وُلد في أسرة ذات حضور سياسي واجتماعي وتاريخي بارز

تلقى مبادئ العلوم الدينية في خلوة الفكي عبد الكريم، ثم درس الفقه على يد القوني السنوسي ضو البيت

كان يؤمن بأن بناء الدولة لا يبدأ من الشعارات السياسية

انضم إلى حزب الأمة، وكان من أصغر أعضائه سنًا، ثم تدرج في مؤسساته

 

الدكتور علي حسن تاج الدين، سياسي تولى منصبًا في واحدة من أهم التجارب الديمقراطية في تاريخ السودان. كان، في تكوينه ومسيرته، امتدادًا لعائلة ارتبط اسمها بتاريخ دار مساليت والحركة الوطنية، وفي الوقت نفسه واحدًا من أبناء جيلٍ حاول أن ينقل السودان من تقاليد الإدارة الأهلية وموروث الدولة التقليدية إلى فضاء الدولة الحديثة ومؤسساتها.

اجتمعت في شخصيته عناصر قلَّما اجتمعت في رجل واحد: النشأة الدارفورية، الإرث السلطاني، التعليم الحديث، الخبرة الإدارية، العمل المصرفي الدولي، النشاط السياسي، والاهتمام بالشأن الإفريقي. ولذلك فإن قراءة سيرته لا تكتمل عند حدود المناصب التي تقلدها، بل تحتاج إلى النظر إليه باعتباره واحدًا من الشخصيات التي عبرت بين أجيال ومراحل مختلفة من تاريخ السودان.

وُلد علي حسن تاج الدين في مدينة الجنينة، حاضرة دار مساليت، عام 1940م، في أسرة ذات حضور سياسي واجتماعي وتاريخي بارز. كان والده الأمير حسن تاج الدين أحد الشخصيات السياسية المعروفة في دارفور، وعضوًا في البرلمان، ونجل السلطان تاج الدين، سلطان دار مساليت الذي ارتبط اسمه بالمقاومة ضد التوسع الفرنسي وسقط شهيدًا في معركة دروتي عام 1910م. أما والدته فهي الحاجة الفضلى أم كلثوم، ابنة القاضي عبد المالك علي السنوسي، الذي تولى رئاسة السلطة القضائية في سلطنة دار مساليت لسنوات طويلة.

ومن هذا البيت تلقى علي حسن تاج الدين أولى دروسه في معنى المسؤولية العامة، قبل أن يغادر لاحقًا إلى فضاء التعليم الحديث الذي سيشكل جانبًا أساسيًا من شخصيته.

 

من خلوة الجنينة إلى جامعة القاهرة

بدأ تعليمه في البيئة الدينية التقليدية؛ فتلقى مبادئ العلوم الدينية في خلوة الفكي عبد الكريم، ثم درس الفقه على يد القوني السنوسي ضو البيت، أحد تلاميذ الشيخ أبي القاسم إبراهيم السنوسي، شيخ الطريقة التجانية في الجنينة ومن أعلامها في السودان وغرب إفريقيا.

ثم التحق بمدرسة الجنينة الأولية، حيث ظهرت مبكرًا ملامح التفوق الدراسي التي رافقته في مراحل لاحقة من حياته.

لكن مساره التعليمي لم يتوقف عند التعليم التقليدي. فقد كان والده من المؤمنين بأهمية التعليم الحديث لأبناء دارفور، فسعى إلى إتاحة فرص الدراسة لهم في مصر. وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي انتقل علي حسن تاج الدين وإخوته إلى مصر، والتحقوا بالأزهر الشريف، قبل أن تتجه دراسته أيضًا إلى التعليم المدني الحديث.

درس إدارة الأعمال في جامعة القاهرة، وتخرج عام 1964م، في مرحلة كانت فيها المنطقة العربية وإفريقيا تشهدان تحولات سياسية وفكرية كبرى. ولم يكن اختياره لإدارة الأعمال مصادفة؛ فقد أصبح لاحقًا واحدًا من المتخصصين في الإدارة والعمل المؤسسي، وجمع في تجربته بين المعرفة الأكاديمية والممارسة العملية.

