صوت الأمة: تقرير

قبل أن يشتد تأثير ظاهرة "النينيو" على السودان، تبدو الزراعة في البلاد وكأنها دخلت بالفعل موسم إنذار مبكر. أمطار أقل من المعتاد، ومساحات عطشى، ومشروعات مروية تعاني نقص المياه، ومدخلات إنتاج تتضاعف تكلفتها، بينما تواصل الحرب تقليص قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم والأسواق.

الخطر هنا لا يتعلق بالمناخ وحده، فالسودان يستقبل هذه التحولات وهو يعاني أصلاً واحدة من أسوأ أزمات الغذاء في تاريخه الحديث. ومع وجود نحو 19.5 مليون شخص في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فإن أي تراجع جديد في إنتاج الحبوب قد لا يبقى مجرد خسارة لموسم زراعي، وإنما يتحول سريعاً إلى مزيد من الجوع وارتفاع الأسعار والنزوح.

وتزداد المخاوف مع توقعات بأن يشتد تأثير "النينيو" خلال الأشهر المقبلة وعام 2027، خصوصاً عبر ارتفاع درجات الحرارة وفقدان التربة لرطوبتها، في وقت يشكو فيه مزارعون من الجزيرة وكردفان والنيل الأبيض بالفعل من ضعف الأمطار وتعثر الري وارتفاع تكلفة الزراعة. وبين أزمة حاضرة ومخاطر مناخية قادمة، يطرح الموسم الحالي سؤالاً حاسماً: كم يستطيع السودان تحمل فشل زراعي جديد قبل أن تتسع فجوة الغذاء بصورة أكبر؟

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" إلى أن إنتاج الحبوب في السودان تراجع بنحو 22% خلال عام 2025، فيما يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي ما يعادل 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويواجه نحو خمسة ملايين شخص مستويات طارئة من الجوع، بينما يعيش أكثر من 135 ألف شخص ظروفاً غذائية كارثية، في وقت تواجه فيه 14 منطقة في دارفور وكردفان خطر المجاعة.

موسم متعثر

على الأرض، تتوزع مؤشرات الأزمة بين الزراعة المطرية والمروية، لكن النتيجة تبدو واحدة: موسم يزداد صعوبة في بلد يعتمد ملايين سكانه على نجاح الزراعة في تأمين الغذاء والدخل.

وفي مشروع الجزيرة، أحد أهم مناطق الإنتاج الزراعي في السودان، يقول المزارع محمد آدم عبد السلام لـ(صوت الأمة) إن الموسم الزراعي الحالي يواجه ظروفاً بالغة الصعوبة، في ظل تأخر بداية الزراعة بسبب تأخر هطول الأمطار.

ويوضح أن الأمطار التي هطلت لم تكن بالكميات التي تساعد على نجاح المحصول، بينما أصبحت أزمة المياه أكثر تعقيداً، إذ إن المياه الموجودة في الترع الرئيسية، والتي تأتي من النيل الأزرق، لا تصل إلى جميع الحواشات، ما يترك مساحات زراعية دون إمداد كافٍ بالمياه ويؤثر على نمو المحاصيل.

ولا تتوقف المشكلة عند المياه، إذ يقول عبد السلام إن تكلفة مدخلات الإنتاج ارتفعت بصورة كبيرة، فأسعار التقاوي أصبحت أكثر من ضعف ما كانت عليه سابقاً، فيما قفز سعر بعض أدوات الزراعة، ومن بينها "الترتر"، من نحو 70 ألف جنيه في الموسم السابق إلى نحو 300 ألف جنيه حالياً.

ويحذر من أن اجتماع تأخر الأمطار وضعف معدلات هطولها، وعدم وصول مياه الري إلى جميع الحواشات، والارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج، ينذر بتراجع إنتاج الحبوب واتساع فجوة الغذاء.

وفي غرب كردفان، تتخذ الأزمة شكلاً أكثر مباشرة. ويقول المزارع محمد موسى من منطقة أبو زيد لـ(صوت الأمة) إن موسم الأمطار هذا العام جاء ضعيفاً للغاية، موضحاً أنهم بادروا بزراعة الكركدي والفول السوداني والسمسم عقب هطول الأمطار في بداية الموسم، قبل أن يتوقف المطر بصورة مفاجئة منذ مطلع أغسطس.

ويضيف أن استمرار انقطاع الأمطار وضع المحاصيل أمام خطر التلف، مشيراً إلى أن أجزاء منها بدأت بالفعل "تحترق" بسبب العطش، بما يهدد بضياع ما بذله المزارعون من جهد وتكاليف طوال الموسم.

لكن موسى يقول إن أزمة الزراعة في المنطقة لا تقف عند شح الأمطار، إذ أصبحت الأوضاع الأمنية هاجساً يومياً، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع حدت، بحسب إفادته، من قدرة السكان على الحركة والتنقل بين القرى والفرقان والأسواق، إلى جانب تزايد نشاط قطاع الطرق ووقوع حوادث قتل واعتداءات في مناطق تقع تحت سيطرة الدعم السريع.

