من شراء الدواء إلى دفع الإيجار.. توقف التطبيق يحوّل مشكلة تقنية إلى أزمة معيشية

غياب مؤشرات الأداء وآليات تعويض العملاء يترك أموال المستخدمين رهينة للأعطال

أعطال «بنكك» تعطل حياة السودانيين وتكشف فجوة الرقابة المصرفية

 

تقرير ـ ناهد محمد

"عذراً، لا يمكننا إتمام طلبك الآن، الرجاء المحاولة مرة أخرى"... بهذه العبارة يصطدم مشتركو تطبيق "بنكك" التابع لبنك الخرطوم، في وقت بات فيه التطبيق يشكل شرياناً رئيساً للتعاملات المالية والتجارية في السودان.

ويواجه مستخدمو التطبيق، مع تكرار تعطل الخدمة، واقعاً أشبه بالشلل الكامل لحركة الأموال، في بلد يعتمد فيه قطاع واسع من السكان على الخدمات المصرفية الرقمية لإجراء التحويلات المالية وتسوية المعاملات اليومية وشراء السلع والخدمات.

ولا تقتصر استخدامات "بنكك" على التحويلات المصرفية التقليدية، إذ أصبح التطبيق جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين، بدءاً من دفع أجور المواصلات والإيجارات، مروراً بالمطاعم والمتاجر، وصولاً إلى شراء أبسط الاحتياجات، حتى كوب الشاي أو القهوة، إذ تحولت المعاملات الإلكترونية إلى وسيلة دفع أساسية في ظل تراجع الاعتماد على السيولة النقدية.

وتكتسب الخدمات المصرفية الرقمية أهمية أكبر في ظل الظروف الأمنية التي تشهدها البلاد، والتي تدفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب الاحتفاظ بالأموال نقداً، واللجوء بدلاً من ذلك إلى إيداعها في الحسابات المصرفية، بما يجعل أي توقف في الخدمات الإلكترونية انعكاساً مباشراً على النشاط الاقتصادي وحركة الأسواق.

وبحسب البيانات المتاحة، بلغت ودائع العملاء لدى بنك الخرطوم نحو 2.5 تريليون جنيه سوداني، عبر شبكة تضم أكثر من 70 فرعاً، إلى جانب واحدة من أوسع منظومات أجهزة الصراف الآلي والإيداع في البلاد، بأكثر من 200 موقع في مختلف المناطق.

كما بلغ إجمالي موجودات البنك نحو 3 تريليونات جنيه سوداني بنهاية عام 2023، مسجلاً نمواً استثنائياً قدره 99 في المئة، مقارنة بنحو 1.5 تريليون جنيه في العام السابق.

ومع اتساع الاعتماد على الخدمات المصرفية الإلكترونية، لم يعد تعطل التطبيق مجرد مشكلة تقنية بالنسبة إلى المستخدمين، بل بات يمثل عائقاً أمام دورة اقتصادية كاملة تعتمد على سرعة انتقال الأموال بين الأفراد والتجار ومقدمي الخدمات، في وقت تتراجع فيه البدائل النقدية وتزداد الحاجة إلى وسائل دفع آمنة ومستقرة.

"حتى بقروشك ما بنقدر نعيش"

تعتمد سيدة سودانية مسنّة في تدبير شؤون حياتها اليومية على التحويلات المالية التي يرسلها إليها أبناؤها المقيمون خارج البلاد، لتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء. لكن تعطل خدمة تطبيق "بنكك" بصورة متكررة بات يضيف عبئاً جديداً إلى حياتها، خصوصاً مع بداية كل شهر، حين تنتظر وصول التحويلات لتتمكن من شراء أدويتها الشهرية.

وتقول السيدة إن تأخر الخدمة يؤدي في أحيان كثيرة إلى تأخر موعد حصولها على الدواء، في وقت لا تملك فيه بديلاً سهلاً لإتمام معاملاتها المالية.

ولا تختلف معاناتها كثيراً عن تجربة مستخدمين آخرين، إذ تشير سيدة أخرى إلى اضطرارها بصورة متكررة إلى الذهاب إلى متجر في منطقة الثورة بأم درمان، ثم الانتظار لساعات طويلة على أمل أن "يفتح" التطبيق وتتمكن من إتمام عملية الدفع.

وتروي أن آخر مرة اضطرت فيها إلى الانتظار امتدت حتى الساعة الثالثة صباحاً، في مشهد يلخص حجم الاعتماد الذي بات السودانيون يضعونه على الخدمات المصرفية الإلكترونية في تفاصيل حياتهم اليومية.

وتقول السيدة، في تعبير يلخص حالة الإحباط التي يعيشها كثيرون: "حتى بقروشك ما بنقدر نعيش".

