عائشة إسماعيل (سودانية متزوجة من مصري):
"ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي لا يشبه ما نعيشه على أرض الواقع"

مصدر بالسفارة السودانية في القاهرة:
"ارتفاع حالات الزواج بين السودانيين والمصريين عزز صلات الدم والرحم بين الشعبين"

  الدكتور نبيل نجم الدين:
"العلاقات بين المصريين والسودانيين أقدم من الدولة الحديثة.. وصنعها نهر النيل قبل السياسة"

  الباحث علي فوزي:
"الزيادة في حالات الزواج بين المصريين والسودانيين تعكس عمق الروابط الاجتماعية والتاريخية

  محمد (زوج مصري من سودانية):
"المرأة السودانية من أفضل النساء لما تتمتع به من أصالة ووفاء لأسرتها"

 

 

 

القاهرة: ناهد محمد

لا تختزل العلاقة بين مصر والسودان في حدود سياسية تفصل بين دولتين جارتين، بل تمتد جذورها إلى تاريخ طويل من التداخل الإنساني والثقافي، صنعه نهر النيل الذي جمع الشعبين قبل أن ترسم الحدود بينهما. فإلى جانب المصالح السياسية والاقتصادية، ظلت العلاقات الاجتماعية والثقافية أكثر رسوخًا، لتشكل أحد أهم عناصر التقارب بين البلدين.

وخلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في السودان، برزت ملامح جديدة لهذا التقارب، إذ ارتفعت معدلات الزواج بين السودانيين والمصريين، لتنشأ أسر تجمع الهويتين في بيت واحد، في مشهد يعكس عمق العلاقات الإنسانية، ويجعلها أكثر قدرة على تجاوز حملات الكراهية التي تنشط بين الحين والآخر على منصات التواصل الاجتماعي.

ورغم تصاعد بعض الخطابات العدائية عبر الفضاء الإلكتروني، فإن الواقع اليومي يقدم صورة مختلفة، حيث يعيش السودانيون والمصريون حالة من التعايش والتقارب الاجتماعي، انعكست على تفاصيل الحياة اليومية، من المصاهرة وتبادل العادات والتقاليد، إلى المطبخ الشعبي والموروث الثقافي، بما يؤكد أن الروابط الإنسانية أقوى من أي حملات تحريض عابرة.

تجربة شخصية.. "ما نراه على مواقع التواصل لا يشبه الواقع"

تقول عائشة إسماعيل، وهي سودانية متزوجة من مواطن مصري، إن حياتها في مصر لم تعكس الصورة التي ترسمها بعض منصات التواصل الاجتماعي عن طبيعة العلاقة بين الشعبين.

وتوضح، في حديثها لـ«صوت الأمة»، أنها لم تتعرض لأي مواقف عدائية من المصريين، رغم تصاعد خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل، مرجحة وجود جهات تعمل على تأجيج هذه الخطابات، بينما يظل الواقع مختلفًا تمامًا.

وتضيف أن تعاملاتها اليومية اتسمت بالاحترام وحسن المعاملة، وأن المواقف السلبية التي صادفتها كانت محدودة وفردية، ولا تعبر عن طبيعة المجتمع المصري.

وتستشهد بتجربتها خلال رحلة علاجها في مصر، مشيرة إلى أن طبيبها كان يوفر لها الأدوية أحيانًا على نفقته الخاصة، كما وجدت متبرعين مصريين بالدم عندما احتاجت إلى عمليات نقل دم، وهو ما ترك لديها انطباعًا عميقًا عن روح التضامن والمحبة.

وتشير إلى أن كثيرًا من المصريين يطلقون على السودانيين لقب "ابن النيل"، تعبيرًا عن التاريخ المشترك الذي يجمع الشعبين، لافتة إلى أن شهر رمضان يشهد تبادلًا للأطعمة بين الأسر المصرية والسودانية، بما يعكس حالة الاندماج الاجتماعي.

وتؤكد أن زواجها من مصري جاء نتيجة هذا الشعور بالقرب الإنساني، موضحة أن زوجها أصبح يفضل الأطعمة السودانية، مثل العصيدة والكسرة، كما تبنت أسرة زوجها بعض العادات السودانية، ومن بينها طقوس إعداد «الجبنة» السودانية، إلى جانب عادات الحناء ومراسم الزواج.