ثم واصل دراسته في أوروبا، وحصل على دبلوم المعهد الدولي للإدارة العامة في باريس عام 1970م، قبل أن ينال درجة الدكتوراة في العلوم الإدارية من جامعة السوربون بباريس، في مسار أكاديمي أضاف إلى تكوينه بعدًا دوليًا واضحًا.

وهكذا تشكلت شخصيته في تقاطع ثلاث دوائر: الموروث الديني والأهلي في دارفور، والتعليم الحديث في القاهرة، والمدرسة الإدارية الأوروبية في باريس.

 

الإدارة قبل السياسة

بعد عودته إلى السودان، بدأ مساره المهني في الإدارة العامة، وعمل بوزارة المالية والاقتصاد وديوان شؤون الخدمة، وشارك لاحقًا في لجان الإصلاح الإداري خلال سبعينيات القرن الماضي.

كان يؤمن بأن بناء الدولة لا يبدأ من الشعارات السياسية، وإنما من المؤسسات والكفاءة والانضباط الإداري. ولذلك ظلت الإدارة حاضرة في مسيرته حتى عندما دخل مجال السياسة.

وفي عام 1977م، انتقل إلى العمل في الخارج، والتحق بالبنك الإسلامي للتنمية في جدة، حيث عمل في مؤسسة دولية ومثَّل القارة الإفريقية، واكتسب خبرة واسعة في الإدارة والعمل المؤسسي والعلاقات الدولية.

امتدت تجربته هناك حتى عام 1986م، وهي فترة أتاحت له الاحتكاك بأنظمة إدارية واقتصادية مختلفة، والتعامل مع قضايا التنمية في إفريقيا والعالم الإسلامي، كما وسّعت شبكة علاقاته خارج السودان.

وعندما عاد إلى بلاده في 1986م، لم يعد مجرد إداري يحمل شهادة أكاديمية وخبرة دولية، وإنما عاد برصيد من التجربة المهنية والسياسية يؤهله للعب دور عام أكبر.

 

السياسة... من جبهة نهضة دارفور إلى حزب الأمة

كان علي حسن تاج الدين منخرطًا في العمل العام منذ وقت مبكر. ففي عام 1964م كان عضوًا ومؤسسًا ومديرًا لأعمال جبهة نهضة دارفور، وهي تجربة تعكس اهتمامه المبكر بقضايا الإقليم وحقوقه وموقعه داخل الدولة السودانية.

وفي العام نفسه، انضم إلى حزب الأمة، وكان من أصغر أعضائه سنًا، ثم تدرج في مؤسساته حتى أصبح عضوًا في المكتب السياسي خلال الفترة الديمقراطية الثالثة.

ولم تكن علاقته بحزب الأمة مجرد علاقة تنظيمية، فقد أصبح واحدًا من الشخصيات التي ربطت بين الحزب ودارفور، وبين العمل السياسي المركزي والقضايا الإقليمية.

وفي عام 1988م، تولى منصب الأمين العام المكلف للحزب، في واحدة من أكثر المراحل السياسية اضطرابًا في تاريخ الديمقراطية الثالثة.

كان السودان آنذاك يعيش أزمة سياسية وأمنية واقتصادية متصاعدة، وكانت الحكومة والنظام الحزبي يواجهان تحديات متشابكة. وفي قلب ذلك المشهد برز علي حسن تاج الدين بوصفه أحد الوجوه السياسية والإدارية التي تمتلك خبرة تتجاوز العمل الحزبي التقليدي.

 

في مجلس رأس الدولة

جاءت اللحظة الأبرز في مسيرته السياسية مع اختياره عضوًا في مجلس رأس الدولة خلال فترة الديمقراطية الثالثة، بين عامي (1986م و1989م).

