خبراء اقتصاديون: خفض الرسوم لا يكفي لمعالجة أزمة الأسعار دون إصلاح اختلالات السوق
الغرفة التجارية عطبرة: الأمر يحتاج بعض الوقت لنرى المتغيرات على أرض الواقع
د. مروة قباني: لا بد من إنشاء آلية دورية لرصد أسعار السلع الأساسية في أسواق الولايات
اتحاد المخابز: استيراد الدقيق بأسعار تنافسية قد يسهم في خفض أسعار الخبز
غرفة المستوردين: رفع الحظر يجب أن يُترجم فورًا إلى قرار واضح وصريح
تقرير: ناهد محمد
أعاد التوجيه الرئاسي الأخير بفتح باب الاستيراد أمام الجميع وإلغاء الرسوم الجمركية على عدد من السلع الغذائية الأساسية، بما فيها الخضروات والفواكه والدقيق والزيوت واللحوم والبقوليات، النقاش حول قدرة القرارات الحكومية على معالجة أزمة الأسعار وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتجاوز سعر الدولار سقف 10.300 جنيه.
وبينما يرى مؤيدو القرار أنه خطوة نحو زيادة المعروض وكسر الاحتكار وخفض الأسعار، تتحفظ أصوات أخرى على إمكانية تحقيق هذه النتائج ما لم تُعالج الاختلالات التي تتحكم في السوق، بدءًا من تكلفة الاستيراد وتوفير النقد الأجنبي، وصولًا إلى النقل والتوزيع وهوامش أرباح التجار.
وكان قرار مجلس الوزراء الصادر في أبريل الماضي بحظر استيراد أكثر من 45 سلعة، خُفضت لاحقًا إلى 36 سلعة باعتبارها كمالية، قد أثار اعتراضات من المستوردين ومخاوف بشأن انعكاساته على المنافسة والأسعار. ويرى منتقدون أن القيود المفروضة على الاستيراد منحت بعض التجار فرصًا أوسع للاحتكار، ورفعت أسعار سلع اضطر المستهلك البسيط إلى الاستغناء عنها «مُجبرًا لا بطل».
لكن السؤال الذي يواجه القرار الجديد لا يتعلق بإعلانه فحسب، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في الأسواق: هل يؤدي فتح الاستيراد وإلغاء الرسوم إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار، أم تظل النتائج رهينة عوامل أخرى قد تحد من أثره؟
إلغاء الحظر.. خطوة نحو كسر الاحتكار
ثمنت الغرفة القومية للمستوردين اهتمام رئيس مجلس السيادة بالتداعيات الخطيرة لسياسات حظر السلع، واعتبرت قرار رفع الحظر خطوة مهمة نحو معالجة الاختلالات التي أحدثها القرار السابق، واستعادة انسياب السلع، وتعزيز المنافسة، والحد من الاحتكار والارتفاع غير المبرر في الأسعار، فضلًا عن مكافحة التهريب وظواهر الاستثناءات والتسويات التي قالت إنها ألحقت أضرارًا بالمواطنين.
وكانت الغرفة من أوائل الجهات المناهضة لقرار الحظر، وحذرت من تأثيراته الاقتصادية والمعيشية، وما خلفه من اضطراب في الأسواق وأضرار بالمستوردين وأعباء إضافية على كاهل المواطن الذي يواجه أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة.
غير أن الغرفة شددت على ضرورة استكمال الخطوة بإجراء قانوني واضح. ونبه رئيسها، الصادق جلال، إلى أن رفع الحظر يجب أن يُترجم فورًا إلى قرار صريح يصدره رئيس مجلس الوزراء، يقضي بإلغاء القرار رقم (74) المتعلق بحظر السلع، لمنع أي اجتهادات أو تفسيرات متعارضة أو التفاف على التوجيهات، خصوصًا من الجهات التي كانت وراء قرار الحظر.
وقال جلال إن الغرفة ستواصل مناهضتها القانونية للقرار في حال عدم صدور قرار الإلغاء، دفاعًا عن مصالح منسوبيها، مشيرًا إلى أن إجراءات التقاضي التي اتخذتها في هذا الشأن قطعت أشواطًا متقدمة. وأكد أن لجوء الغرفة إلى القضاء يأتي في إطار مسؤوليتها المؤسسية والقانونية عن الدفاع عن حقوق أعضائها، وأن صدور قرار صريح بالإلغاء من شأنه وضع حد للنزاع.