وبعد تراكم هذه المعاناة، قررت مغادرة السودان، حاملة معها ما وصفته بأنه هروب من "الواقع المرير"، بعدما أصبح الحصول على الخدمات الأساسية وإدارة الأموال، حتى بالنسبة إلى من يملك المال، مهمة شاقة وغير مضمونة.

أزمة معيشية

يرى الخبير المصرفي وليد دليل أن هذه الأرقام وحدها تكفي لإظهار حجم التداعيات المحتملة لأي خلل تقني في قناة رقمية واحدة، إذ لا يقتصر أثره على فئة محدودة من العملاء، وإنما يمتد إلى شريحة واسعة ترتبط بمعاملاتها اليومية بواحدة من أكبر قواعد الودائع في القطاع المصرفي السوداني.

ويقول دليل إن "هنا بالضبط تكمن خطورة المسألة"، موضحاً أن تحول تطبيق واحد إلى بديل شبه كامل عن شبكة الفروع ووسائل الدفع المتعددة يجعل أي عطل تقني، مهما بدا بسيطاً من الناحية الفنية، يتحول سريعاً إلى أزمة معيشية فعلية.

ويضيف أن الأمر يتعلق بأسر تنتظر "قرش" الراتب أو التحويل المالي لتسديد إيجار منزل، أو شراء دواء، أو توفير وجبة، وهو ما يجعل تعطل الخدمة يتجاوز حدود المشكلة التقنية إلى التأثير المباشر في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

تراجع قيمة الجنيه

وكشفت تقارير صحافية ميدانية أن نقص السيولة النقدية وتراجع قيمة الجنيه السوداني دفعا شرائح لم تكن تعتمد في السابق على الخدمات المالية الرقمية، من أصحاب المتاجر الصغيرة إلى كبار السن، إلى اللجوء بصورة متزايدة إلى الدفع عبر الهاتف المحمول.

ومع اتساع استخدام هذه الخدمات، تحول الدفع الإلكتروني في كثير من الأسواق والأحياء السكنية من خيار إضافي إلى وسيلة شبه وحيدة لإتمام المعاملات اليومية، الأمر الذي جعل أي اضطراب في التطبيقات المصرفية ينعكس مباشرة على حركة البيع والشراء وتدبير الاحتياجات الأساسية.

فجوة في الشفافية والمساءلة

يقول الخبير المصرفي وليد دليل إنه، على رغم التوسع الملحوظ في الاعتماد على التطبيقات المصرفية، لا توجد حتى الآن جهة سودانية، رسمية كانت أم مصرفية، تنشر بصورة دورية إحصاءات عن حجم العمليات اليومية المنفذة عبر التطبيقات المصرفية العاملة في البلاد، أو تفصيلاً يوضح حصة تطبيق "بنكك" من إجمالي هذه التعاملات.

ويرى دليل أن هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلاً هامشياً، بل يقع في صميم المشكلة، إذ إن إدارة منظومة مالية بهذا الحجم من دون إفصاح دوري ومنتظم عن مؤشرات أدائها الرقمي تجعل من الصعب على العميل أو المراقب، وحتى الجهة الرقابية نفسها، قياس الأثر الفعلي لأي عطل، أو تقييم مستوى جودة الخدمة وتطورها بمرور الوقت.

ويضيف أن غياب هذه البيانات يسلط الضوء على فجوة شفافية بنيوية تسبق، في أهميتها، أي نقاش يتعلق بالمساءلة القانونية، لأن معرفة حجم الاعتماد على الخدمة وحجم الأضرار الناجمة عن تعطلها تمثلان أساساً لا غنى عنه لتحديد المسؤوليات وتقييم أداء المنظومة المصرفية الرقمية.

تجميد الأموال يفتح سؤال المسؤولية القانونية

وأبدى الخبير الاقتصادي وليد دليل تساؤلات حول الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية عندما يتعطل تطبيق الخدمات المصرفية وتتجمد أموال العملاء لساعات أو أيام.

وقال إن الإطار القانوني القائم في السودان لا يقدم إجابة واضحة وحاسمة عن هذه المسألة، موضحاً أن بنك السودان المركزي هو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بتنظيم منظومة المدفوعات والرقابة على مكوناتها، كما يملك الاختصاص الحصري في وضع الضوابط الاحترازية وقواعد حماية بيانات العملاء وسرية معاملاتهم.

لكن هذا الاختصاص التنظيمي العام، وفقاً له، لا يترجم عملياً إلى معايير خدمة ملزمة تحدد الحد الأقصى لتعطل القنوات الرقمية، ولا إلى منظومة واضحة لتعويض العملاء المتضررين من انقطاع الخدمة، بخلاف ما بدأت تتبناه بعض البنوك المركزية في المنطقة، التي ألزمت المصارف بتحمل تكلفة الأضرار المباشرة الناتجة عن إخفاقات الأنظمة، ما لم يثبت وجود إهمال جسيم من جانب العميل.

