ترجمة: صوت الأمة
في السودان، لا تنتهي معاناة بعض الأطفال بانتهاء الحرب التي وُلدوا في ظلها، فهناك أطفال يولدون وسط النزوح والدمار، ثم يجدون أنفسهم أمام معركة أخرى من أجل إثبات وجودهم قانونيًا.
لا شهادة ميلاد، ولا رقم وطني، وأحيانًا لا اسم للأب يمكن تسجيله في الأوراق الرسمية.
وتسلط هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في تقرير حديث الضوء على هذه الأزمة، من خلال قصة فتيات تعرضن للعنف الجنسي خلال الحرب وأنجبن أطفالًا في ظروف استثنائية، ليجد هؤلاء الأطفال أنفسهم أمام مستقبل غامض بسبب صعوبة تسجيلهم رسميًا والحصول على الوثائق التي تكفل لهم حقوقهم الأساسية.
من بين هؤلاء «أميرة»، وهو اسم مستعار لفتاة سودانية تبلغ من العمر 17 عامًا، تعرضت للاختطاف والاعتداء خلال محاولتها الفرار من مدينة الفاشر، قبل أن تكتشف أنها حامل.
واليوم، تواجه أميرة مشكلة جديدة: طفلها الذي ولد نتيجة تلك التجربة لا يملك شهادة ميلاد أو رقمًا وطنيًا، ولا توجد معلومات يمكنها تقديمها عن والده.
رحلة الفرار من الفاشر
كانت أميرة تعيش مع أسرتها في أحد الأحياء الشرقية بمدينة الفاشر، التي ظلت تحت الحصار لأشهر طويلة خلال الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وخلال فترة الحصار، عاش المدنيون وسط القصف والاشتباكات ونقص الغذاء والخدمات الأساسية، بينما حاولت آلاف الأسر مغادرة المدينة بحثًا عن الأمان.
وفي مطلع عام 2025، قررت أميرة وأسرتها الفرار، لكنها تقول إنها اختُطفت أثناء محاولتها مغادرة الفاشر على يد ثلاثة مسلحين تابعين لقوات الدعم السريع.
وبحسب روايتها، احتُجزت لمدة شهرين، تعرضت خلالها لاعتداءات متكررة، قبل أن تكتشف حملها. ومع تدهور حالتها الصحية، تخلى عنها خاطفوها لاحقًا وألقوا بها بالقرب من المكان الذي اختُطفت منه.
وبمساعدة مدنيين كانوا يفرون من الفاشر، تمكنت أميرة من الوصول إلى مركز للرعاية الطبية، ثم وضعت طفلها في مستشفى تديره منظمة الإغاثة الطبية الدولية في منطقة لا تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع.
لاحقًا، ساعدتها مؤسسة «ندى الأزهر للوقاية من الكوارث والتنمية المستدامة» في العثور على أسرتها، التي كانت قد وصلت إلى أحد مخيمات النازحين التي تؤوي أعدادًا كبيرة من الفارين من الفاشر.
كان لمّ شمل الأسرة لحظة فرح بعد أشهر من الخوف والضياع، لكن مشكلة أخرى كانت في انتظار أميرة: كيف تسجل طفلها؟
طفل بلا أوراق
تقول أميرة إن حتى الحصول على إشعار الميلاد من المستشفى يتطلب معلومات عن الأب، وهي معلومات لا تستطيع تقديمها.
وبغياب تلك البيانات، تعجز عن استكمال إجراءات تسجيل طفلها، الأمر الذي يهدد بحرمانه من عدد من الخدمات والحقوق الأساسية.
وتشمل المخاوف عدم الحصول على التطعيمات الروتينية، وصعوبة الالتحاق بالتعليم، فضلًا عن مشكلات مستقبلية تتعلق بالحصول على الوثائق الرسمية والسفر وإثبات الهوية القانونية عند بلوغه.
وتقول مؤسسة «ندى» إن قصة أميرة ليست حالة فردية، بل تعكس مشكلة أوسع تواجه أطفالًا يولدون في مناطق النزاع، خصوصًا عندما يكون الأب مفقودًا أو مجهول الهوية، أو عندما تكون الأم نفسها قاصرًا وتحتاج إلى الحماية والرعاية.
