بروفايل ــ صوت الأمة

من عمق كردفان، ومن مدينة أبوزبد التي ظلت واحدة من مراكز الحركة الرعوية والتجارية في غرب البلاد، خرج بكري أحمد عديل، حاملاً إرثاً اجتماعياً وسياسياً تشكل في بيئة البادية والإدارة الأهلية، ثم صقلته مؤسسات التعليم الحديث والحركة الوطنية والعمل الحزبي.

كان بكري عديل واحداً من جيل سياسي تشكل وعيه في السنوات الأخيرة من الحكم الاستعماري، وعاصر الاستقلال، وشارك في الحياة السياسية والدستورية، ثم قضى جانباً كبيراً من حياته في مقاومة الأنظمة العسكرية، ودفع ثمناً لذلك بالاعتقال والسجن والمحاكمة والملاحقة.

الميلاد والبداية

ولد بكري أحمد عديل عام 1934م في أبوزبد بغرب كردفان، في أسرة ذات مكانة اجتماعية وإدارية وسياسية بارزة في دار حمر. كان والده الأمير أحمد عديل شرتاي المنطقة، وكانت الأسرة مرتبطة بالإدارة الأهلية وكيان الأنصار وحزب الأمة. وفي ذلك البيت المفتوح أمام الناس، والممتد الصلة بشؤون القبيلة والمجتمع، تشكلت شخصية بكري الأولى.

الخلوة والبداوة.. البدايات الأولى للوعي

نشأ بكري عديل في بيئة تجمع بين الموروث الديني والاجتماعي وحركة البادية. وبحكم موقع والده، كانت للأسرة خلوة خاصة، جاء إليها فقيه لتعليم الأبناء القرآن والسيرة النبوية.

كانت تلك المرحلة الأولى في تكوينه؛ إذ تلقى تعليمه الديني في المسيد، قبل أن ينتقل إلى التعليم النظامي. ومن أبوزبد دخل المدرسة الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة الدويم الريفية المتوسطة، وهي تجربة لم تكن تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل كانت تهتم كذلك بالتربية البدنية والنظام الجماعي والعلاقات الاجتماعية.

بعد الدويم، انتقل إلى التعليم الثانوي. التحق أولاً بمدرسة حنتوب الثانوية عام 1949م، ثم انتقل منها إلى مدرسة خورطقت الثانوية، حيث أكمل دراسته.

وهناك، في المدارس الثانوية، بدأ الوعي السياسي لجيله يتشكل في مواجهة الإدارة الاستعمارية. فقد كانت المدارس في تلك الفترة بيئة خصبة للنقاش السياسي، وارتبط النشاط الطلابي بالحركة الوطنية وبالحراك النقابي والعمالي.

جامعة الخرطوم.. الاقتصاد والسياسة

في عام 1953م التحق بكري عديل بجامعة الخرطوم، التي كانت آنذاك مركزاً رئيسياً للنشاط السياسي والفكري في السودان، ودرس الاقتصاد، وتخرج في يوليو 1958م.

كانت الجامعة بالنسبة إليه فضاءً تبلورت فيه رؤيته السياسية. وفيها التقى بعدد من الشخصيات التي أصبحت لاحقاً من أبرز رموز الحياة السياسية السودانية، ومن بينهم محمد إبراهيم نقد وحسن الترابي، كما عاصر جيلاً من الطلاب الذين أصبحوا لاحقاً قيادات سياسية وفكرية.

وكان النشاط السياسي في الجامعة امتداداً لما بدأه في خورطقت، حيث شهدت سنوات دراسته تحركات طلابية ضد الإدارة الاستعمارية، وإضرابات ومظاهرات، وتفاعلاً مع الأحداث السياسية في السودان والمنطقة العربية.

وفي تلك البيئة، نشط بكري عديل في حزب الأمة وكيان الأنصار، متأثراً بخلفية أسرته وموقعها داخل الكيان. وكان من بين عدد محدود من الطلاب الذين حملوا الاتجاه الأنصاري داخل الجامعة في تلك الفترة.