وتختتم حديثها بالقول:  "من يزور القاهرة ويعيش بين الناس يدرك أن ما يُقال على مواقع التواصل شيء، وما يحدث على أرض الواقع شيء آخر، وليس من رأى كمن سمع."

ارتفاع في عقود الزواج

تكشف بيانات السفارة السودانية في القاهرة عن ارتفاع ملحوظ في عدد عقود الزواج الموثقة بين السودانيين والمصريين خلال العامين الماضيين، في ظل تزايد أعداد السودانيين المقيمين في مصر منذ اندلاع الحرب.

ويقول مصدر بالسفارة السودانية لـ«صوت الأمة» إن القسم القنصلي وثّق مئات الزيجات المختلطة، سواء بين سودانيين ومصريات أو سودانيات ومصريين، مشيرًا إلى أن هذا الارتفاع يعكس طبيعة التداخل الاجتماعي الذي نشأ بين المجتمعين خلال فترة اللجوء والإقامة الطويلة.

ويضيف المصدر أن إجراءات توثيق الزواج تتم وفق القوانين المعمول بها في البلدين، بالتنسيق مع الجهات المصرية المختصة، بما يضمن حفظ الحقوق القانونية للزوجين والأبناء.

ويرى أن تزايد هذه الزيجات يمثل أحد المؤشرات على عمق العلاقات الإنسانية بين الشعبين، مؤكدًا أن الروابط الاجتماعية غالبًا ما تكون أكثر صلابة من التقلبات السياسية أو الحملات الإعلامية العابرة.

خطاب الكراهية... ظاهرة افتراضية

من جانبه، يعتقد الباحث في العلاقات الدولية الدكتور نبيل نجم الدين أن خطاب الكراهية المتبادل على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس حقيقة العلاقة بين المصريين والسودانيين، بقدر ما يمثل حالة تضخيم تصنعها المنصات الرقمية.

ويقول لـ«صوت الأمة» إن العلاقات بين الشعبين تمتد عبر قرون، وتقوم على المصالح المشتركة والروابط الثقافية والاجتماعية، وهي عوامل تجعلها أكثر قدرة على تجاوز الخطابات المؤقتة التي تظهر في أوقات الأزمات.

ويشير إلى أن ملايين السودانيين وجدوا في مصر ملاذًا منذ اندلاع الحرب، بينما اندمج كثير منهم في المجتمع المصري، سواء في سوق العمل أو الدراسة أو الأنشطة التجارية، الأمر الذي عزز فرص الاحتكاك الإيجابي بين الشعبين.

ويضيف أن الزيجات المختلطة تمثل أحد أهم مؤشرات الاندماج الاجتماعي، لأنها تقوم على الثقة والقبول المتبادل، ولا يمكن أن تنمو في بيئة يسودها الرفض أو الكراهية.

ويؤكد نجم الدين أن وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا ما تمنح الأصوات المتطرفة مساحة أكبر من حجمها الحقيقي، بينما يبقى الواقع اليومي أكثر هدوءًا وتوازنًا، وهو ما تؤكده العلاقات الاجتماعية التي نشأت بين السودانيين والمصريين خلال السنوات الأخيرة.

ويخلص إلى أن مواجهة خطاب الكراهية لا تكون بالرد عليه فحسب، وإنما بإبراز النماذج الإيجابية للتعايش والتعاون بين الشعبين، باعتبارها الصورة الأقرب إلى الواقع.

باحث: المصاهرة تعزز التماسك الاجتماعي

ويرى الباحث في الشؤون الأفريقية علي فوزي أن تزايد حالات الزواج بين السودانيين والمصريين يعكس تطورًا طبيعيًا في العلاقات بين الشعبين، ويؤكد أن الروابط الاجتماعية والإنسانية تظل أكثر رسوخًا من أي توترات سياسية أو حملات تحريض إعلامي.