وأكدت الغرفة أن إعفاء السلع الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية يسهم في خفض تكاليفها وأسعارها، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن، وتخفيف الضغوط على ميزانيات الأسر، وتيسير الحصول على السلع التي تمثل جزءًا رئيسيًا من الإنفاق اليومي.
هل تنتقل الوفورات إلى المستهلك؟
يرى خبير شؤون المستهلك، د. هيثم حسن عبد السلام، أن القرار جاء نتيجة الإنصات لنبض الشارع، ووصفه بأنه تصحيح للمسار من أجل مصلحة الوطن والمواطن.
وقال إن إلغاء حظر استيراد عدد من السلع وإعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية يشكلان انتصارًا لحقوق المستهلك، مضيفًا أن الاعتراف بالخطأ والعدول عنه لصالح المصلحة العامة ليس عيبًا، بل هو عين الصواب والفضيلة الإدارية والقيادية.
وأشار عبد السلام إلى أن حظر استيراد سلع بعينها يخلق بيئة خصبة لارتفاع الأسعار، ويقوض المنافسة العادلة، ويترك المستهلك رهينة خيارات محدودة. وأضاف أن إلغاء الحظر وإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات والفول والعدس وزيوت الطعام والخضروات والفواكه من الرسوم، وفتح الباب أمام جميع التجار والمستوردين، من شأنه توسيع خيارات السوق والمساهمة في كسر الاحتكار.
لكن خفض الرسوم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بالمقدار نفسه؛ إذ يتوقف ذلك على مدى انعكاس الوفورات الناتجة عن الإعفاء على السعر النهائي، بدلًا من احتفاظ الوسطاء والتجار بها ضمن هوامش أرباحهم.
السوق يحتاج إلى وقت
في المقابل، يرى الأمين العام للغرفة التجارية عطبرة، سيف الدين مقلد، أن تقييم أثر القرارات الأخيرة يحتاج إلى بعض الوقت حتى تظهر المتغيرات على أرض الواقع.
وقال في إفادته لـ«صوت الأمة» إن ما يُكتب على منصات التواصل الاجتماعي بشأن انخفاض الأسعار لا يتجاوز، حتى الآن، تمنيات لدى بعضهم بحدوث انخفاض في أسعار السلع.
وأضاف أنه لا يستبعد حدوث متغيرات جراء القرارات الأخيرة، لكنه لفت إلى وجود تجار لهم وزن وتأثير واضح في حركة السوق، وقدرة على التأثير في مسار الأسعار وإبقائها عند مستويات معينة لأطول فترة ممكنة.
وأوضح مقلد أن بعض التجار استثمروا أموالهم في سوق الأزمات التي توالت بفعل قرارات حكومية سابقة بحظر استيراد السلع، وقد يسعون إلى تعويض بعض الخسائر التي قد تنجم عن القرارات الجديدة.
ويعكس هذا الموقف تحديًا أمام الحكومة في تحويل قرار إلغاء الرسوم وفتح الاستيراد إلى نتائج ملموسة؛ فزيادة المنافسة وتوفر السلع قد يساعدان على خفض الأسعار، لكن تحقق ذلك يظل مرتبطًا باستجابة السوق وحجم المعروض وقدرة المستوردين على توفير السلع وتوزيعها.
مروة قباني: القرار ليس علاجًا شاملًا لأزمة الأسعار
تقول الخبيرة الاقتصادية د. مروة قباني إن إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الغذائية وفتح الاستيراد يمكن أن يمثل خطوة إيجابية لتخفيف الأعباء المعيشية، لكنه ليس علاجًا شاملًا لأزمة الأسعار، ولا بديلًا عن إصلاح الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد السوداني.
وأضافت في إفادتها لـ«صوت الأمة» أن نجاح القرار يتوقف على قدرة الحكومة على تحويله إلى نتائج ملموسة، من خلال خفض تكلفة الاستيراد، وضمان المنافسة، وتسهيل التمويل، ومعالجة اختناقات النقل والتخزين والتوزيع.
وشددت على ضرورة تبني استراتيجية متوازية لاستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتطوير المخزون الاستراتيجي، ومراجعة الرسوم والجبايات، وتوجيه الموارد المالية نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا في معاش المواطنين. فالسياسة الاقتصادية الناجحة، بحسب رأيها، هي التي تعالج احتياجات المستهلك العاجلة دون أن تخلق أزمات إنتاجية وتمويلية في المستقبل.