من الاقتصاد إلى العمل السياسي

بعد تخرجه، عمل بكري عديل في شركة شل البريطانية، واكتسب خبرة مهنية في المجال الاقتصادي والإداري. لكنه لم يمضِ طويلاً في المسار الوظيفي بعيداً عن السياسة.

وبعد ثورة أكتوبر 1964م، اتجه بصورة أكثر تفرغاً إلى العمل السياسي داخل حزب الأمة، مستفيداً من تكوينه الأكاديمي وخبرته المهنية وصلاته الاجتماعية والسياسية.

وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياته؛ فقد انتقل من النشاط السياسي الطلابي إلى العمل الحزبي المنظم، وأصبح أحد الكوادر التي اعتمد عليها الحزب في العمل السياسي والتنظيمي.

مايو 1969.. من المعارضة إلى العمل السري

كان انقلاب 25 مايو 1969م بقيادة جعفر نميري نقطة تحول حاسمة في مسيرة بكري عديل.

فقد دخل حزب الأمة مرحلة العمل المعارض السري، وأصبح عديل من الشخصيات التي شاركت في تنظيم مقاومة النظام. وتذكر شهادات رفاقه أنه تولى مسؤوليات مهمة في الجانب التنظيمي للعمل المعارض.

وكان مكتبه في شركة شل بالخرطوم واحداً من الأماكن التي شهدت لقاءات واتصالات بينه وبين شخصيات مدنية وعسكرية معارضة للنظام.

ومع تصاعد نشاط المعارضة، أصبح بكري عديل هدفاً للأجهزة الأمنية.

انتفاضة شعبان

ارتبط اسم بكري عديل بمحطات مهمة من العمل المعارض لنظام مايو، من بينها انتفاضة شعبان 1973م، ثم التحركات التي سبقت حركة محمد نور سعد ودخوله الخرطوم عام 1976م.

وكان منزله في الخرطوم مكاناً للاجتماعات واللقاءات السياسية، ووفّر للمعارضين مساحة للتشاور والتنظيم.

لكن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في النشاط السري الذي مارسه، وإنما في الثمن الذي دفعه لاحقاً.

فبعد إحباط حركة حسن حسين في سبتمبر 1975م، اعتُقل بكري عديل، وقُدّم إلى محاكمة عسكرية ميدانية، وصدر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يُخفف إلى السجن لمدة خمس سنوات.

وقضى جانباً كبيراً من فترة سجنه في سجن بورتسودان، في ظروف قاسية، قبل أن يخرج في إطار المصالحة الوطنية عام 1977م.

المصالحة الوطنية

لم تؤدِ المصالحة الوطنية إلى قطع صلته بحزب الأمة أو تخليه عن قناعاته. وبما أن النظام لم يكن يسمح بالنشاط الحزبي التقليدي، واصل العمل السياسي ضمن الأطر السرية للحزب.

وأصبح عضواً في المكتب السياسي السري لحزب الأمة، في مرحلة كانت فيها الأحزاب السياسية محظورة عملياً، وكان المجال السياسي خاضعاً لهيمنة نظام مايو.

وكشفت هذه المرحلة جانباً أساسياً من شخصيته السياسية: القدرة على الاستمرار في العمل التنظيمي رغم تضييق المجال العام، والاحتفاظ بالصلة بين العمل السياسي والقاعدة الاجتماعية في كردفان والأنصار.

كردفان.. من الزعامة الاجتماعية إلى المسؤولية العامة

ارتبط اسم بكري عديل بكردفان ليس فقط باعتباره أحد أبنائها، وإنما بوصفه أحد السياسيين الذين انتقلوا من المجال المحلي والاجتماعي إلى مواقع المسؤولية العامة.

في عام 1980م عُيّن حاكماً مكلفاً لإقليم كردفان، ثم انتُخب عام 1981م نائباً عن دائرة أبوزبد في أول مجلس تشريعي لإقليم كردفان بعد نظام الأقاليم.

كان حضوره في كردفان امتداداً طبيعياً لعلاقته بالمنطقة وأهلها، وللإرث الذي حمله من أسرته ودار حمر وكيان الأنصار.

