مؤشرات لدخول الاقتصاد مرحلة الانهيار الاقتصادي

خبراء يرسمون خارطة طريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

حالة الترقب المحيطة بمسار الحوار السوداني-السوداني

مطالبات بوقف الحرب وزيادة الإيرادات الحقيقية

تقرير ـ ناهد محمد

يسجل الجنيه السوداني هذه الفترة تراجعًا كبيرًا ودراماتيكيًا، وانهيارًا تاريخيًا مقابل العملات الأجنبية، ويجيء الانهيار في السوقين الرسمي والموازي على السواء، حيث سجلت العملات الأجنبية ارتفاعات كبيرة، وفقًا لتداولات المتعاملين في الأسواق المالية، وسط شكاوى المواطنين من انعكاس انهيار العملة المحلية على أسعار كافة السلع، مع التصاعد المستمر، وتوقع خبراء انهياراً كاملاً للاقتصاد السوداني في المدى القصير، وأن تتجاوز قيمة الدولار سقف الـ 8000 جنيه خلال الأشهر الثلاثة القادمة، حال لم تتم المعالجات المطلوبة، وتجاوزت قيمة الدولار الأمريكي، أمس، 6650 جنيهاً سودانياً في مؤشر متسارع يدلل على أن الاقتصاد السوداني يتجه إلى الانهيار الشامل حال لم يتم التدخل بحلول إسعافية وعاجلة توقف هذا التدهور المريع في قيمه الجنيه.

 

تأثيرات الحرب:

ويربط الخبير الاقتصادي والمالي د. علي الله عبد الرازق التدهور الكبير في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي وبقية العملات بتداعيات وآثار الحرب المندلعة في السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023، حيث أدت هذه الحرب إلى تدهور كبير في قطاعات الإنتاج الحقيقية، سواء الصناعي، والذي بلغت خسائره وتعطلت أكثر من 70% من مصانعه، أو القطاع الزراعي الذي تعطلت كثير من مشروعاته، مما دفع إلى تعويض نقص الإنتاج المحلي باستيراد السلع الضرورية والأساسية للمواطنين من الخارج.

وقال إن هذا ما دفع إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي لمقابلة احتياجات هذا الاستيراد الملح والضروري.

ويشير علي الله إلى أن هذا التدهور الكارثي في قيمة الجنيه السوداني مؤخرًا يُنظر إليه باعتباره مؤشرًا لدخول الاقتصاد السوداني مرحلة الانهيار الاقتصادي، الذي بدأت ملامحه تتمظهر في الراهن اللحظي، وأضاف في إفادته لـ"صوت الأمة": "سيستمر هذا التراجع مستقبلًا، ومن المتوقع قريبًا أن يتخطى سعر صرف الدولار الثمانمائة جنيه سوداني خلال الأشهر الثلاثة القادمة".

التسييل المالي:

الانهيار المتوالي للجنيه السوداني له عوامل ومبررات حصرها الخبير الاقتصادي كمال كرار، الذي قال إن هنالك عوامل كثيرة وراء الانهيار المتواصل للجنيه السوداني، أولها التسييل المالي المتواصل للعجز المالي، والذي بدوره أدى إلى المزيد من طباعة العملة وزيادة الكتلة النقدية، وثانيها الزيادات المتواصلة في الدولار الجمركي والسلع الاستراتيجية مثل الوقود، وأدت إلى ارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية للجنيه، وثالثها ضعف الصادرات وارتفاع عجز الميزان التجاري، بما أسهم في زيادة الطلب على النقد الأجنبي من السوق الموازي.

غير أنه قطع بتفاقم الأسباب "سالفة الذكر" بسبب استمرار الحرب، والتي اعتبرها "أم المشكلات الاقتصادية" التي عصفت بالجنيه وجعلته "ورقة ساكت"، بحسب تعبيره.

تراجع الصادرات:

الخبير المصرفي وليد دليل فند بدوره أسباب انهيار الجنيه المتوالي أمام العملات الأجنبية بعدة أسباب متزامنة.

وقال إن ضعف العرض من العملة الصعبة، بسبب تراجع الصادرات التقليدية (القطن، الصمغ، المواشي) بفعل الحرب، وخروج جزء كبير من إنتاج الذهب عبر التهريب بدل العودة إلى البنك المركزي.

إلى جانب تضخم الطلب على الدولار من مصدرين، أولهما تمويل عجز الموازنة بالإصدار النقدي لتغطية نفقات الحرب، وثانيهما العقوبات الأمريكية النافذة منذ يوليو 2026، التي أضعفت قنوات المراسلة المصرفية، ودفعت جزءًا من تحويلات المغتربين إلى القنوات غير الرسمية.

وقال إن السبب الثالث عامل "نفسي-سياسي"، وهو حالة الترقب المحيطة بمسار الحوار السوداني-السوداني، ما يدفع حائزي النقد الأجنبي للتحوط بالدولار كأداة ادخار دفاعية.