كان مجلس رأس الدولة يمثل رأس الدولة الجماعي في النظام الديمقراطي آنذاك، وضم شخصيات من خلفيات وأقاليم مختلفة. وكان اختيار علي حسن تاج الدين للمجلس محطة ذات دلالة خاصة، ليس فقط لأنه كان قياديًا في حزب الأمة، وإنما لأنه جاء من دارفور ويحمل خلفية سياسية وإدارية وأكاديمية واسعة.

ومن موقعه في المجلس، اهتم بصورة خاصة بالعلاقات الإفريقية والملفات ذات الصلة بالمحيط الإقليمي، مستفيدًا من معرفته بالقارة ومن شبكة علاقاته الدولية.

غير أن التجربة الديمقراطية لم تدم طويلًا. ففي 30 يونيو 1989م، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة، لتنتهي بذلك مرحلة الديمقراطية الثالثة، ويغادر علي حسن تاج الدين موقعه في مجلس رأس الدولة مع سقوط النظام الدستوري.

 

رجل يعرف إفريقيا

كان البعد الإفريقي من أكثر السمات حضورًا في شخصية علي حسن تاج الدين.

لم تكن إفريقيا بالنسبة إليه مجرد ملف سياسي، بل كانت جزءًا من تكوينه واهتمامه المهني والفكري. فقد زار معظم دول الجوار السوداني، إلى جانب عدد كبير من الدول الإفريقية، كما زار دولًا أوروبية وآسيوية والولايات المتحدة.

وساعدته دراسته وخبرته الدولية وعلاقاته الواسعة، على النظر إلى السودان من موقعه الجغرافي والتاريخي داخل القارة، لا باعتباره جزيرة منفصلة عن محيطه.

ولهذا اكتسب حضورًا خاصًا في الملفات الإفريقية، وهو ما انعكس لاحقًا في اختياره مستشارًا لرئيس الجمهورية للشؤون الإفريقية عام 2002م.

كان ذلك امتدادًا طبيعيًا لخبرة تراكمت عبر عقود: "دارفور، والسودان، وإفريقيا، والمؤسسات الدولية".

 

بين الدولة والمجتمع

ربما كان الجانب الأقل ظهورًا في سيرة علي حسن تاج الدين، هو علاقته بالمجتمع، وهي علاقة لم تكن أقل أهمية من نشاطه السياسي.

فبحسب من عرفوه عن قرب، كان منزله مساحة مفتوحة لأبناء السودان بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم، ومكانًا للقاء السياسيين والمثقفين والأصدقاء وأهل دارفور.

وكان يحمل معه ثقافة اجتماعية عميقة تشكلت في بيئة دارفور، بما فيها من تقاليد الضيافة، واحترام الكبير، وتقدير العلاقات الاجتماعية، والاعتزاز بالموروث المحلي.

ولم يكن هذا الانتماء للموروث مناقضًا لحداثته الفكرية. على العكس، فقد استطاع أن يجمع في شخصيته بين الثقافة الأهلية والتعليم الأكاديمي، وبين روح المجتمع التقليدي ومفاهيم الإدارة الحديثة.

وهذه الثنائية ربما تفسر جانبًا مهمًا من حضوره: فقد كان قادرًا على مخاطبة رجل الإدارة بلغة المؤسسات، وعلى مخاطبة رجل المجتمع بلغة الموروث والقيم والعلاقات الإنسانية.

 

جامعة أم درمان الأهلية والعمل العام

لم تنحصر مساهماته في السياسة والإدارة. فقد شارك في مجلس مؤسسي جامعة أم درمان الأهلية، وهي واحدة من التجارب السودانية المهمة في مجال التعليم الأهلي.

كما ارتبط اسمه بالعمل المصرفي والمؤسسي، وبعدد من المبادرات العامة التي عكست اهتمامه بالتنمية والتعليم وبناء القدرات.

