الخبير الاقتصادي علي الله عبد الرازق:

إعادة الإعمار عملية سياسية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى تهيئة أوضاع المجتمع

 

الدكتور عبد الحليم عيسى تيمان:

من الضروري إنشاء صندوق لتعويض المواطنين والتجار وأصحاب المصانع والصناعات الصغيرة والحرفيين والعمال

 

خبير التنمية البشرية فؤاد قباني:

إعمار السودان ليس مشروع حكومة، بل مشروع وطن، ومسؤولية شعب

 

صوت الأمة – ناهد محمد

مع انتهاء الحرب وعودة الأمن والاستقرار إلى السودان، يواجه البلد، الذي أنهكته أكثر من ثلاث سنوات من القتال، استحقاقًا بالغ التعقيد يتمثل في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإعادة بناء مؤسساته وقطاعاته الحيوية.

وخلفت الحرب أضرارًا واسعة طالت البنية التحتية، وألحقت خسائر كبيرة بالقطاعات الخدمية والإنتاجية، الأمر الذي يجعل مرحلة ما بعد الحرب تتطلب برامج شاملة لإعادة الإعمار تتجاوز مجرد إعادة تشييد المباني والمنشآت.

 

وتحتاج عملية إعادة بناء السودان إلى رؤية متكاملة تستفيد من تجارب الدول التي خرجت من نزاعات مماثلة، مع مراعاة خصوصية الواقع السوداني وتعقيداته الاقتصادية والاجتماعية والهيكلية، بما يضمن ألا تقتصر جهود إعادة الإعمار على معالجة آثار الدمار، وإنما تمتد إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع، ووضع أسس تنمية مستدامة تحول دون العودة إلى الصراع.

العودة أولًا

يضع الخبير الاقتصادي والقيادي في حزب الأمة، الدكتور عبد الحليم عيسى تيمان، عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية في مقدمة أولويات إعادة الإعمار، مؤكدًا أن العودة ينبغي أن تكون آمنة وكريمة، وترافقها خدمات أساسية في التعليم والصحة والأمن، إلى جانب إنشاء مناطق سكنية نموذجية تقوم على تخطيط حضري مرن ومستدام.

ويشدد تيمان، في حديثه إلى "صوت الأمة"، على ضرورة التحرك العاجل لاستعادة النظام التعليمي الذي تضرر بشدة جراء الحرب، من خلال تنفيذ خطة لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية، فضلًا عن إنشاء شبكة من محطات تنقية المياه العاملة بالطاقة الشمسية، بما يضمن وصولًا مستدامًا إلى مياه الشرب النظيفة، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى شبكات الكهرباء.

كما يدعو إلى إنشاء صندوق لتعويض المواطنين والتجار وأصحاب المصانع، والصناعات التحويلية الصغيرة، والحرفيين، وأصحاب المهن الهامشية، والعمال في العاصمة والولايات، بما يساعدهم على استعادة أنشطتهم الاقتصادية والعودة تدريجيًا إلى دورة الإنتاج، بالتوازي مع إطلاق برامج للدعم النفسي والاجتماعي للتعافي من آثار الحرب.

رؤية استراتيجية

يرى خبير التنمية البشرية فؤاد قباني أن إعادة إعمار السودان تتطلب رؤية واضحة وخطة استراتيجية متكاملة، تبدأ بإنشاء وزارة للتخطيط الاستراتيجي تتبع لرئاسة الجمهورية، تتولى جمع الدراسات والبحوث والأفكار والمقترحات التي أُعدت بشأن إعادة إعمار البلاد، وتحويلها إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق، ضمن رؤية وطنية موحدة تتجاوز المعالجات المؤقتة، وتضع أسسًا طويلة الأمد للتعافي والتنمية.

