ضبابية الموقف في أجزاء من ولايات دارفور وكردفان وشمال الجزيرة المطرية وشمال القضارف
خبير اقتصادي: السودان لا يعاني من نقص في الغذاء، لكنه سيعاني من ارتفاع أسعار الغذاء
خبير استراتيجي يقترح إنشاء "المجلس القومي للأمن الغذائي والسيادة الغذائية"
تقرير: ناهد محمد
وسط تحذيرات أممية متزايدة من فجوة غذائية وشيكة في السودان، وتراجع حاد في تمويل عمليات الإغاثة، وفي ظل تمدد آثار الحرب وتداعياتها السالبة على القطاع الزراعي، وتصاعد أسعار مدخلات الإنتاج والتكاليف العالية للعمليات الزراعية، يبرز سؤال استراتيجي ملح: كيف يواجه السودان شبح الجوع في ظل منظومة مساعدات دولية تعاني هي نفسها من أزمة تمويل؟
وتشير البيانات إلى تراجع التمويل المتاح لعمليات برنامج الأغذية العالمي في السودان بصورة حادة، الأمر الذي يجعل استمرار الاعتماد على المساعدات الخارجية وحدها استراتيجية غير آمنة، ويحول الخطر من مجرد نقص مساعدات إلى قضية تمس الأمن الغذائي والسيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.
ويرى خبراء أن المرحلة الحالية تتطلب انتقالاً جذرياً من مفهوم "إدارة المجاعة" إلى "بناء استراتيجية وطنية للأمن الغذائي والسيادة الغذائية"،
بينما يرى مختصون في الشأن الزراعي أن الموقف مطمئن، خاصة وأن الموسم الزراعي مبشر بإنتاج وفير.
ضعف معدلات الأمطار:
الأمين العام لتنظيم القلعة النوعي للإنتاج الزراعي والحيواني بإقليم النيل الأزرق، عبد الحميد آدم مختار، أكد أن الموقف الزراعي للموسم الحالي لا يزال قيد التقييم، مشيراً إلى تباين واضح في موقف تأسيس المحصول ومعدلات هطول الأمطار بين مختلف مناطق السودان.
وقال الأمين العام في تصريح خاص لـ"صوت الأمة"، إن هناك مناطق تشهد موقفاً ممتازاً من حيث تأسيس المحصول وكميات الأمطار، واصفاً الوضع فيها بـ"جيد جداً جداً"، وتشمل هذه المناطق إقليم النيل الأزرق وجنوب القضارف وسنار.
في المقابل، أوضح أن هناك مناطق أخرى لا يزال الموقف فيها غير جيد، مثل أجزاء من ولايات دارفور وكردفان وشمال الجزيرة المطرية وشمال القضارف.
وشدد على أن الحكم على نجاح أو فشل الموسم الزراعي لا يزال مبكراً في الوقت الراهن.
وأضاف أن التقييم النهائي للموسم يتم بعد نهاية شهر أكتوبر، عبر فريق مسح مشترك يضم وزارة الزراعة والري ومنظمة الأغذية والزراعة العالمية (FAO).
ونبه إلى ملاحظة مهمة تتمثل في وجود جيوب متفرقة في دارفور وكردفان تشهد ضعفاً شديداً في معدلات هطول الأمطار.
ارتفاع أسعار الغذاء:
الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أكد أن السودان لا يعاني من فجوة غذائية أو نقص في الغذاء رغم التحديات الكبيرة التي تواجه القطاع الزراعي، مشيراً إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في ارتفاع أسعار الغذاء وعدم قدرة الشرائح الفقيرة على الحصول عليه.
وقال الناير في إفادته لـ"صوت الأمة" إن الموسم الزراعي الحالي واجه تحديات كبيرة، أبرزها عدم هطول الأمطار بالمعدلات الكافية، وارتفاع تكاليف التحضيرات الزراعية وتكاليف الإنتاج، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الجازولين، وهي عوامل عقدت المشهد الزراعي.
وأضاف: "عموماً، السودان لا يعاني من نقص في الغذاء، لكنه سيعاني من ارتفاع أسعار الغذاء، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه البلاد في المرحلة القادمة، خاصة بالنسبة للشرائح الفقيرة والضعيفة".
الضغط على المواطن:
وأرجع الناير هذا الارتفاع إلى التدهور المستمر في قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع أسعار السلع، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً والزيادات المستمرة التي تفرضها الدولة، سواء في الدولار الجمركي أو غيره.
وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى زيادة الضغط على المواطن بشكل كبير خلال المرحلة القادمة.
وانتقد الناير التقارير الأممية التي تتحدث عن معاناة السودان من فجوة غذائية أو جوع، وقال: "نستطيع أن نؤكد عكس ما تروجه التقارير الأممية. السودان لا يعاني من جوع، وإنما يعاني من عدم قدرة شرائح واسعة من المجتمع على الشراء والحصول على الغذاء".
وشدد على أن معالجة هذه القضية هي من واجب الدولة بالتعاون مع المنظمات الوطنية والدولية خلال المرحلة القادمة، مؤكداً أن الإنتاج الزراعي في السودان لا يزال مستمراً رغم التحديات، إلا أنه قد لا يكون كافياً أو بالمستوى الذي كان عليه في السابق.
