صوت الأمة ـ سارة عطية
في السودان، لم تعد تداعيات الحرب تُقاس فقط بعدد القتلى والنازحين وحجم الدمار، إذ تتسع بالتوازي جبهة صحية لا تقل خطورة، مع تصاعد انتشار الأوبئة والأمراض المعدية في بيئة أنهكها تدمير المرافق الصحية، وتراجع خدمات المياه والإصحاح والنظافة، ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية.
وتكشف المؤشرات الصحية عن مشهد وبائي شديد التعقيد. فوفقًا لوزارة الصحة، بلغ عدد الحالات المسجلة لفيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" 13,401 حالة حتى عام 2026، فيما تجاوزت الحالات المكتشفة لالتهاب الكبد الفيروسي "ب" و"ج" 46 ألف حالة حتى نهاية 2025، بالتزامن مع استمرار نشاط أمراض أخرى، من بينها الملاريا وحمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي "E"، بدرجات متفاوتة في عدد من الولايات.
وتبرز الكوليرا باعتبارها واحدة من أكثر الأمثلة وضوحًا على حجم المخاطر. فالتفشي الذي بدأ في يوليو 2024 امتد إلى الولايات الـ18، مسجلًا 124,418 إصابة و3,573 وفاة، قبل إعلان انتهاء التفشي في مارس 2026. ورغم انتهاء تلك الموجة رسميًا، ظلت التحذيرات قائمة من عودة الكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه، خصوصًا في ظل تضرر خدمات المياه والإصحاح والنزوح والفيضانات.
ومع دخول موسم الخريف، تتزايد المخاوف من أن تتحول المياه الراكدة والنفايات المتراكمة وتلوث مصادر المياه إلى بيئة مثالية لانتشار أمراض جديدة، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية نفسها واحدة من أصعب مراحلها منذ اندلاع الحرب.
الحرب تُضعف خطوط الدفاع الصحية
في هذا السياق، قال الناطق باسم اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، الدكتور سيد محمد عبدالله، في مقابلة مع "صوت الأمة"، إن ارتفاع معدلات الإصابة بالأوبئة يمثل مؤشرًا واضحًا على تردي النظام الصحي وتراجع خدمات الإصحاح البيئي، إلى جانب العجز المتزايد في قدرة النظام الصحي على الاستجابة، نتيجة استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات.
وأوضح عبدالله أن الحرب أفرزت أوضاعًا إنسانية وصحية بالغة التعقيد، في مقدمتها النزوح وتكدس أعداد كبيرة من النازحين في مناطق محدودة، فضلًا عن تراجع برامج التطعيم، خصوصًا للنساء والأطفال والحوامل، وانتشار سوء التغذية.
وأضاف أن تزامن هذه الأوضاع مع فصل الخريف وتردي الإصحاح البيئي أدى إلى تراكم النفايات والمياه الراكدة، وهي بيئة ملائمة لتكاثر الذباب والبعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك وغيرها من الأمراض الوبائية.
ويحذر عبدالله من أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في وجود الأوبئة، وإنما أيضًا في تراجع قدرة النظام الصحي على اكتشافها والتعامل معها في الوقت المناسب.
وبيّن أن موجة الكوليرا بدأت في غرب كردفان، قبل أن تمتد إلى المزروب ثم الأبيض وولاية النيل الأبيض ومناطق أخرى، محذرًا من أن اتساع رقعة الانتشار يأتي في ظل ضعف قدرات الرصد والاستجابة الصحية.
ولفت إلى أن نحو 80% من المرافق الصحية في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة، مشيرًا إلى أن وزير الصحة كان قد أعلن في عام 2025 تسجيل نحو ثلاثة ملايين حالة إصابة بالملاريا.
ولا تبدو حمى الضنك، بحسب عبدالله، مرتبطة فقط بمناطق المواجهات العسكرية، إذ ظهرت إصابات في ولايات لم تشهد صراعًا عسكريًا، من بينها ولاية نهر النيل، التي شهدت خلال الشهر الماضي نحو 8 آلاف حالة، وفق الإفادات المتاحة.
ويرى أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للأوبئة، بسبب غياب نظام دقيق وفعال للتقصي الوبائي، إلى جانب نقص الأدوية والعلاجات وصعوبة الوصول إلى المرضى وتسجيل الحالات.
