بعد تخرجه عمل مفتشًا زراعيًا بمشروع الدالي بولاية سنار

جمع بين التميز الأكاديمي والخبرة التنفيذية والعمل السياسي والنضال الوطني

عقب انقلاب مايو 1969م انضم إلى صفوف المعارضة ضمن الجبهة الوطنية

لم يكن الدكتور عمر نور الدائم سياسيًا فحسب، بل كان شخصية اجتماعية استثنائية، عُرف بكرمه وسعة صدره

 

خاص ــ صوت الأمة

النشأة والجذور الوطنية

يُعد الدكتور عمر محمد نور الدائم الفكي إدريس، المعروف بـ"أبي البتول" و"أبي التومة"، أحد أبرز القيادات الوطنية في السودان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث جمع بين التميز الأكاديمي والخبرة التنفيذية والعمل السياسي والنضال الوطني. وبرز اسمه بوصفه من رواد تطوير القطاع الزراعي، وأحد أبرز قيادات حزب الأمة القومي، ورمزًا من رموز المعارضة السودانية في مواجهة الأنظمة العسكرية.

ولد عام 1934م بقرية مشتاي بالقرب من نعيمة بولاية النيل الأبيض، ونشأ في أسرة عُرفت بالزعامة الاجتماعية والكرم والارتباط التاريخي بالدعوة المهدية. فقد شارك أجداده في نصرة الإمام المهدي، وقدموا شهداء في معارك المهدية، مما أسهم في تشكيل شخصيته القائمة على قيم الوفاء والشجاعة وتحمل المسؤولية.

فقد والدته في سنٍّ مبكرة، فتولت خالته التومة هباني تربيته، كما كان لخاله الناظر إدريس هباني وجدته فاطمة بنت عبد المحمود أثر كبير في تنشئته، ليشب في بيئة جمعت بين الأصالة والعلم والقيادة المجتمعية.

بدأ تعليمه بحفظ القرآن الكريم في خلوة الشيخ صديق العجب بقرية نعيمة، ثم واصل دراسته الأولية والوسطى في نعيمة، قبل أن ينتقل إلى مدرسة حنتوب الثانوية، إحدى أبرز المدارس السودانية آنذاك. وفي عام 1957م تخرج في كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، حيث نشأت علاقة صداقة متينة بينه وبين السيد الصادق المهدي، الذي كان يدرس بكلية العلوم، وهي علاقة تطورت لاحقًا إلى شراكة سياسية امتدت لعقود.

 

الريادة الزراعية

بعد تخرجه عمل مفتشًا زراعيًا بمشروع الدالي بولاية سنار، ثم ابتعث إلى ألمانيا، حيث نال درجتيْ الماجستير والدكتوراة في الزراعة الآلية من جامعة غوتنغن عام 1963م. وعقب عودته إلى السودان التحق بمشروع خشم القربة، وكان من المؤسسين الأوائل لمشروع حلفا الجديدة، وأسهم في وضع أسسه الفنية والإدارية، ليصبح أحد أبرز الخبراء الزراعيين في البلاد.

رأى الدكتور عمر أن نهضة السودان تبدأ من الزراعة، وأن الأمن الغذائي والتنمية الريفية يمثلان أساس الاستقرار الوطني، لذلك ارتبط اسمه بتطوير الإدارة الزراعية، وربط البحث العلمي بالإنتاج، وتحسين أوضاع المزارعين، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي اقتناعًا بأن التنمية لا تكتمل دون نظام ديمقراطي ومؤسسات راسخة.

ومن أبرز إنجازاته في وزارة الزراعة إعادة هيكلة الوزارة، ودعم هيئة البحوث الزراعية، وزيادة فرص الابتعاث العلمي، وإنشاء وحدات للتقييم والمتابعة، وحظر استخدام بعض المبيدات الضارة بالصحة، والعمل على تطوير مشروعات الزراعة المروية، إلى جانب الحصول على تمويل دولي لإعادة تأهيل عدد من المشروعات الزراعية، ووضع برامج لتطوير إقليم النيل الأبيض.

 

من الزراعة إلى السياسة

في أعقاب ثورة أكتوبر 1964م استقال من الخدمة المدنية وتفرغ للعمل السياسي في حزب الأمة، وانتخب مساعدًا للسكرتير العام لشؤون الانتخابات والأقاليم. وفي عام 1965م اختير وزيرًا للزراعة في أول حكومة برئاسة السيد الصادق المهدي، مستفيدًا من خبرته العلمية والإدارية في رسم السياسات الزراعية.

عقب انقلاب مايو 1969م انضم إلى صفوف المعارضة ضمن الجبهة الوطنية، وقضى نحو ثماني سنوات خارج السودان متنقلًا بين ليبيا وعدد من الدول، قبل أن يعود بعد المصالحة الوطنية عام 1977م.

