُفترض أن تنتقل إلى الكيان الجديد.

فبينما تستند المبررات الرسمية للدمج إلى هدف معلن يتمثل في إنشاء كيان أكثر قوة وكفاءة، قادر على توحيد الحقوق والالتزامات وتقليل التكاليف وضمان استمرارية الخدمات، تطرح مذكرات احتجاجية وشكاوى مرتبطة بالعملية أسئلة مغايرة حول طريقة تنفيذها، وتوزيع المسؤوليات الإدارية، وما إذا كانت الشركة التي يُفترض أن تقود عملية الدمج ستخرج منها أكثر قدرة على أداء مهامها، أم ستتحمل أعباء إضافية تمس مركزها المالي وهويتها المؤسسية.

وتتركز هذه المخاوف حول شركة النيل للبترول، التي يزيد عمرها على سبعة عقود، وتراكمت لديها خبرات تشغيلية واستثمارات وأصول وشبكة واسعة من محطات الخدمة ومرافق النقل والتخزين. وهي، وفقاً لما تطرحه المذكرات، ليست مجرد شركة يجري إدراجها في هيكل إداري جديد، بل مؤسسة لها تاريخها ومواردها وشبكة علاقاتها التشغيلية، فضلاً عن دورها في إمداد قطاعات حيوية بالمنتجات البترولية.

وفي المقابل، يطرح إدراج شركتي بشائر للطاقة وبتروترانس في عملية الدمج أسئلة تتعلق بطبيعة أنشطة كل منهما، ومدى التكامل بينها وبين أنشطة النيل، والأسس التي حُددت بموجبها الالتزامات والأصول المشمولة بالعملية. وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل ما أُثير بشأن الأوضاع المالية السابقة لبعض الشركات، ومدى إجراء مراجعات مستقلة للتحقق من الأصول والخصوم والالتزامات قبل انتقالها إلى الشركة الدامجة.

ولا تقف القضية عند حدود الحسابات المالية أو الهياكل التنظيمية، إذ تتناول الشكاوى أيضاً طبيعة الترتيبات الإدارية التي أعقبت الدمج، وما وُصف بأنه تراجع لدور كوادر النيل في إدارة مؤسستهم، إلى جانب مخاوف من انعكاس التغييرات على منظومة الوكلاء واستقرار عمليات التوزيع. وهي مسائل، إن صحت، تجعل تقييم العملية مرتبطاً بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة، لا بمجرد صدور قرار الدمج أو إعلان انتقال الحقوق والالتزامات.

كيان جديد

وفي السادس عشر من فبراير 2025، أُعلن رسمياً عن ولادة كيان جديد يجمع ثلاث شركات عاملة في قطاع النفط، هي شركة النيل للبترول المحدودة، وشركة بشائر للطاقة، وشركة بتروترانس.

وجاء الإعلان، الذي صدر باسم شركة بشائر للطاقة سابقاً بالتنسيق مع شركة النيل، بالنص الآتي: "انتقال كافة حقوق والتزامات بشائر التجارية والقانونية التي لها أو عليها إلى شركة النيل للبترول، بما في ذلك الأصول المادية والثابتة والمتداولة والمعنوية، وجميع العاملين، وأي التزامات مالية أو قانونية تجاه العملاء والشركاء والموردين".

في السادس عشر من فبراير 2025، أُعلن رسمياً عن ولادة كيان جديد يجمع ثلاث شركات عاملة في قطاع النفط (شركة النيل للبترول المحدودة، وشركة بشائر للطاقة، وشركة بتروترانس).

الإعلان، الذي صدر باسم بشائر سابقاً بالتنسيق مع النيل، قال بالنص: "انتقال كافة حقوق والتزامات بشائر التجارية والقانونية التي لها أو عليها إلى شركة النيل للبترول، بما في ذلك الأصول المادية والثابتة والمتداولة والمعنوية، وجميع العاملين، وأي التزامات مالية أو قانونية تجاه العملاء والشركاء والموردين".

اختلالات هيكلية:

غير أن هذا الدمج واجه تحذيرات وشكاوى من السير في اتجاه ابتلاع النيل لصالح بشائر.

ومن خلال مذكرات موجهة إلى وزير الطاقة، تحدثت المذكرة الاحتجاجية عن اختلالات هيكلية، على رأسها الدمج بلا دراسة، حيث لم تسبق خطوة الدمج لجنة خبراء مستقلة لتقييم جدوى الدمج وآثاره المالية والإدارية، رغم طرح تحفظات لم تجد دراسة.