ويقول مدير برامج الحماية في المؤسسة إن إجراءات تسجيل الطفل تتطلب عادة معلومات تتعلق بهوية الأب ورقمه الوطني، وهي معلومات يصعب توفيرها في كثير من الحالات المرتبطة بالحرب.
كما أن كثيرًا من الأمهات اللاتي تتعامل معهن المؤسسة دون سن الثامنة عشرة، ما يجعل حصولهن على الخدمات والإجراءات القانونية أكثر تعقيدًا.
وصمة تمنع الإبلاغ
ولا تتوفر إحصاءات دقيقة عن عدد الأطفال الذين ولدوا نتيجة الاعتداءات الجنسية خلال الحرب، وهو ما يرتبط، وفق التقرير، بالوصمة الاجتماعية التي تجعل كثيرًا من النساء والفتيات يترددن في الإبلاغ عن الانتهاكات.
وتقول المديرة العامة لمؤسسة «ندى» إن معظم الأمهات اللاتي تعاملت معهن المؤسسة فتيات دون سن الثامنة عشرة، فيما رفضت أسر نحو 90% من الحالات التي وثقتها المؤسسة الإبلاغ رسميًا عن الاعتداءات التي أدت إلى الحمل.
ولا تقف المشكلة عند حدود الأوراق الرسمية.
فالأطفال الذين يولدون في مثل هذه الظروف قد يجدون أنفسهم، منذ سنواتهم الأولى، في مواجهة الوصمة والخوف والتمييز، إلى جانب خطر الحرمان من التعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية.
وتحذر المؤسسة من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ظهور جيل كامل من الأطفال الذين لا يملكون الوثائق التي تثبت هويتهم القانونية.
القانون موجود.. والمؤسسات غائبة
من الناحية القانونية، تقول محامية سودانية إن قانون الطفل لعام 2010 يتيح تسجيل الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، لكن الإجراءات تتطلب في الحالات المرتبطة بالاعتداءات تقديم بلاغ رسمي، ثم إحالة القضية إلى الجهات الاجتماعية، قبل تسجيل الطفل باسم الأم ومنحه اسمًا قانونيًا.
غير أن هذه الإجراءات، بحسب المحامية، تصطدم في دارفور بواقع الحرب وانهيار مؤسسات الدولة وإغلاق مكاتب السجل المدني، ما يجعل الوصول إلى الوثائق الرسمية أمرًا بالغ الصعوبة.
وتقول إن المشكلة لا تتعلق بشهادة ميلاد فحسب؛ فغياب الوثائق يمكن أن يحرم الطفل من التعليم والرعاية الصحية والقدرة على إثبات هويته القانونية في مراحل لاحقة من حياته.
وتدعو إلى إعادة تشغيل مكاتب السجل المدني في المناطق الآمنة، وتبسيط إجراءات التسجيل، بما يضمن حق الأطفال في الهوية القانونية بغض النظر عن الظروف التي ولدوا فيها.
حق لم يبدأ بعد
بالنسبة إلى أميرة، كان العثور على أسرتها بعد أشهر من الفقدان أشبه بمعجزة، كما تصف والدتها. لكن عودة الابنة لم تُنهِ القلق؛ فقد بقي مستقبل طفلها معلقًا على أوراق لا تستطيع استخراجها.
وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح، تبدو قصة أميرة واحدة من قصص كثيرة قد لا تُروى.
أطفال ولدوا في زمن الحرب، ولم يختاروا ظروف ولادتهم، لكنهم قد يدفعون ثمنها طوال حياتهم.
وبينما تستمر مؤسسة «ندى» في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للأم الشابة، يبقى السؤال الأكبر متعلقًا بآلاف الأطفال الذين قد يولدون أو يولدون بالفعل خارج دائرة السجل الرسمي، كيف يمكن لدولة أنهكتها الحرب أن تضمن ألا يتحول هؤلاء الأطفال إلى جيل غير مرئي؟



التعليقات (0)
جاري التحميل...