وأشارت قباني إلى أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس إصدار قرار بإلغاء الرسوم وفتح الاستيراد، وإنما إثبات أن القرار أدى بالفعل إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار وتحسن القدرة الشرائية للمواطن، بالتوازي مع استعادة المصانع والحقول لقدرتها على الإنتاج.
وحذرت من أن القرارات الاقتصادية، ما لم تقترن بآليات تنفيذ واضحة ومؤشرات أداء معلنة ومساءلة عن النتائج، فقد تظل الفجوة قائمة بين ما تعلنه الحكومة وما يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالأسواق لا تستجيب للقرارات وحدها، وإنما للتغير الفعلي في تكلفة الإنتاج والاستيراد وحجم المعروض وكفاءة التوزيع ومستوى المنافسة.
آليات التنفيذ والمتابعة
حددت قباني مجموعة من الإجراءات التي ترى ضرورة اتخاذها لضمان تحقيق القرار أهدافه، تشمل إصدار التعليمات التنفيذية الملزمة للجهات المختصة، وتحديد السلع المشمولة بالإعفاء، ومنع فرض رسوم بديلة غير معلنة تتعارض مع أهدافه.
ودعت إلى إنشاء آلية دورية لرصد أسعار السلع الأساسية في أسواق الولايات، ونشر بيانات توضح تطورها قبل التنفيذ وبعده، بما يسمح بتقييم الأثر الفعلي للقرار، إلى جانب تعزيز المنافسة والرقابة على الأسواق للتحقق من انتقال الوفورات الناتجة عن خفض الرسوم إلى المستهلك.
كما شددت على أهمية تسهيل تمويل استيراد السلع الغذائية الأساسية وتوفير النقد الأجنبي، بما يضمن انسياب الإمدادات دون إحداث ضغوط غير محسوبة على سوق الصرف، وتوجيه التمويل المصرفي إلى الزراعة والصناعات الغذائية وفق خطط إنتاج واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
وشملت توصياتها مراجعة الرسوم والجبايات المؤثرة في تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، وإزالة الازدواجية والتعقيدات الإجرائية، ووضع خطة عملية لتكوين مخزون استراتيجي من الحبوب والسلع الأساسية، مع تحديد مسؤوليات الجهات المشرفة عليه وآليات التدخل به عند الحاجة.
وطالبت كذلك بإعلان نتائج التنفيذ بصورة دورية، بما يشمل تطور الأسعار وحجم الواردات ومستويات الإنتاج المحلي والتمويل الموجه إلى القطاعات الإنتاجية.
أبو عبيدة أحمد سعيد: تحفيز الإنتاج هو الرهان طويل الأجل
يرى الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد أن قرار إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الغذائية سيكون له أثر كبير في توفر السلع وانخفاض أسعارها في المدى القريب.
وقال في إفادته لـ«صوت الأمة» إن الرسوم الجمركية ضرائب غير مباشرة يتحمل المستهلك في النهاية سداد قيمتها، خاصة بالنسبة إلى السلع الضرورية، ولذلك فإن إلغاءها من شأنه خفض أسعار السلع بالنسبة إلى المستهلك النهائي.
وأضاف أن احتكار الاستيراد يحقق أرباحًا لفئات من التجار المحتكرين، وأن فتح المجال أمام المستوردين يمنع تحقيق أرباح إضافية ناتجة عن الاحتكار، بما ينعكس على الأسعار.
لكنه شدد على أهمية النظرة الاقتصادية الشاملة التي تقوم على تحفيز الإنتاج والإنتاجية في المديين المتوسط والطويل، من خلال إنتاج السلع التي تتمتع فيها البلاد بميزة نسبية وتصنيعها لإضافة قيمة مضافة، بدلًا من تصديرها مواد خامًا.
ووصف أبو عبيدة قرار الرئيس البرهان بأنه «القرار الصحيح من الرجل الخطأ»، معتبرًا أن القرار كان من المفترض أن يصدر عن وزير الصناعة والتجارة والفريق الاقتصادي لمجلس الوزراء. وقال إن الرئيس البرهان فعل خيرًا بإصداره القرار حتى يصحو مجلس الوزراء ويشعر بمعاناة المواطن.
