ساره عطية -صوت الأمة
"التمساح حجر لي عومنا... إن ما جيتونا عليكم لومنا."بهذه الكلمات، صور الشيخ حاج الماحي، قبل أكثر من قرن، حالة الرعب التي عاشها سكان ضفاف النيل بعد أن أرهب تمساح ضخم ديار الشايقية.
وظل السودانيون يتناقلون القصة جيلاً بعد جيل، بعضهم يراها كرامة انتهت بهلاك التمساح بعد دعاء الشيخ، وآخرون يعتقدون أنها قصيدة رمزية قصد بها الاستعمار الإنجليزي. لكن ما لم يكن يتوقعه أحد أن يعود (التمساح) إلى الواجهة مرة أخرى، ليس في الحكايات والأساطير، وإنما في نشرات الأخبار ومقاطع الفيديو المتداولة يومياً.
والشيخ محمد ود حاج الماحي (1789 ــ 1871م) أحد أشهر شعراء المديح النبوي في السودان، ورمز بارز في الأدب الصوفي والتراث الشعبي. ولد في قرية الكاسنجر قرب مدينة كريمة، وخلد اسمه بقصائد لا تزال تتردد في المناسبات الدينية، ومن بينها قصيدته الشهيرة عن (التمساح).
عندما أرعب التمساح الشايقية
وتحكي الرواية الشعبية أن تمساحاً ضخماً كان يهاجم الأهالي في منطقة الشايقية، حتى غدا النيل مصدر خوف بعد أن كان مصدر حياة. ويروى أن حاج الماحي نظم قصيدته داعياً الله وأولياءه الصالحين أن يرفعوا البلاء عن الناس.
وتقول إحدى الروايات إن التمساح عُثر عليه ميتاً بعد أيام، فيما تذهب رواية أخرى إلى أنه تحول إلى حجر. أما بعض الباحثين فيرون أن القصيدة حملت معنى رمزياً، وأن (التمساح) كان إشارة إلى المستعمر الإنجليزي لا إلى الحيوان نفسه.
وبغض النظر عن اختلاف الروايات، فقد بقيت القصيدة حاضرة في الذاكرة السودانية باعتبارها تجسيداً للخوف، ليعود هذا الخوف إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر حوادث موثقة ومقاطع فيديو متداولة، لا عبر الحكايات الشعبية وحدها.
التماسيح تغادر مخابئها
فخلال الأسابيع الماضية، تحولت التماسيح إلى حديث سكان الولايات المطلة على النيل. ففي جزيرة صاي بالولاية الشمالية، لقي مزارع مصرعه بعد أن افترسه تمساح أثناء عمله في مزرعته. وبعد أيام، شهدت جزيرة السدر جنوبي بربر بولاية نهر النيل حادثة مشابهة، بعدما هاجم تمساح شاباً وسحبه إلى أعماق النهر أمام أنظار الأهالي.
ولم تقتصر المؤشرات على تلك الحوادث، إذ انتشرت مقاطع مصورة لظهور تماسيح في الباوقة وفتوار والجول، كما وثق فيديو آخر ظهور تمساح ضخم في الخزان الرئيسي بمجمع قرى ود محمود بمحلية المناقل، بينما أظهر تسجيل متداول أعداداً من التماسيح تتحرك على ضفاف النيل بمنطقة العقلي في الكلاكلة جنوبي الخرطوم.
ويقول محمد عبد الرحمن آدم، أحد سكان الكلاكلة، إن التماسيح كانت موجودة في المنطقة منذ سنوات، لكنها لم تكن تظهر بهذه الكثافة. ويضيف أن تكرار مشاهدتها، إلى جانب حوادث الافتراس الأخيرة، جعل الخوف يلازم السكان، خاصة الأطفال والنساء والصيادين والمزارعين، مطالباً الجهات المختصة بالتدخل لتأمين ضفاف النيل.
الحرب غيرت النيل
الخبير في الحياة البحرية وليد عبد الله محمد، يري أن الظهور المتزايد للتماسيح يعود إلى عوامل بيئية واستثنائية تزامنت مع الحرب. ويوضح أن انخفاض مناسيب مياه النيل كشف أماكن اختباء التماسيح، كما أدى تراجع الغطاء النباتي على الضفاف إلى اقترابها من المناطق المأهولة.
ويضيف أن الحرب ربما غيرت أيضاً السلوك الغذائي للتماسيح، بعد أن وفرت لها الجثث التي ألقيت في النيل خلال فترة النزاع مصدراً غير مألوف للغذاء، وهو ما قد يكون دفعها إلى الاقتراب أكثر من البشر بحثاً عن مصادر مشابهة، فضلاً عن أن تراجع النشاط البشري في بعض المناطق وفر لها بيئة أكثر هدوءاً وانتشاراً.
وتستحضر هذه المشاهد أبيات حاج الماحي التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الشعبية، إذ يقول:
"التمساح سكن الشايقيةخلو اليروح نسياً منسياً"
ثم يصف كيف أصبح النيل مكاناً يخشاه الناس:
"التمساح حجر لي عومنا إن ما جيتونا عليكم لومنا"
ويواصل تصوير أثر ذلك الخوف بقوله:
"البلد الكانت محروسة اتحجر العوم والناس محبوسة"
وفي ختام القصيدة يناشد الأولياء أن يرفعوا البلاء عن الناس قائلاً:
"احبسوا الدود لا يطل صفحتنا يا النبي بجاهك ثبتنا"
وبينما يختلف الناس حول ما إذا كانت قصة حاج الماحي كرامة حقيقية أم رمزاً أدبياً، فإن التماسيح التي تظهر اليوم ليست رمزاً، بل واقع يفرض تحديات بيئية وأمنية تستدعي الدراسة والتدخل.



التعليقات (0)
جاري التحميل...