أما العامل الرابع فهو قرار تحرير سعر الصرف نفسه، وقال في حديثه لـ"صوت الأمة": "القرار صحيح من حيث المبدأ لأنه ينهي ازدواجية السعر الرسمي والموازي، لكنه جاء من دون احتياطي كافٍ يمكّن البنك المركزي من التدخل، غير أنه تحول إلى اعتراف بالعجز أكثر من كونه إصلاحًا، بينما استقبله السوق برفع الأسعار بدل الاستقرار، مقترنًا باحتكار بعض الصرافين للسيولة الأجنبية".

لانهيار الجنيه السوداني تأثيرات اقتصادية ومعيشية خاصة على المواطن البسيط، ولها أسباب ودوافع مبررة، خاصة في ظل استمرار الحرب، وأخرى غير مبررة، لكن لا بد من إيجاد حلول ومعالجات تطفئ من لهيب الأسواق وتصاعد الأسعار.

لذا، فقد نوه الخبير المصرفي وليد دليل إلى ضرورة إصلاح حوكمة قطاع الذهب لجذب الإنتاج الأهلي نحو البيع الرسمي بدل التهريب، باعتباره أكبر مصدر محتمل لتعزيز الاحتياطي، مع تفعيل قنوات تحويل رسمية جاذبة للمغتربين، مثل أدوات الادخار المدعومة بالذهب، لمنافسة سرعة القنوات غير الرسمية.

وقال بأهمية كبح تمويل العجز بالإصدار النقدي تدريجيًا، رغم صعوبته في زمن الحرب.

ونادى دليل بمسار دبلوماسي موازٍ لتخفيف أثر العقوبات على القطاع المصرفي تحديدًا، مع إشارة سياسية واضحة تقلل حالة عدم اليقين، خاصة أن جزءًا كبيرًا من ضغط السوق مصدره التوقعات، لا الأساسيات وحدها.

وقال دليل إن تحرير سعر الصرف عالج التشوه السعري، لكنه لم يعالج مصدر شح العملة الصعبة، وبلا استكمال هذه المحاور سيبقى الجنيه في مسار انحداري متجدد.

ويشاركه الرأي كل من الخبيرين علي الله عبد الرازق وكمال كرار في ضرورة وضع معالجات عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من قيمة الجنيه السوداني، حيث نبه علي الله عبد الرازق إلى ضرورة تدخل بنك السودان المركزي واتخاذ حزمة إجراءات وتدابير لمعالجة هذا التدهور المريع من خلال التحكم في حجم الكتلة النقدية، وإلا فإن الانهيار الكامل للاقتصاد السوداني المتوقع في المدى القصير سيتحقق.

وقال كذلك إنه ينبغي على القيادة السياسية، "إن وجدت"، أن تلعب دورًا متعاطمًا في وقف نزيف واستنزاف هذه الحرب المدمرة بأي كلفة، والتي لا شك ستؤثر بالمزيد من التدهور في أداء المؤشرات الاقتصادية الكلية، وذلك من خلال المزيد من الصرف الحكومي على الحرب، في ظل تراجع وانخفاض أداء الإيرادات العامة، مما يدفع قطعًا بارتفاع معدلات التضخم في المدى القريب، ناهيك عن البعيد، والتي حتمًا ستؤدي إلى المزيد من التدهور في قيمة العملة الوطنية.

وينبه الخبير الاقتصادي كمال كرار إلى أن هذا النوع من الكوارث الاقتصادية لا يعالج بأدوات إدارية أو أمنية، وإنما بسياسات اقتصادية محددة، على رأسها وقف تمويل عجز الموازنة بطباعة النقود.

وقال إن هذه هي الخطوة الأهم، ويجب أن يتوقف بنك السودان عن تمويل الإنفاق الحكومي بالعجز النقدي، لأن زيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج تؤدي إلى مزيد من التضخم والطلب على الدولار والذهب.

وأشار إلى أن الحل هو زيادة الإيرادات الحقيقية للدولة، وتقليص الإنفاق غير الضروري، مع توجيه الإنفاق نحو الخدمات والإنتاج، ومنع الاقتراض المباشر للحكومة من البنك المركزي إلا في حدود صارمة ومؤقتة.

وضرورة بناء احتياطي حقيقي من العملات الأجنبية، عن طريق إلزام عوائد الصادرات بالمرور عبر النظام المصرفي ومكافحة تهريب الذهب، وجذب تحويلات السودانيين بالخارج عبر القنوات الرسمية، ثم زيادة صادرات الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والصمغ العربي.

وقال: أما سياسة ضخ النقود في المصارف، فهي تستنزف المزيد من احتياطي العملات الصعبة، ولم ولن تنجح في وقف انهيار الجنيه.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...