ويضع قباني تطوير البنية التحتية في مقدمة أولويات مرحلة إعادة الإعمار، وعلى رأسها شبكة الطرق والمواصلات، معتبرًا أن ضعفها ظل أحد أبرز العوامل التي أعاقت التنمية في السودان، خصوصًا في ظل الاعتماد على طرق أحادية المسار لا تواكب متطلبات النمو الاقتصادي الحديث.

ويدعو إلى تطوير شبكة السكك الحديدية بإضافة مسار ثانٍ إلى الخطوط الرئيسة، بما يعزز انسياب حركة القطارات، ويخفض تكاليف النقل، ويسهم في ربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، الأمر الذي يدعم النشاط الاقتصادي ويعزز فرص التنمية.

WhatsApp Image 2026-07-26 at 2.31.23 AM.jpeg

السلم الاجتماعي

يمثل تحقيق السلم الاجتماعي المستدام أحد الأسس الضرورية لإرساء السلام والاستقرار بعد انتهاء الحرب. ويشير عبد الحليم تيمان إلى أهمية إطلاق مصالحات مجتمعية بين القبائل، ومعالجة النزاعات المرتبطة بالأراضي والموارد من خلال منظومة للعدالة الانتقالية تجمع بين المساءلة القانونية والاستفادة من آليات العدالة المستندة إلى الأعراف والتقاليد المحلية.

ويتفق فؤاد قباني مع أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية، لكنه يرى أن مرحلة ما بعد الحرب تمثل فرصة لإعادة صياغة التخطيط العمراني للمدن الكبرى، وفي مقدمتها الخرطوم، إلى جانب مدن الولايات، عبر إبعاد الوجود العسكري عن المناطق السكنية لمسافات آمنة، ومعالجة ظاهرة السكن العشوائي من خلال مخططات عمرانية توفر مساكن اقتصادية موزعة بصورة متوازنة ومرنة.

ويشدد قباني على ضرورة إعطاء أولوية للقطاعين الزراعي والحيواني، والإسراع في إعادة تأهيل المشروعات الزراعية، وهو ما يتطلب توفير المدخلات الزراعية، وتمويل المزارعين، وإعادة تأهيل شبكات الري والسدود في مشروع الجزيرة، إلى جانب دعم المشروعات الإنتاجية في الولايات، سواء في القطاعين المروي أو المطري.

كما يدعو إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر إنشاء صندوق وطني يسهم في إعادة تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل، بالتوازي مع الشروع في إعادة هيكلة النظام المصرفي، والتحول الكامل نحو الخدمات المصرفية الرقمية وتطبيقات الدفع الإلكتروني، بما يعزز الشمول المالي.

 

ويؤكد أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب التزام المؤسسات المالية بمعايير الحوكمة، والعمل على إعادة دمج النظام المصرفي السوداني في المنظومة المالية العالمية.

الإصلاح المؤسسي

يشدد الدكتور عبد الحليم عيسى تيمان على أن نجاح مرحلة إعادة الإعمار يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا، يقوم على تعزيز الشفافية في إدارة الأموال والمساعدات الدولية، تفاديًا لتكرار تجارب الفساد والهدر المالي التي أضعفت جهود التنمية في البلاد.

ويرى أن ذلك يستوجب إنشاء مفوضية مستقلة لإعادة الإعمار، تتمتع بدرجة عالية من الشفافية والكفاءة الفنية، وتضم كوادر تكنوقراطية تتولى إدارة المشروعات والإشراف على تنفيذها، بما يضمن حسن توظيف الموارد وتحقيق الأهداف التنموية.

ويضيف أن نجاح عمليات إعادة الإعمار والتنمية يتطلب إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة لإدارة المساعدات، إلى جانب تبني قدر أكبر من اللامركزية المالية، ومنح الولايات صلاحيات أوسع لإدارة برامج التعافي وفقًا لأولوياتها واحتياجاتها، بما يسهم في الحد من المركزية التي ظلت تطبع إدارة الدولة عبر العقود الماضية.