تراجع التمويل:
الخبير الاستراتيجي د. نادر آدم قرشي حذر من أن خطر الأمن الغذائي في السودان تجاوز مرحلة نقص المساعدات ليصبح قضية سيادة وطنية واستقرار اجتماعي، في ظل تراجع التمويل الدولي واعتماد البلاد على منظومة إغاثية دولية تواجه أزمة تمويل حادة.
وأكد قرشي في إفادته لـ"صوت الأمة" أن الأمن الغذائي لا يمكن أن يبقى مسؤولية وزارة الزراعة وحدها، لأنه يرتبط بصورة مباشرة بالحرب والزراعة والمياه والطاقة والنقد الأجنبي والنقل والتجارة والصحة والتغذية والأمن والبيئة.
واقترح إنشاء "المجلس القومي للأمن الغذائي والسيادة الغذائية" يرتبط بأعلى مستوى في الدولة، وتكون مهمته التخطيط والتنسيق والإنذار المبكر ومتابعة التنفيذ.
وأوضح أن المجلس سيعمل وفق مؤشرات إنذار مبكر تشمل: انخفاض المخزون الاستراتيجي إلى مستوى حرج، ارتفاع أسعار الحبوب بنسبة محددة، انخفاض المساحات المزروعة، ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال، تعطل طرق الإمداد، وانخفاض قدرة الأسواق المحلية على توفير السلع.
إدارة المجاعة:
وقال إن الهدف هو انتقال السودان من إدارة المجاعة بعد وقوعها إلى إدارة مخاطر المجاعة قبل وقوعها، وهو جوهر التخطيط الاستراتيجي.
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن التمويل الدولي مهم في المرحلة الراهنة، لكن الخطأ الاستراتيجي هو بناء الخطة الوطنية على افتراض استمراره بنفس المستويات.
ودعا إلى بناء مزيج تمويلي يضم الدولة والقطاع الخاص السوداني والسودانيين بالخارج والصناديق العربية والإسلامية والمؤسسات الدولية والمستثمرين الزراعيين.
وأكد على ضرورة تحول جزء مهم من التمويل من تمويل الاستهلاك فقط إلى تمويل الأصول الإنتاجية مثل التقاوي والري والمخازن والصوامع والطرق الزراعية والمطاحن ومصانع الزيوت، لأنها تخلق قدرة تستمر بعد انتهاء التمويل.
منظومة أمن غذائي:
وأشار قرشي إلى مفارقة استراتيجية خطيرة، وهي أن السودان يمتلك مقومات زراعية هائلة، ومع ذلك أصبح مهدداً بالجوع. فالأرض موجودة، والمياه موجودة، والتنوع المناخي والثروة الحيوانية والخبرات والأسواق الإقليمية موجودة.
وقال: "المشكلة ليست أن السودان لا ينتج ما يكفي من الغذاء، بل إنه فقد القدرة على تحويل موارده إلى منظومة أمن غذائي مستدامة. المشكلة في تكامل المنظومة وليس في المورد وحده".
واقترح قرشي أن تتحرك الدولة وفق ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: منع المجاعة (0 - 6 أشهر)، وتشمل توفير الغذاء والتغذية العلاجية وفتح ممرات الإمداد والمخزون الاستراتيجي ودعم المنتجين.
أما المرحلة الثانية فتشمل استعادة الإنتاج (6 - 24 شهراً)، تركيزاً على الزراعة والري والتقاوي والأسمدة والوقود والتمويل والطرق والتخزين.
فيما تمثل المرحلة الثالثة بناء السيادة الغذائية (2 - 5 سنوات)، وتشمل التصنيع الزراعي والصوامع والبحث الزراعي وإنتاج التقاوي الوطنية والصناعات الغذائية والتصدير والاحتياطي الاستراتيجي.
سيادة غذائية:
وأكد أن السيادة الغذائية لا تعني أن ينتج السودان كل شيء بنفسه، وإنما أن يمتلك القدرة الاستراتيجية على تأمين غذائه الأساسي وعدم ارتهان بقائه لتقلبات الخارج.
وجدد د. نادر التأكيد على أن السودان لا يستطيع أن يهزم شبح الجوع بالإغاثة وحدها، فالإغاثة تنقذ الإنسان من الجوع اليوم، ولكن الإنتاج يحميه من الجوع غداً.
وقال: "ينبغي أن ينتقل التفكير الوطني من سؤال (كيف نطعم السودانيين؟) إلى السؤال الأعمق (كيف نمكّن السودان من إطعام السودانيين؟). فالهدف ليس بناء شعب يعيش على المساعدات، وإنما بناء دولة تمتلك القدرة الإنتاجية والمؤسسية والتمويلية التي تجعل الغذاء جزءاً من أمنها القومي".
واعتبر أن ما طرحه يمكن أن يكون نواة لـ"المبادرة القومية للأمن الغذائي والسيادة الغذائية في السودان" كمشروع تخطيط استراتيجي قومي يستهدف حماية الإنسان في الحاضر، واستعادة قدرته الإنتاجية في المدى المتوسط، وبناء استقلاله الغذائي في المدى البعيد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...