ويضيف أن تدهور الإصحاح البيئي وانحسار خدمات الصحة الوقائية، بما في ذلك التطعيمات المخصصة للأطفال، وضعف التوعية الصحية، إلى جانب استخدام أدوات ومواد غير معقمة، كلها عوامل تسهم في انتشار أمراض أخرى، من بينها التهاب الكبد الفيروسي، فضلًا عن الأمراض التي تنتقل عبر المياه والأغذية الملوثة.
ويقول عبدالله إن أوضاع المواطنين الصحية والإنسانية تواصل التدهور نتيجة الحرب، مؤكدًا أن استمرار القتال يضاعف المخاطر الصحية ويقوض أي جهود للسيطرة على الأوبئة.
ما وراء الأرقام
وبينما يربط الأطباء تصاعد الإصابات مباشرة بتدهور النظام الصحي والظروف التي فرضتها الحرب، يرى الدكتور محمد الهادي علي أن قراءة المشهد الوبائي تتطلب النظر إلى ما هو أبعد من أعداد الإصابات، والتركيز على البيئة التي باتت تسمح بظهور الأمراض وانتقالها واتساع رقعتها.
وحذر، في إفادة لـ"صوت الأمة"، من أن السودان يواجه خريطة وبائية متعددة الجبهات، معتبرًا أن المؤشرات الأخيرة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد أرقام متفرقة، وإنما كإنذار مبكر باتساع العبء الصحي في بلد أنهكته الحرب والنزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وقال علي إن تسجيل 13,401 حالة إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية حتى عام 2026، إلى جانب أكثر من 46 ألف حالة مكتشفة لالتهاب الكبد الفيروسي حتى نهاية 2025، يعكس وجود عبء صحي مستمر يتجاوز التفشيات الموسمية، ويكشف عن حاجة ملحة إلى تعزيز التشخيص والرعاية والمتابعة، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية في عدد كبير من المناطق.
وأضاف أن قراءة المؤشرات لا ينبغي أن تقتصر على ارتفاع أو انخفاض الإصابات بمرض بعينه، مشيرًا إلى أن تراجع حمى الضنك في بعض الولايات لا يعني انحسار الخطر، طالما أن المرض لا يزال نشطًا في بعض البؤر، بالتزامن مع استمرار تسجيل التهاب الكبد الوبائي "E" في النيل الأزرق وظهور أمراض أخرى في بيئات تعاني من ضعف المياه والإصحاح والنظافة.
ويرى علي أن حركة السكان بين الولايات، إلى جانب الظروف البيئية والمناخية، تجعل انتقال الأمراض أكثر سهولة، الأمر الذي يفرض أن تكون الاستجابة الصحية استباقية، لا مجرد رد فعل على ارتفاع أعداد الإصابات.
ويضيف أن "الوباء لا يبدأ داخل المستشفى، وإنما يبدأ غالبًا من البيئة"، ولذلك فإن التعامل معه عبر العلاج وحده يمثل معالجة لنتائج الأزمة وليس لجذورها.
الوقاية قبل التفشي
وانطلاقًا من ذلك، يشدد الدكتور على ضرورة تطوير نظام الترصد الوبائي، بحيث تكون الدولة قادرة على اكتشاف أي ارتفاع غير طبيعي في الإصابات قبل تحوله إلى تفشٍ واسع، مع دعم المعامل ورفع قدرتها على التشخيص السريع، وتوفير فرق استجابة ميدانية قادرة على الوصول إلى المناطق المتأثرة، إلى جانب رفع جاهزية المستشفيات ومراكز العزل والعلاج.
ويؤكد أن الأرقام الحالية يجب أن تُقرأ باعتبارها مؤشرات خطر وليست مجرد حصيلة مرضية، لأن المشكلة الأعمق تكمن في البيئة التي تسمح بتكرار الأوبئة.
ويقول إن السودان لا يحتاج إلى حملات طارئة تظهر مع كل تفشٍ ثم تتراجع، وإنما إلى استراتيجية وطنية مستدامة تشارك فيها قطاعات الصحة والمياه والبيئة والتعليم والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية والمجتمعات.
وبين حرب لم تتوقف وبيئة صحية تتآكل يومًا بعد آخر، تبدو مواجهة الأوبئة في السودان أبعد من أن تكون مسؤولية المستشفيات وحدها. فوقف دورة التفشي يبدأ من المياه النظيفة والإصحاح والرصد والتطعيم، لكنه يرتبط، قبل ذلك كله، بوقف الحرب وفتح الطريق أمام نظام صحي قادر على الوصول إلى الناس قبل أن تصل إليهم الأوبئة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...