ولم تكن علاقته بكردفان علاقة انتخابية فقط؛ فقد ظل مرتبطاً بها سياسياً واجتماعياً حتى سنواته الأخيرة.

سبتمبر 1983.. السجن من جديد

مع إعلان قوانين سبتمبر 1983م، دخل بكري عديل مرحلة جديدة من المواجهة مع نظام نميري.

وفي سبتمبر من ذلك العام، اعتُقل ضمن مجموعة من قيادات حزب الأمة وكيان الأنصار، كان من بينهم الإمام الصادق المهدي وعدد من القيادات السياسية.

وأمضى فترة في سجن الأبيض، قبل أن يستمر اعتقاله في إطار حملة النظام على المعارضة السياسية والدينية.

وفي أبريل 1985م اعتُقل مرة أخرى، في الأيام التي سبقت سقوط نظام مايو، قبل أن تضع الانتفاضة الشعبية حداً لحكم نميري.

وهكذا كان بكري عديل واحداً من السياسيين الذين عبروا سجون مايو أكثر من مرة، دون أن تؤدي الاعتقالات إلى إنهاء نشاطه السياسي.

الديمقراطية الثالثة.. من المعارضة إلى الحكم

بعد سقوط نظام مايو في أبريل 1985م، عاد حزب الأمة إلى النشاط العلني، وشارك بكري عديل في إعادة بناء مؤسسات الحزب.

وانتُخب عضواً في الهيئات القيادية للحزب، وفاز في الانتخابات عن دائرة أبوزبد، وأصبح عضواً في الجمعية التأسيسية.

ومع تشكيل حكومة الديمقراطية الثالثة بقيادة الإمام الصادق المهدي، تولى بكري عديل وزارة التربية والتعليم، ثم تولى لاحقاً وزارة الطاقة والتعدين.

وفي وزارة التربية والتعليم ارتبط اسمه بمبادرات في مجال التعليم العالي، ومن أبرز ما يُذكر في شهادات رفاقه حصول السودان على نحو ألف منحة دراسية في ليبيا، استفاد منها طلاب سودانيون من مناطق مختلفة.

وهكذا انتقل عديل من السجن والمعارضة إلى موقع صناعة القرار، دون أن يقطع صلته بجذوره الاجتماعية والسياسية.

انقلاب الإنقاذ.. عودة إلى مربع المعارضة

في 30 يونيو 1989م أطاح انقلاب عمر البشير بالحكومة المنتخبة، وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ السودان، وجد بكري عديل نفسه فيها مرة أخرى في صف المعارضة.

عارض نظام الإنقاذ بشراسة، ودفع ثمناً لموقفه السياسي بالاعتقال والتضييق والإبعاد عن مواقع العمل العام.

وظل، رغم ذلك، متمسكاً بموقفه الرافض لمسايرة النظام أو عقد تسويات شخصية معه، وبانتمائه إلى حزب الأمة.

وهنا تكتمل إحدى أكثر السمات وضوحاً في سيرته؛ فقد عاش مراحل مختلفة من تاريخ السودان السياسي، وانتقل من مقاومة الاستعمار إلى مقاومة الأنظمة العسكرية، ثم إلى المشاركة في الحكم الديمقراطي، قبل أن يعود إلى المعارضة بعد انقلاب 1989م.

بكري عديل والأنصارية

لا يمكن فصل سيرة بكري عديل عن كيان الأنصار. فهو ينتمي إلى أسرة ارتبطت تاريخياً بالحركة المهدية والأنصارية، وظل انتماؤه للأنصار جزءاً من هويته السياسية والاجتماعية.

لكن أهمية عديل لا تكمن في الانتماء وحده؛ فقد كان يمثل نموذجاً لجيل من السياسيين الذين جمعوا بين الانتماء الاجتماعي والهوية السياسية والعمل الوطني، وحاولوا الانتقال من الزعامة التقليدية إلى المؤسسات الحزبية والدستورية الحديثة.