WhatsApp Image 2026-07-26 at 2.31.22 AM.jpeg

شراكات استراتيجية

ويرى تيمان أن السودان يحتاج، خلال مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، إلى بناء شراكات استراتيجية مع مصادر التمويل المختلفة، تبدأ بالمؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للاستفادة من المنح والقروض التنموية، إلى جانب الصناديق العربية والإقليمية لتمويل مشروعات البنية التحتية الكبرى، كالطرق والكباري والمطارات ومحطات الطاقة والسدود.

كما يدعو إلى توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بما يسهم في جذب الاستثمارات إلى قطاعات التعدين والاتصالات والصناعة، باعتبارها من القطاعات القادرة على قيادة عملية التعافي الاقتصادي.

ويؤكد أهمية الاستفادة من السودانيين في المهجر، وربط مدخراتهم بمشروعات تنموية واستثمارية، عبر إصدار "سندات إعمار السودان"، بما يوفر أحد مصادر التمويل الوطنية لإعادة البناء.

حصر شامل للأضرار

ويقول تيمان إن الحكومة المدنية التي ستتولى إدارة البلاد بعد وقف القتال ستكون مطالبة بإجراء حصر شامل للدمار وتقييم دقيق للأضرار، لتحديد حجم الخسائر في القطاعين العام والخاص، ووضع أولويات قصيرة المدى تركز على استعادة خدمات المياه والكهرباء، وإعادة تأهيل قطاعي الصحة والتعليم، وتعزيز الأمن الغذائي، وإطلاق برامج التعافي الاجتماعي، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.

ويضيف أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يعتمد على وجود معلومات دقيقة وقاعدة بيانات متكاملة، تتيح توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر تضررًا، وفق أولويات واضحة تستند إلى الاحتياجات الفعلية، وليس إلى الاعتبارات السياسية أو الإدارية.

دوامة الحرب

يرى خبير التنمية البشرية فؤاد قباني أن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية والإمكانات الاقتصادية ما لا يتوافر لكثير من دول العالم، غير أن دوامة الحروب التي عاشتها البلاد لعقود طويلة عطلت مسيرة التنمية، وفتحت الباب أمام تنافس القوى الإقليمية والدولية على ثرواته وموارده.

ويقول إن الذهب كان في مقدمة الموارد التي جذبت الأطماع الخارجية منذ سنوات، غير أن دائرة المصالح الدولية اتسعت اليوم لتشمل النحاس واليورانيوم والسيليكا والمعادن النفيسة الأخرى، وهي موارد يزخر بها السودان، الأمر الذي زاد من حدة التنافس الدولي وتعدد المحاور المتصارعة حوله.

ويؤكد أن هذه الثروات، إذا أُحسن استغلالها في ظل دولة مستقرة ومؤسسات قوية، يمكن أن تشكل ركيزة أساسية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على جميع السودانيين.

سلام الشجعان

ويرى قباني أن المرحلة المقبلة، بعد ما تحقق من تقدم في عدد من الملفات، تتطلب «شجاعة سياسية توازي شجاعة الميدان»، داعيًا رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى تبني ما وصفه بـ "سلام الشجعان"، وفتح حوار مباشر مع الجهات الداعمة للحرب والمحرضة عليها، بهدف التوصل إلى آلية عملية توقف نزيف الدم، وتحول دون استمرار استنزاف موارد البلاد.

ويحذر من أن استمرار الحرب يعني استمرار نزيف الوطن، وإهدار موارده البشرية والاقتصادية، وتأخير فرص التعافي وإعادة البناء.

مشروع وطن

ويؤكد قباني أن إعمار السودان "ليس مشروع حكومة، بل مشروع وطن، ومسؤولية شعب، وأمانة في أعناق الجميع"، مشددًا على أن نجاح هذه المهمة يتطلب توحيد الإرادة الوطنية، وحسن استثمار الموارد، وإعلاء المصلحة العامة على المصالح الضيقة.