وكان يرى أن خدمة الوطن لا تُختزل في تقلد المناصب السياسية؛ فالدولة تحتاج إلى سياسيين، لكنها تحتاج كذلك إلى إداريين وأكاديميين ومؤسسات تعليمية ومهنية قادرة على بناء المستقبل.

 

مستشار الشؤون الإفريقية

في عام 2002م عاد اسمه إلى دائرة العمل الرسمي، عندما اختير مستشارًا لرئيس الجمهورية للشؤون الإفريقية.

وكان تعيينه في هذا الموقع تعبيرًا عن خبرة طويلة في العلاقات الإفريقية والدولية، تراكمت منذ عمله في المؤسسات السودانية، ثم تجربته في البنك الإسلامي للتنمية، ومشاركته في العمل السياسي، وعضويته في مجلس رأس الدولة.

وقد منحته سنوات العمل والسفر والاحتكاك بالقارة، قدرة على قراءة تعقيدات البيئة الإقليمية من منظور أوسع من الحسابات السياسية اليومية.

 

إرث يتجاوز المناصب

توفي الدكتور علي حسن تاج الدين في جمهورية مصر العربية في 9 يناير 2022م، عن عمر ناهز الثانية والثمانين عامًا.

رحل في هدوء، لكنه ترك وراءه سيرة ممتدة عبر أكثر من نصف قرن من تاريخ السودان الحديث.

وإذا كانت المناصب هي أكثر ما يلفت النظر في سير الشخصيات العامة، فإن قيمة علي حسن تاج الدين لا تختزل في أنه كان عضوًا في مجلس رأس الدولة، أو أمينًا عامًا مكلفًا لحزب الأمة، أو مستشارًا رئاسيًا، أو إداريًا عمل في مؤسسة دولية، الأهم أنه كان نتاجًا لمرحلة سودانية كان فيها رجل الدولة يستطيع أن يحمل أكثر من صفة في الوقت نفسه: سياسيًا من دون أن يكون أسير السياسة، وإداريًا من دون أن ينغلق داخل البيروقراطية، ودارفوريًا من دون أن ينفصل عن السودان، وإفريقيًا من دون أن يفقد صلته بالعالم.

لقد حمل معه إرث أسرة ارتبطت بتاريخ دار مساليت، لكنه لم يبق أسيرًا لذلك الإرث. انتقل به إلى فضاءات التعليم الحديث والعمل المؤسسي والسياسة والعلاقات الدولية.

 

ومن هنا تكمن أهمية سيرته

فهو يمثل جيلًا من السودانيين الذين رأوا في الدولة مشروعًا يتجاوز الأشخاص، وفي السياسة مسؤولية تتجاوز السلطة، وفي التعليم وسيلة لبناء الإنسان، وفي الانتماء الإقليمي جزءًا من الهوية الوطنية لا بديلًا عنها.

ولعل أكثر ما يستحق أن يبقى من تجربته ليس عدد المناصب التي شغلها، وإنما ذلك المزج النادر بين المعرفة والإدارة والسياسة والمجتمع، وبين جذور عميقة في دارفور وتجربة واسعة في السودان وإفريقيا والعالم.

كان علي حسن تاج الدين ابن الجنينة، وحفيد تاريخ طويل في دار مساليت، لكنه عاش حياته في فضاء أوسع من حدود المكان؛ فضاء الدولة السودانية، والقارة الإفريقية، والمؤسسات الدولية.

وحين غاب في التاسع من يناير 2022م، لم تطوَ صفحة رجل سياسي فحسب، وإنما أُغلقت صفحة من صفحات جيل حمل السودان في ذاكرته كما حمله في عمله، وترك للأجيال التالية سيرة تستحق أن تُقرأ لا باعتبارها حكاية منصب، بل باعتبارها شهادة على زمن كامل من تاريخ السودان.

رحم الله الدكتور علي حسن تاج الدين، وأسكنه فسيح جناته، وجزى عطاءه للوطن وأهله خير الجزاء.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...