وبعد انتفاضة أبريل 1985م وانتخابات عام 1986م، انتخب نائبًا عن دائرة أم رمتة (ود نمر) بولاية النيل الأبيض، وهي الدائرة التي سبق أن مثلها في البرلمان خلال الديمقراطية الثانية، كما تولى مجددًا وزارة الزراعة، ثم وزارة المالية عام 1988م، حيث عرف بالانضباط والنزاهة والإدارة الرشيدة.

بعد انقلاب الإنقاذ في يونيو 1989م تعرض للاعتقال، ثم سمح له بالسفر إلى لندن للعلاج في منتصف التسعينيات، ليواصل من هناك نشاطه السياسي. وأسهم مع قادة القوى الوطنية في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة السيد محمد عثمان الميرغني، وتنقل بين لندن والقاهرة وأسمرا، مشاركًا في جهود توحيد المعارضة السودانية.

وعقب توقيع اتفاق جيبوتي بين حزب الأمة والحكومة، عاد إلى الخرطوم في السادس من أبريل عام 2000م، مترئسًا وفد المقدمة، قبل أن ينتخب نائبًا أول لرئيس حزب الأمة، ثم نائبًا لرئيس الحزب، وظل في هذا الموقع حتى وفاته.

 

القيادة وشيخ العرب

وخلال مسيرته التنظيمية شغل عددًا من المواقع القيادية في حزب الأمة، من بينها مساعد السكرتير العام لشؤون الانتخابات والأقاليم، ونائب الأمين العام، ثم نائب أول رئيس الحزب، وأخيرًا نائب رئيس الحزب. وكان من أكثر قيادات الحزب احترامًا لما عرف عنه من الحكمة والاعتدال والالتزام المؤسسي.

لم يكن الدكتور عمر نور الدائم سياسيًا فحسب، بل كان شخصية اجتماعية استثنائية، عُرف بكرمه وسعة صدره وتواضعه وقربه من الناس، حتى لُقب بـ"شيخ العرب". وكان مجلسه مفتوحًا للجميع، لا يفرق بين مؤيد ومعارض، ويحرص على إصلاح ذات البين، ومواساة الناس، وصلة الرحم، حتى غدت المروءة جزءًا أصيلًا من سيرته.

وقد شهد له رفاقه وخصومه بالنزاهة ونظافة اليد وصدق الموقف، وكان يؤمن بأن القيادة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن خدمة الوطن لا تتحقق إلا بالعلم والمؤسسات والديمقراطية واحترام الإنسان.

وفي الأول من رمضان 1424هـ، الموافق 28 أكتوبر 2003م، توفي إثر حادث مروري أثناء توجهه لأداء واجب عزاء، في مشهد جسّد وفاءه لنهجه الإنساني حتى آخر أيامه. ودُفن بحوش قبة الإمام المهدي بأم درمان، تاركًا وراءه إرثًا وطنيًا وسياسيًا وعلميًا ظل حاضرًا في الذاكرة السودانية.

ويظل الدكتور عمر نور الدائم واحدًا من الشخصيات التي جمعت بين العالم المتخصص، والإداري الكفء، والسياسي الملتزم، والإنسان الذي لم تغيره المناصب، فبقي وفيًا لمبادئه، قريبًا من الناس، مؤمنًا بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن الزراعة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية تشكل معًا ركائز نهضة السودان.

 

شهادة القائد الصادق

رسم الإمام الصادق المهدي صورة استثنائية لصديقه ورفيق دربه عمر نور الدائم، فعدّه شريكًا حقيقياً في صناعة القرار وصاحب بصيرة نافذة جمعت بين الحكمة السياسية والعمق الفكري والالتزام الأخلاقي. وقدّم المهدي عمرًا بوصفه العقل الذي كان يحثه على تحمل المسؤولية عندما تردد في قبول رئاسة الوزراء ثم الإمامة، مستندًا إلى رؤية تؤمن بأن القيادة تكليف يفرضه الوفاء للجماهير وللمبادئ. كما أشاد بثقافته الواسعة التي جمعت بين التأهيل الأكاديمي والانفتاح الفكري، مع تواضع فطري جعله قريبًا من عامة الناس بالرغم من تقلده أرفع المناصب. ووصفه بأنه صاحب روح مرحة وفكاهة نبيلة تُؤلف بين القلوب، وصاحب إلهام سياسي مكّنه من استشراف المخاطر قبل وقوعها، حتى إنه تنبأ بأن القوى الخارجية لن تسمح باستمرار النهج الوطني المستقل الذي تبنته الحكومة المنتخبة.

وختم المهدي شهادته بالتأكيد على أن عمر نور الدائم ظل مثالًا للإخلاص والثبات والوفاء للكيان وللوطن، وأن سيرته ستبقى خالدة بما قدمه من تضحية ورجاحة عقل ونقاء سريرة، مستحقًا الدعاء بالرحمة والخلود في ذاكرة السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...