ويقول لـ«صوت الأمة» إن المصاهرة تمثل أحد أقوى أشكال الاندماج المجتمعي، لأنها تؤسس لعلاقات طويلة الأمد تتجاوز الأفراد إلى الأسر والأجيال الجديدة، وتسهم في تعزيز التفاهم والتقارب بين المجتمعين.

ويشير إلى أن التاريخ المشترك والجغرافيا ووحدة المصير عوامل جعلت من العلاقة بين مصر والسودان نموذجًا للتداخل الإنساني في المنطقة، موضحًا أن الأحداث السياسية قد تؤثر مؤقتًا في المزاج العام، لكنها لا تستطيع محو إرث طويل من التواصل والتعايش.

ويضيف أن ملايين السودانيين الذين استقروا في مصر خلال السنوات الأخيرة أسهموا في توسيع دوائر التفاعل الاجتماعي والثقافي، ما أوجد علاقات إنسانية جديدة انعكست في زيادة الزيجات المختلطة، إلى جانب التعاون في مجالات العمل والتعليم والاستثمار.

"أصبحت جزءًا من أسرة سودانية"

أما محمد، وهو مواطن مصري متزوج من سودانية، فيقول إن الزواج أتاح له التعرف عن قرب على الثقافة السودانية، التي وجدها قريبة من العادات المصرية في كثير من التفاصيل.

ويؤكد أن أسرته رحبت بزوجته منذ البداية، كما استقبلته أسرتها السودانية باعتباره واحدًا منها، الأمر الذي سهّل اندماج العائلتين، ورسخ علاقات صداقة ومودة بينهما.

ويضيف أن المناسبات الاجتماعية أصبحت فرصة لتبادل العادات والتقاليد، فتعرّف على المطبخ السوداني، بينما اعتادت زوجته على كثير من الأكلات المصرية، كما أصبحت المناسبات الدينية والأسرية تجمع أفراد العائلتين في أجواء يغلب عليها الود والتقارب.

ويرى أن ما يُثار أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس حقيقة العلاقة بين الشعبين، مؤكدًا أن التجربة اليومية تثبت وجود احترام متبادل وتعاون كبير بين المصريين والسودانيين.

روابط تتجاوز الأزمات

ورغم التحديات التي فرضتها الحرب في السودان وما رافقها من موجات نزوح واسعة، يرى مراقبون أن العلاقات الاجتماعية بين السودانيين والمصريين واصلت ترسخها، مدفوعة بتاريخ طويل من الجوار والتداخل الإنساني.

وتشير الزيادة الملحوظة في حالات الزواج المختلط إلى أن المصاهرة أصبحت إحدى صور التقارب بين الشعبين، وأن الروابط الإنسانية لا تزال قادرة على تجاوز خطابات الكراهية والانقسامات التي تتردد على المنصات الرقمية، لتؤكد أن ما يجمع المصريين والسودانيين أعمق من أي خلافات عابرة، وأن العلاقات بينهما تظل ركيزة أساسية للتواصل والتعايش بين الشعبين.

المصاهرة... جسر يتجاوز الأزمات

وبينما تواصل الحرب في السودان فرض تداعياتها الإنسانية على ملايين المواطنين، تكشف قصص الزواج بين السودانيين والمصريين عن وجه آخر للعلاقة بين البلدين، عنوانه التعايش والتكافل والتقارب الإنساني.

ويرى متابعون أن تنامي هذه الزيجات لا يمثل مجرد ظاهرة اجتماعية، بل يعكس قدرة الروابط الإنسانية على تجاوز الأزمات والخطابات السلبية، ويؤكد أن التاريخ المشترك والجوار والمصالح المتبادلة تظل عوامل أكثر تأثيرًا من حملات الكراهية التي تنشط عبر الفضاء الإلكتروني.

وفي ظل استمرار التداخل الاجتماعي والثقافي بين الشعبين، تبدو المصاهرة إحدى الصور الأكثر وضوحًا لعمق العلاقة بين مصر والسودان، ورسالة تؤكد أن ما يجمع الشعبين أكبر من الخلافات العابرة، وأن الأواصر الإنسانية قادرة على الصمود في وجه الأزمات.

 

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...