ترجمة: نادرة المهدي
حذرت منظمة أطباء بلا حدود من أن التخفيضات الكبيرة في تمويل المساعدات الدولية تهدد بإغلاق مئات العيادات والمرافق الصحية في السودان، في وقت يواجه فيه النظام الصحي أزمة حادة، بينما يضطر ملايين السودانيين إلى قطع مسافات أطول للحصول على العلاج.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود، في بيان إن أكثر من 33 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، محذرة من أن انخفاض التمويل الدولي يؤدي إلى إغلاق مرافق صحية، وتراجع قدرة المستشفيات على العمل، ونقص الأدوية، وحرمان ملايين الأشخاص من خدمات صحية منقذة للحياة.
وأضافت المنظمة أن السودان شهد خلال عام 2025 مقتل 1,620 شخصًا في هجمات على مرافق طبية، وهو ما يمثل 82% من إجمالي الوفيات العالمية الناجمة عن الهجمات على الرعاية الصحية خلال العام نفسه.
وحذرت أطباء بلا حدود من أن سحب الدعم عن أزمة تعاني أصلاً من نقص مزمن في التمويل يدفع المستشفيات القليلة التي لا تزال تعمل إلى حافة الانهيار، داعية الحكومة البريطانية والجهات المانحة الدولية إلى زيادة التمويل، وحماية الخدمات الصحية الأساسية، وتوفير تمويل انتقالي مرن للمرافق المهددة بالإغلاق.
ارتفاع أعداد المرضى في دارفور
وأوضحت المنظمة أن عدد المرضى الذين تم إدخالهم إلى مرافقها المدعومة في زالنجي وروكرو بوسط دارفور ارتفع بنسبة 22.5% بين يناير وأبريل 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وقالت إن الوضع ازداد سوءًا في مايو، عندما توقف 45 مركزًا للرعاية الصحية العامة في وسط دارفور عن تلقي الدعم بسبب نقص التمويل لدى المنظمة التي كانت توفر لها الموارد.
ونقلت أطباء بلا حدود عن محمد إبراهيم، رئيس بعثتها في السودان، قوله: "الحرب هي التي تحدد احتياجات السودان، بينما يؤدي خفض التمويل إلى تقليص الاستجابة".
وأضاف أن عمل أطباء بلا حدود في السودان ممول من القطاع الخاص، لكن عندما يختفي التمويل من الخدمات الصحية الأخرى، تُغلق العيادات، ويقل عدد الأماكن التي يستطيع المرضى التوجه إليها، وينتقل الضغط إلى المرافق المتبقية، بما فيها مرافق أطباء بلا حدود.
إغلاق أقسام الولادة والجراحة بالقضارف
وفي مخيم "الطنيدية" بولاية القضارف، الذي يستضيف نحو 18,400 لاجئ، أدى انسحاب منظمة إنسانية بشكل مفاجئ في يونيو إلى إغلاق قسمي الولادة والجراحة.
وأصبح على النساء الحوامل اللاتي يحتجن إلى عمليات قيصرية السفر نحو ثلاث ساعات للوصول إلى أقرب مدينة، بينما تدخلت أطباء بلا حدود لإدارة قسم الطوارئ في المخيم حتى نهاية عام 2026.
كما تراجع عدد المنظمات الإنسانية العاملة في مخيم أم ركوبة ومحيطه بولاية القضارف من نحو 35 منظمة عام 2021 إلى أقل من 10 منظمات حاليًا، بينما يستضيف المخيم نحو 17 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.
وقال فابريزيو لوكوراتولو، مدير الشؤون الإنسانية في أطباء بلا حدود: "مستشفانا في أم ركوبة هو الآن شريان الحياة الوحيد المتبقي للاجئين وللمجتمع السوداني المحلي على حد سواء".
المرضى أمام خيار العلاج أو الطعام
وفي مخيم الحميدية للنازحين بوسط دارفور، انخفض عدد المرضى الذين يزورون مركزًا صحيًا كان يقدم خدمات الأمومة وطب الأطفال والصحة النفسية من نحو 200 مريض يوميًا إلى 40 فقط، بعد توقف منظمة إغاثة دولية عن دعمه، كما توقفت حملات التطعيم.
وأكدت أطباء بلا حدود أن انخفاض أعداد المرضى لا يعني تحسن الوضع الصحي، بل إن السكان توقفوا عن الذهاب إلى المركز لأنه لم يعد قادرًا على علاجهم.
وأشارت إلى أن العامل في دارفور يكسب نحو دولار واحد يوميًا، بينما تبلغ تكلفة المواصلات للوصول إلى عيادة عاملة نحو دولارين، ما يجعل الوصول إلى العلاج يعادل تقريبًا أجر يومين من العمل.
600 ألف نازح في طويلة
وفي طويلة، قالت أطباء بلا حدود إن هناك نحو 50 منظمة غير حكومية، لكن لا تزال هناك فجوات كبيرة في الخدمات بالنسبة إلى ما يصل إلى 600 ألف نازح.
وتدير المنظمة المستشفى الوحيد في المنطقة بسعة 200 سرير، كما أنها الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ استجابة وبائية واسعة النطاق.
وحذرت من ارتفاع حالات الملاريا وسوء التغذية رغم محدودية الأمطار، مشيرة إلى أن فرقها استقبلت خلال أغسطس 191 طفلًا دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد في مركز التغذية العلاجي الداخلي، وكانت نتائج الفحوص إيجابية للملاريا لدى نحو 22% منهم.
تمويل الاستجابة الإنسانية لا يتجاوز 41%
وقالت أطباء بلا حدود إن هذه التطورات تأتي في ظل أزمة إنسانية شديدة النقص في التمويل.
وبحسب البيان، تتوقع الأمم المتحدة أن يعاني 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينما واجه 19.5 مليون شخص مستويات من الجوع المصنفة ضمن مرحلة الأزمة في وقت سابق من العام.
كما أن خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، التي تبلغ قيمتها 2.87 مليار دولار، لم تحصل سوى على 41% من التمويل المطلوب، في حين يُقدّر أن 37% من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة بالكامل، وفق منظمة الصحة العالمية.
تراجع التمويل الدولي
وربطت أطباء بلا حدود جزءًا من الأزمة بانتهاء منح العديد من المنظمات التي كانت تعمل في السودان في يونيو 2026، بعد إعلان الحكومة الأمريكية في 2025 إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
وقالت إن العديد من مقدمي الخدمات الصحية لم يتمكنوا من إيجاد مصادر تمويل بديلة، ما أدى إلى إغلاق مرافق صحية.
وأضافت أن عددًا من الحكومات الأوروبية خفض أيضًا مساعداته للسودان، فيما تراجعت المساعدات الإنسانية عالميًا بنسبة 35.8% خلال الفترة المشار إليها في البيان، وانخفضت المساعدات المقدمة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي بنسبة 13.8% في 2025، وفق البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وقال سيباستيان ترافيكانتي، منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود بدارفور: "إغلاق عيادة لا يعني نقل أي مريض، بل يعني فقط إرساله إلى المنشأة التالية".
وأوضح أن المرضى، بعد قطع رحلة أطول وأكثر تكلفة، يصلون غالبًا في حالة صحية أكثر خطورة، وقد يجدون المستشفى ممتلئًا بالفعل.
وأضاف أن أطباء بلا حدود تستطيع تعزيز بعض الخدمات، "لكن لا يمكننا استيعاب كل عمليات الإغلاق".



التعليقات (0)
جاري التحميل...