صوت الأمة- ناهد محمد

لم تعد أزمة المعيشة في السودان مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، يخوضها المواطن بإمكانات محدودة في مواجهة سوق لا يتوقف عن ابتلاع الأجور والمدخرات. وبين راتب شهري يتراوح بين 150 و500 ألف جنيه، وأسعار تتصاعد بوتيرة متسارعة، لم يعد أمام كثيرين سوى التوكل على الله وترديد عبارة «الله كريم»، في انتظار فرج يبدو بعيد المنال.

في بيوت سودانية كثيرة، لم يعد تأمين ثلاث وجبات يومياً أمراً مسلماً به، بل باتت الوجبة الواحدة إنجازاً في حسابات الأسر محدودة الدخل، التي تنتظر فيها أفواه صغيرة نصيبها من الطعام. فشراء قطعتين من الخبز بات يكلف ألف جنيه، فيما بلغ سعر جوال الفول المصري زنة 50 كيلوغراماً مليوناً و400 ألف جنيه، وربع الدقيق 40 ألفاً، وكيلوغرام اللحم نحو 75 ألف جنيه.

وتتداخل عوامل عدة في صناعة هذه الأزمة، من تراجع قيمة الجنيه وارتفاع كلفة الاستيراد والنقل والطاقة، إلى حظر استيراد سلع أساسية، بينها الفول المصري والأرز، الذي كان يمكن أن يشكل بديلاً جزئياً للخبز في ظل ارتفاع أسعاره. وبينما تتزايد الضغوط على الأسواق، تلوح مخاوف من اتساع فجوة الغذاء، خصوصاً إذا تعثر الموسم الزراعي الشتوي أو تأخر تمويله.

ارتفاع غير مسبوق في تكاليف صناعة الخبز

كشف نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، في تصريح خاص لـ«صوت الأمة»، عن زيادات وصفها بغير المسبوقة في مدخلات إنتاج الخبز خلال أقل من شهرين، شملت الدقيق والخميرة والزيوت ومحسنات الخبز وأكياس التعبئة، ما زاد الضغوط على قطاع المخابز ودفع كلفة الإنتاج إلى مستويات مرتفعة.

وأوضح عكاشة أن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً ارتفع من 87 ألف جنيه إلى 116 ألفاً، وقفز سعر كرتونة الخميرة من 140 ألفاً إلى 270 ألفاً، فيما صعدت جركانة الزيت زنة 36 رطلاً من 120 ألفاً إلى 260 ألفاً. كما ارتفعت تكلفة محسنات الخبز من 30 ألفاً إلى 90 ألف جنيه، وأكياس التعبئة من 37 ألفاً إلى 90 ألفاً.

وقال إن القطاع يواجه تحديات متزايدة جراء ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف النقل والأجور والإيجارات، محذراً من أن استمرار هذه الزيادات يجعل تشغيل المخابز أكثر صعوبة.

وربط عكاشة تصاعد تكاليف الإنتاج بتراجع قيمة العملة المحلية، مع اقتراب سعر الدولار في السوق الموازية من 9 آلاف جنيه، الأمر الذي يرفع فاتورة استيراد المواد الخام ويزيد الأعباء على المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

فاتورة الاستيراد تضغط على رغيف الخبز

في بلد يعتمد على استيراد القمح لتغطية احتياجاته، ينعكس تراجع الجنيه مباشرة على تكلفة الخبز، الذي يمثل أحد المكونات الأساسية في غذاء السودانيين. ومع ارتفاع أسعار المدخلات، باتت قطعتا الخبز تكلفان ألف جنيه، في وقت تتآكل فيه القوة الشرائية للأجور.

وقال الأمين العام للغرفة التجارية في عطبرة، سيف الدين مقلد، في تصريح خاص لـ«صوت الأمة»، إن ارتفاع الأسعار ليس نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة أزمات متشابكة، في مقدمتها انهيار الجنيه، واعتماد المطاحن على القمح المستورد، إلى جانب ارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن البحري والتأمين.

وأضاف أن اضطرابات الملاحة المرتبطة بأزمتي مضيق هرمز وباب المندب انعكست على تكاليف الوقود، فيما أدى خروج مصفاة الجيلي من الخدمة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد. وقال إن المصفاة كانت تغطي احتياجات السودان من الوقود، لكن البلاد باتت مضطرة إلى استيراده، بما يرافق ذلك من أعباء مرتبطة بسعر الصرف والرسوم الجمركية.

ولم تقف تداعيات الأزمة عند الوقود والقمح، إذ أشار مقلد إلى أن تذبذب إمدادات الكهرباء أجبر المطاحن والمخابز على تشغيل المولدات باستخدام الجازولين، ما أضاف أعباء جديدة إلى تكلفة الإنتاج.

كما لفت إلى تراجع الصادرات بسبب الحرب، الأمر الذي حرم البلاد من موارد مهمة من النقد الأجنبي، فضلاً عن تهريب الذهب، الذي قال إنه يحرم الدولة من عائدات كان يمكن أن تسهم في تمويل استيراد القمح والوقود.

وحذر مقلد من أن عدم الاهتمام بالموسم الشتوي قد يقود إلى أزمة تتجاوز ارتفاع الأسعار، لتصل إلى تراجع توافر الخبز نفسه، مشدداً على ضرورة تكوين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية في الولايات.

الفول المصري.. وجبة الفقراء تحت الضغط

بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخبز، تعرضت وجبة أخرى أساسية في موائد السودانيين لضغوط متزايدة، بعدما قفزت أسعار الفول المصري عقب قرار حظر استيراده الصادر في أبريل الماضي.