شخصية تجمع بين الريف والمدينة

كان بكري عديل نتاجاً لثلاث بيئات متداخلة: الريف الكردفاني، والتعليم الحديث، والعمل السياسي الوطني.

من أبوزبد أخذ صلته بالمجتمع والإدارة الأهلية ودار حمر.

ومن الخلوة أخذ التكوين الديني الأول.

ومن الدويم وحنتوب وخورطقت أخذ التعليم النظامي والاحتكاك بالحركة الطلابية.

ومن جامعة الخرطوم أخذ التكوين الاقتصادي والفكري والسياسي.

ومن حزب الأمة أخذ الإطار التنظيمي الذي ظل يتحرك من خلاله معظم حياته.

ومن السجون والمطاردة السياسية اكتسب خبرة المعارضة والصمود.

ولهذا لم يكن من السهل اختزال شخصيته في موقع سياسي واحد؛ فهو اقتصادي بالتكوين، وسياسي بالممارسة، وأنصاري بالانتماء، وكردفاني بالجذور، ودستوري من خلال تجربته في الحكم والبرلمان.

الإنسان وراء السياسي

كان صاحب حضور قوي، واتصف بالكرم والشهامة والشجاعة والصبر، وكان منزله مفتوحاً للضيوف والرفاق.

عُرف بتواضعه وسعة علاقاته وقدرته على بناء الصلات مع الآخرين، حتى مع اختلافهم السياسي. فقد جمع بين الحزم السياسي ورقة المشاعر.

وكان مناضلاً وطنياً من الطراز الأول، أسهم في العمل السياسي على مدى عقود. اتسمت حياته بالجدية والنزاهة والتجرد والصمود، وفي الوقت ذاته كان يتمتع بعلاقات اجتماعية وإنسانية نادرة، وثقافة سودانية أصيلة.

سنوات المرض

في سنواته الأخيرة، أقعده المرض عن ممارسة دوره السياسي بالصورة التي اعتاد عليها، لكنه ظل يتابع الشأن العام ويبدي رأيه متى سنحت له الفرصة.

وهنا بدا واضحاً أن العلاقة بين بكري عديل والسياسة لم تكن مرتبطة بمنصب أو موقع رسمي؛ فقد ظل السياسي الذي عاش معظم مراحل حياته في قلب الأحداث متابعاً للشأن العام حتى عندما أعاقه المرض.

65432687_10156611310914315_7570121266426806272_n.jpg

الرحيل

في 12 نوفمبر 2017م توفي بكري أحمد عديل، عن عمر ناهز الثالثة والثمانين عاماً، بعد حياة امتدت عبر مراحل شديدة التحول في تاريخ السودان.

برحيله فقد حزب الأمة واحداً من قياداته التاريخية، وفقدت البلاد واحداً من أبرز أبنائها السياسيين، وفقد كيان الأنصار واحداً من رجال جيله الذين جمعوا بين الانتماء والالتزام والعمل العام. وفقدت كردفان الكبرى أحد رموزها وأعلامها.

إرث بكري عديل

تتجاوز سيرة بكري عديل حدود السيرة الشخصية إلى كونها مرآة لجيل كامل من السياسيين السودانيين.

جيل وُلد في ظل الاستعمار، وتعلم في مؤسسات التعليم الحديثة، وانخرط في الحركة الوطنية، وشهد الاستقلال، ثم عاش الانقلابات العسكرية المتعاقبة، ودخل السجون، وشارك في الحكم الديمقراطي، ثم عاد إلى المعارضة.

ومن هذه الزاوية، فإن قراءة سيرة بكري عديل تعني قراءة جانب من تاريخ السودان الحديث نفسه؛ تاريخ العلاقة بين الريف والمدينة، والإدارة الأهلية والحزب السياسي، والأنصارية والدولة الحديثة، والتعليم والحركة الوطنية، والمعارضة والسلطة.

رحل بكري أحمد عديل، لكن صورته بقيت مرتبطة بأبوزبد ودار حمر وكردفان وحزب الأمة وكيان الأنصار، وبجيل من السياسيين الذين عاشوا السودان وطناً يستحق التضحية والعمل العام.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...