ثاني الاختلالات تمثلت في تحميل النيل أعباء مالية غريبة، حيث تشير معلومات متداولة – قيد التحقيق – إلى أن النيل قامت بالوفاء ببعض الالتزامات المالية السابقة لبشائر وبتروترانس، رغم اختلاف طبيعة نشاط بتروترانس. وتطالب المذكرة بمراجعة محاسبية مستقلة، وقالت: "لا يجوز أن تتحمل النيل دون سند قانوني أعباء نشأت من شركات أخرى، أو أن يؤدي الدمج إلى إخفاء اختلالات مالية سابقة".

الاختلال الهيكلي الثالث تمثل في استحواذ إداري كامل، وهي النقطة التي فجرت الغضب، إذ آلت كل الإدارات العليا إلى كوادر بشائر، بدءاً من:

المدير العام والمدير التنفيذي.

مدير المبيعات.

مسؤول المبيعات المباشر.

صرح استراتيجي:

وتساءلت المذكرة: "كيف تُسلَّم مقاليد صرح استراتيجي بحجم النيل لطاقم كامل من شركة واحدة؟ وكأنها عملية استحواذ خفية وتصفية لهوية المؤسسة الأعرق؟".

وأشارت المذكرة إلى إهدار الذاكرة المؤسسية لشركة النيل، حيث "أصبح موظفو النيل موظفي درجة ثانية"، يشعرون بالتهميش، بينما منظومة الوكلاء – التي تمثل أهم أصول الشركة – تتعرض لقرارات ارتجالية تهدد استقرار التوزيع والأمن والسلامة.

وبالعودة إلى ملفات شركة النيل للبترول، نجد أنها تأسست في العام 1954 باسم الشركة المصرية الفرنسية للنفط، ومرت بكالتكس وتوتال، ثم أصبحت ملكية وطنية خالصة في عام 1993. ويزيد عمرها على 70 عاماً.

يقع مقرها الرئيسي في الخرطوم، شارع الملك نمر، ولها مراكز عمليات في الشجرة والجيلي ومدني وعطبرة وبورتسودان.

ولها أكثر من 240 محطة خدمة، وأسطول نقل متكامل، ومستودعات، وكانت أول من أنشأ مستودعاً قرب مصفاة الخرطوم، وكان يمد شركات شل وموبيل وأجيب لأكثر من 6 أشهر.

كما تغذي قطاعات سيادية (الجيش والشرطة والأمن والكهرباء والموانئ والاتصالات ومصانع السكر والأسمنت). واستثماراتها من حر مالها: 49% من بتروباش (زيوت فوكس)، و40% من نايل بكري لوقود الطائرات، و40% من أسهم بتروترانس نفسها لإنقاذها من الانهيار، وفرع في إثيوبيا، و"النيل غاز" بأسطوانات الألياف الزجاجية.

أما بشائر للطاقة، فبحسب المذكرة، كانت في الأصل وكيلاً لدى النيل في المحطة القريبة من منظمة الصحة العالمية (WHO)، ويقتصر نشاطها على بيع البنزين والجازولين عبر محطات الخدمة. وقامت على أكتاف النيل التي رعتها وأوجدتها.

وفيما يخص شركة بتروترانس (شركة النقل)، فإن نشاطها مختلف تماماً عن تسويق المنتجات، وهي التي كانت على حافة الهاوية لولا رفع النيل لنصيبها فيها إلى 40%.

كيان قوي:

دمج الشركات الثلاث، بحسب الدعاوى الرسمية، يستهدف خلق كيان واحد قوي يقلل التكاليف، ويوحد الحقوق والالتزامات، ويضمن استمرارية الخدمات بنفس الكفاءة والجودة.

وبحسب مقدمي الشكاوى، فإن شركة النيل للبترول، التي أنقذت بتروترانس ذات يوم، واستأنفت الشحن من مستودع الجيلي منذ بدء إنتاج مصفاة الخرطوم في أحلك الظروف، ودعمت المدارس والجامعات والمستشفيات ومحطات المياه والطاقة الشمسية، تستحق أن تخضع عملية دمجها لمعايير الحوكمة والمساءلة، لا للمحسوبية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...