وكان وكيل وزارة الزراعة السابق، عبد الرحمن هتر، قد كشف في تصريح سابق أن سعر جوال الفول المصري البلدي زنة 50 كيلوغراماً ارتفع من 700 ألف جنيه إلى مليون و400 ألف، فيما صعد سعر الربع من 70 ألفاً إلى 130 ألف جنيه.

وأوضح هتر أن الفترة الممتدة من أغسطس إلى أبريل تمثل موسم شح في المعروض المحلي، تعتمد فيه البلاد على الاستيراد لتعويض الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، الذي يقدره بنحو 200 إلى 250 ألف طن.

وانتقد قرار الحظر، معتبراً أنه جاء في توقيت يزيد الضغوط على المستهلكين، إذ كان الاستيراد متاحاً خلال فترة الوفرة التي يفترض أن تشهد تقييداً له، بينما مُنع خلال فترة الشح. واختصر هتر المشهد بالقول إن «سودان الحرب كل الأمور بالمقلوب».

ويعني ارتفاع أسعار الفول، إلى جانب الخبز والدقيق، أن خيارات الأسر محدودة الدخل تتقلص بصورة متزايدة، خصوصاً أن هذه السلع تشكل جزءاً رئيسياً من غذاء قطاعات واسعة من السكان.

مليون فدان للقمح.. هل تكفي لمواجهة الأزمة؟

في مواجهة تحديات الاستيراد وتراجع القدرة على توفير النقد الأجنبي، تتجه الأنظار إلى الموسم الزراعي الشتوي باعتباره أحد المسارات الممكنة لتخفيف الضغط على إمدادات الغذاء.

وقالت مدير عام الإنتاج الزراعي بوزارة الزراعة، فاطمة يوسف الأمين، في إفادة لـ«صوت الأمة»، إن اللجنة المعنية بالموسم الشتوي عقدت اجتماعها الأول، واتفقت على مساحات تأشيرية لزراعة القمح تقارب مليون فدان.

وأضافت أن التقاوي متوافرة، وأن التمويل سيُقدم عبر البنك الزراعي، فيما التزمت وزارة المالية بتوفير ميزانية الري ووقود الآليات اللازمة لصيانة قنوات الري وتطهيرها.

وبحسب فاطمة يوسف الأمين، يبلغ استهلاك السودان من القمح نحو 2.5 مليون طن سنوياً، ويمكن أن تسهم زراعة المساحات المستهدفة كاملة في تحقيق الاكتفاء الذاتي.

لكن تحقيق هذا الهدف يظل مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على توفير التمويل ومدخلات الإنتاج وضمان استقرار عمليات الري، في وقت تواجه فيه البلاد تداعيات الحرب وأزمة اقتصادية تضغط على مختلف حلقات الإنتاج الزراعي.

غول السوق يلتهم الرواتب والمدخرات

في الأسواق، تبدو الأرقام أكثر قسوة حين توضع في مواجهة دخول المواطنين. وقال المواطن مهند السر لـ«صوت الأمة» إن «غول الأسواق يلتهم كل أجور ومدخرات المواطن»، مشيراً إلى أن سعر قطعتَي الخبز بلغ ألف جنيه، بينما لا تكفي الأجور لتغطية الاحتياجات الأساسية.

ورصدت «صوت الأمة» قائمة لأسعار عدد من السلع الغذائية، تعكس حجم الضغوط التي تواجه الأسر:

ربع دقيق القمح: 40 ألف جنيه.

كيلوغرام لحم الضأن: 75 ألف جنيه.

كيلوغرام اللحم البقري: 60 ألف جنيه.

كيلوغرام الدجاج: 36 ألف جنيه.

طبق البيض: 36 ألف جنيه.

كيلوغرام البطاطس: 10 آلاف جنيه.

كيلوغرام الباذنجان والخيار: 8 آلاف جنيه.

رطل اللبن: 3,500 جنيه.

رطل الزبادي: 4,000 جنيه.

وتكشف مقارنة هذه الأسعار بالأجور حجم الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. فالمواطن الذي يتقاضى 150 ألف جنيه شهرياً، إذا اشترى جوال دقيق بسعر 116 ألف جنيه، فلن يتبقى له سوى 34 ألفاً لتغطية بقية احتياجاته. أما شراء جوال فول بسعر مليون و400 ألف جنيه، فيتطلب ما يعادل أكثر من تسعة أشهر من راتبه، حتى لو افترضنا تخصيص الراتب كاملاً لهذا الغرض.

ولا تتعلق الأزمة، وفق السر، بارتفاع أسعار سلعتين أساسيتين فحسب، بل بمنظومة اقتصادية تتشابك فيها تداعيات الحرب مع تراجع قيمة العملة، وتعطل مصفاة الجيلي، وتراجع الصادرات، وتهريب الذهب، فضلاً عن التحديات التي تواجه الموسم الشتوي وغياب مخزون استراتيجي قادر على حماية المستهلكين من تقلبات السوق.

وبينما تتزايد تكاليف الغذاء وتتراجع القدرة الشرائية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً لدى الأسر السودانية أبسط من كل الأرقام والتفسيرات الاقتصادية: هل سيظل الخبز متوافراً غداً، وهل ستملك هذه الأسر ما يكفي لشرائه؟

في بلد أنهكت الحرب اقتصاده وأضعفت موارده، لم يعد تأمين وجبة يومية شأناً معيشياً عابراً، بل اختباراً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الجوع، في وقت لا يملك فيه كثيرون، في مواجهة السوق، سوى الصبر والتوكل على الله وترديد: «الله كريم».

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...