ويرى أن السودان يمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهله لاستعادة مكانته الاقتصادية والإقليمية، إذا ما توفرت الإدارة الرشيدة، والاستقرار السياسي، والالتزام بالتخطيط طويل الأجل.

بناء الإنسان

ويضع قباني بناء الإنسان وإصلاح التعليم في صميم عملية النهوض الوطني، مؤكدًا أنه "لا يمكن لدولة أن تحقق التنمية والاستقرار في ظل نظام تعليمي ضعيف لا يواكب التطور العلمي والتكنولوجي".

ويشير إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية يجب أن يكون في مقدمة أولويات الدولة خلال مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب الاستثمار في تنمية الموارد البشرية، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية.

 

كما يدعو إلى استعادة منظومة القيم والأخلاق، والاستناد إلى الموروث الثقافي السوداني وتعاليم الدين، لبناء مجتمع يقوم على الصدق والعدل والإحسان، مؤكدًا أن بناء الإنسان يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة.

ويختتم قباني رؤيته بالقول: "بصلاح الإنسان تصلح الأوطان، وبالعلم والعمل والإخلاص يُبنى السودان"

استدامة السلام

يرى الخبير الاقتصادي علي الله عبد الرازق أن إعادة الإعمار ليست عملية اقتصادية أو عمرانية فحسب، وإنما مسار سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل يهدف إلى تهيئة أوضاع المجتمع بعد الحرب، بما يضمن استدامة السلام، ودعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي، والحيلولة دون العودة إلى الصراع.

ويؤكد أن التخطيط الواعي لمرحلة إعادة الإعمار يمثل حجر الأساس في عملية إعادة بناء السودان، مشددًا على أن النجاح لا يتحقق بإزالة آثار الدمار فقط، وإنما بمعالجة جذور الصراع وأسبابه، والتعامل مع تداعياته، ووضع برامج ومشروعات تعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس أكثر استقرارًا وعدالة.

ويضيف أن إعادة الإعمار ينبغي أن تنطلق من رؤية وطنية شاملة تستند إلى أولويات واضحة، وتشارك في صياغتها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن توافقًا واسعًا حول أهداف التنمية ومساراتها.

دروس من رواندا

ويشير علي الله إلى تجربة رواندا بوصفها واحدة من أبرز التجارب في إعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات، موضحًا أن البلاد نجحت، عقب الإبادة الجماعية عام 1994، في إطلاق عملية شاملة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، استندت إلى رؤية واضحة وإرادة سياسية قوية.

ويقول إن التجربة الرواندية لم تقتصر على إعادة تأهيل البنية التحتية، وإنما شملت تحسين الأوضاع الأمنية، واستعادة سيادة القانون، وتعزيز مؤسسات الحكم، وتطوير الدستور، وإصلاح الإدارة العامة، وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة، إلى جانب تحفيز النشاط الاقتصادي، وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

ويرى أن أبرز ما يميز التجربة الرواندية هو أنها تعاملت مع مرحلة ما بعد الصراع باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس الدولة، وليس مجرد مرحلة لإصلاح ما دمرته الحرب، وهو ما أسهم في تحقيق معدلات نمو مرتفعة واستقرار سياسي وتنموي خلال السنوات اللاحقة.

رؤية للمستقبل

ويؤكد علي الله عبد الرازق أن السودان يمتلك المقومات التي تؤهله لخوض تجربة ناجحة في إعادة الإعمار، شريطة توافر الإرادة السياسية، والتخطيط العلمي، والإدارة الرشيدة، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية.

ويشير إلى أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب بناء مؤسسات قوية، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، إلى جانب توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

ويخلص إلى أن إعادة إعمار السودان ليست مشروعًا قصير الأجل، بل عملية ممتدة تتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا، وإدارة كفؤة للموارد، واستثمارًا طويل المدى في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات، حتى تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى نقطة انطلاق نحو دولة أكثر استقرارًا وازدهارًا.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...