نعمان يوسف: الرسوم ليست العامل الوحيد في تحديد الأسعار
يقدم خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف قراءة أخرى للعوامل التي تحدد أسعار السلع، مشيرًا إلى أن إلغاء الرسوم الجمركية وفتح باب الاستيراد يمكن أن يسهم، إذا نُفذ بصورة متكاملة، في زيادة المعروض وتخفيف تكاليف الاستيراد وتعزيز المنافسة بين الموردين.
لكنه طرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي إلغاء الرسوم الجمركية وفتح الاستيراد لخفض الأسعار، أم أن هناك عوامل أخرى قد تحول دون وصول أثر القرار إلى المستهلك؟
وقال في إفادته لـ«صوت الأمة» إن أثر القرار يتوقف على كيفية تنفيذه ومعالجة الاختلالات الأخرى التي تتحكم في تكلفة السلع وأسعارها داخل السوق السوداني.
وأوضح أن السعر النهائي للسلعة المستوردة لا يتحدد بالرسوم الجمركية وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بسعر الصرف وتكلفة الحصول على النقد الأجنبي، والشحن والتأمين والنقل والتخزين، ورسوم الموانئ والمناولة والتخليص، فضلًا عن تكاليف التمويل وهوامش أرباح المستوردين وتجار الجملة والتجزئة.
وأضاف أنه إذا أُلغيت الرسوم بينما ظلت بقية عناصر التكلفة مرتفعة، فقد يكون الانخفاض في الأسعار محدودًا، أو لا يشعر به المستهلك بصورة ملموسة. كما أن فتح الاستيراد لا يضمن وحده زيادة المعروض ما لم تتوفر للمستوردين القدرة الفعلية على التمويل وتوفير النقد الأجنبي وإكمال إجراءات الاستيراد والنقل والتوزيع.
اتحاد المخابز: ماذا عن أسعار الدقيق والخبز؟
وفيما يتعلق بالخبز، تساءل اتحاد المخابز السوداني عن إمكانية استيراد الدولة دقيقًا بأسعار تنافسية تقل عن أسعار السوق المحلي، معتبرًا أن ذلك قد يساعد في خفض أسعار الخبز.
وقال نائب رئيس الاتحاد، عصام عكاشة، في إفادته لـ«صوت الأمة»، إن القرار، من دون هذه الخطوة، لا يعني شيئًا بالنسبة إلى سلعة الخبز، خاصة أن الدقيق المستخدم في صناعته يُنتج محليًا، وقد قفزت أسعاره إلى 200 ألف جنيه.
ويضع موقف الاتحاد تكلفة الدقيق في قلب النقاش بشأن أثر القرار على المستهلك؛ ففتح الاستيراد وإعفاء السلع من الرسوم لا يعنيان تلقائيًا انخفاض تكلفة الخبز ما لم تنعكس الإجراءات على تكلفة الدقيق ومدخلات الإنتاج.
الحكومة: مراعاة احتياجات المستهلك وحماية المنتج المحلي
وكان وزير المالية، جبريل إبراهيم، قد أعلن أن إلغاء قائمة السلع المحظورة من الاستيراد يستهدف مراعاة احتياجات المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكدًا أن القرار يتضمن تدابير لحماية الإنتاج المحلي.
وجاء ذلك عقب توجيهات أصدرها رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، بإلغاء القائمة ومراجعة الرسوم الجمركية على عدد من السلع الغذائية.
وقال إبراهيم، في منشور على منصة «إكس» الخميس، إن القرار راعى احتياجات المستهلكين الذين يواجهون ظروفًا معيشية صعبة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على المنتج المحلي. كما أعلن عن قرارات إضافية اتخذتها لجنة مصغرة برئاسته، موضحًا أنها تستهدف توفير الاحتياجات المعيشية للمواطنين والحد من معاناتهم.
ويبقى التحدي أمام الحكومة في ترجمة هذه التوجيهات إلى نتائج قابلة للرصد، من خلال متابعة أسعار السلع الأساسية وحجم المعروض وتكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي، والتحقق من وصول أثر الإعفاءات إلى المستهلك.
فبين توقعات بخفض الأسعار ومخاوف من استمرار اختلالات السوق، لن يكون معيار نجاح القرار مجرد فتح باب الاستيراد أو إلغاء الرسوم، وإنما ما سيحدث فعليًا في الأسواق: هل تتراجع الأسعار؟ وهل تتسع المنافسة؟ وهل تتحسن القدرة الشرائية للمواطن بالتوازي مع استعادة الإنتاج المحلي؟.



التعليقات (0)
جاري التحميل...