وأشار إلى أن صندوق ضمان الودائع يقتصر دوره على حالات الإعسار المالي النهائي للمصرف، ولا يمتد إلى الأعطال التشغيلية اليومية، الأمر الذي يترك فجوة تنظيمية بين الجهة التي تملك سلطة الرقابة والجهة التي تتحمل عملياً كلفة التعطل. وتزداد هذه الفجوة تعقيداً في ظل غياب الإحصاءات اللازمة، ما يصعّب وضع معايير رقابية دقيقة لخدمة لا تخضع للقياس أصلاً.

صمت مؤسسي

ويرى أن مسؤولية المحاسبة في ظل هذا الفراغ تتوزع بين بنك السودان المركزي كجهة رقابية، واتحاد المصارف، وبنك الخرطوم باعتباره مقدم الخدمة والمسؤول أمام عملائه.

ويبرز هنا ضعف الإفصاح الفوري والشفاف لدى البنك خلال الأزمات، إذ يترك غياب المعلومات المستخدمين أمام رسائل خطأ مبهمة وصمت مؤسسي يغذي الشائعات ويقوض الثقة بالخدمات المصرفية.

تأثيرات الحرب

ويربط مراقبون الأعطال المتكررة في القطاع المصرفي بتداعيات الحرب، من بينها تضرر شبكات الكهرباء والاتصالات ومراكز البيانات، وهجرة الكوادر الفنية، والضغط المتزايد على الخدمات الرقمية بعد إغلاق مئات الفروع.

ويجعل ذلك الاستقرار التشغيلي تحدياً يومياً، فيما تزيد صعوبة تحديث الأنظمة في ظل ضعف البنية التحتية وغياب الاختبارات الكافية، ما يجعل الأعطال أكثر عرضة للتكرار والتمدد.

قوانين حماية المستهلك

ويرى الخبير المصرفي وليد دليل أن معالجة المشكلة تصطدم بغياب هيئة مستقلة شبيهة بـ"أمين المظالم المصرفي"، تتيح للعملاء تقديم شكاوى خارج المصرف نفسه، إلى جانب ضعف التشريعات المنظمة للمعاملات الإلكترونية وحماية مستهلك الخدمات المصرفية.

كما يفاقم المشكلة الاعتماد على قناة رقمية واحدة، وغياب البدائل ومؤشرات الأداء الدورية التي يمكن من خلالها قياس جودة الخدمة ومساءلة المصارف.

ويقترح دليل إلزام بنك السودان المركزي المصارف بمعايير موحدة لجاهزية الخدمات الرقمية، تتضمن سقفاً زمنياً للأعطال وآلية تعويض للعملاء عند تجاوزه، وإنشاء وحدة مستقلة للشكاوى المصرفية، فضلاً عن إلزام البنوك بالإفصاح الفوري عن الأعطال ومدتها المتوقعة.

ويدعو كذلك إلى نشر البنك المركزي تقارير دورية عن أداء الخدمات الرقمية وتنويع قنوات الوصول إلى الحسابات، بما في ذلك الخدمات غير المعتمدة على الإنترنت وتوسيع شبكة الوكلاء.

ومع استمرار اعتماد السودانيين على الخدمات المصرفية الرقمية، يحذر دليل من أن استمرار الفجوة التنظيمية والإحصائية قد يحول الأعطال المتكررة من مشكلة تشغيلية إلى خطر يهدد الثقة بالنظام المصرفي.

ويرى أن تشديد الرقابة وتحسين الإفصاح سيعيدان التوازن بين توجه المصارف نحو الرقمنة وحق العملاء في الوصول الآمن والمستمر إلى أموالهم.

ثقافة الإفصاح المصرفي

وتنشر أسواق إقليمية بيانات الدفع الإلكتروني بانتظام ضمن ثقافة الإفصاح المصرفي؛ إذ سجلت السعودية نحو 14.6 مليار عملية دفع إلكتروني خلال 2025، فيما تجاوز عدد المحافظ الإلكترونية في مصر 60 مليون محفظة، وشهد الأردن أكثر من 350 مليون عملية دفع إلكتروني خلال 2024.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم السوق السودانية، لكنها تكشف فارقاً واضحاً بين أنظمة مصرفية تقيس أداءها الرقمي وتتيح بياناته للجمهور، ونظام لا تزال هذه المؤشرات فيه غائبة عن التداول العام، رغم تصاعد الاعتماد على الخدمات الرقمية في السودان، خصوصاً مع تراجع البدائل التقليدية.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...