ويصف موسى الوضع بأنه "حصاران" يواجههما السكان في الوقت نفسه: حصار أمني يقيد الحركة، وحصار اقتصادي يصعّب الوصول إلى الأسواق وتأمين الاحتياجات الأساسية.

ويقول: "نحن الآن محاصرون ومحتارون في أمرنا، وكل الأبواب أمامنا مغلقة"، مؤكداً أن ضعف الموسم الزراعي، إلى جانب القيود الأمنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية، جعل السكان أمام مستقبل مجهول، خصوصاً إذا استمر انقطاع الأمطار وتواصلت القيود على الحركة والوصول إلى الأسواق.

وفي ولاية النيل الأبيض، لا يبدو القطاع المروي بمنأى عن الأزمة. ويقول العمدة عادل إبراهيم، وهو مزارع بالولاية، لـ(صوت الأمة) إن الموسم الزراعي الحالي مني بالفشل في القطاعين المطري والمروي، محملاً ذلك جملة من العوامل التي أثرت بصورة مباشرة على الإنتاج.

وأوضح إبراهيم أن قلة الأمطار كانت أحد أبرز أسباب فشل الزراعة المطرية، إلى جانب القطع الجائر للأشجار، الذي أسهم، بحسب إفادته، في تمدد الزحف الصحراوي وزيادة حركة الأتربة، ما أدى إلى تضرر النباتات في مراحلها الأولى وإضعاف قدرتها على الاستمرار.

مجموعة من الأشخاص، بينهم امرأة وطفل، يشكلون سلسلة بشرية لعبور مياه الفيضانات العكرة والخطيرة. يعبر المشهد عن التعاون من أجل البقاء في مواجهة كارثة طبيعية في منطقة ريفية.

أما الزراعة المروية، فيقول إبراهيم إن المزارعين يواجهون نقصاً حاداً في الإمكانيات وغياب الدعم، مشيراً إلى عدم وجود تجهيزات كافية للموسم، على خلاف ما كان يحدث في المواسم السابقة.

ويختصر إبراهيم حصيلة موسمين زراعيين بالقول: "الموسم الحالي والذي سبقه، كان الفشل فيهما حليف المزارع"، محذراً من أن استمرار تراجع الإنتاج الزراعي يضع المزارعين والمستهلكين أمام تداعيات معيشية وغذائية أكثر صعوبة.

اتساع الجوع

ولا تبقى آثار ضعف الموسم داخل الحقول، إذ تنتقل سريعاً إلى الأسواق وموائد الأسر، وهو ما يظهر بصورة أكثر قسوة في كردفان.

ويقول المتحدث الرسمي باسم مرصد كردفان، مرتضى أحمد، في مقابلة مع (صوت الأمة)، إن الإقليم يقف أمام وضع ينذر بكارثة حقيقية في الأمن الغذائي، بعد فشل الموسم الزراعي السابق، رغم نجاح الخريف، بسبب الأوضاع الأمنية التي حالت دون تمكن المواطنين من زراعة مساحات واسعة أو الوصول إلى أراضيهم خلال مرحلتي الزراعة والحصاد.

ويضيف أن الموسم الحالي يحمل مؤشرات أكثر خطورة، في ظل الانخفاض الكبير في معدلات الأمطار، مشيراً إلى أن بعض المساحات التي تمت زراعتها بدأت تتعرض للعطش، بما يرجح فشل الموسم الحالي أيضاً ويفاقم فجوة الغذاء في المنطقة.

وتظهر آثار الأزمة بصورة مباشرة في أسعار الغذاء. ويقول مرتضى إن "ملوة" الدخن وصلت إلى نحو 35 ألف جنيه، بينما تحتاج الأسرة المكونة من خمسة أشخاص إلى ملوة يومياً، فضلاً عن تكلفة الطحن والملح، لتتجاوز كلفة الغذاء اليومي 45 ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة أسر كثيرة لا تملك مصدراً آخر للدخل.

والأكثر قسوة، بحسب إفادته، أن بعض سكان مناطق في كردفان اتجهوا إلى تناول "الأمباز"، وهو مخلف يستخدم عادة علفاً للحيوانات، نتيجة انعدام الغذاء.

ويحذر أحمد من أن فشل موسمين زراعيين متتاليين قد يقود إلى وضع كارثي، قائلاً إن "المجاعة الحقيقية باتت قاب قوسين أو أدنى"، وداعياً المنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل وفتح المسارات الإنسانية، في ظل القيود المفروضة على حركة المواطنين والمواد الغذائية.

ويشدد على ضرورة عدم استخدام الغذاء أداة للحرب، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى موت الآلاف جوعاً أو يدفع السكان إلى النزوح الجماعي هرباً من الجوع.

"النينيو ليست العامل الوحيد"

لكن المشهد الزراعي السوداني لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بحسب ساري نقد، الباحث والخبير البيئي المقيم في ألمانيا، الذي يرى أن انخفاض الأمطار خلال الموسم الحالي لا يرتبط مباشرة بظاهرة "النينيو"، لأن الظاهرة ما تزال في بداياتها، بينما يتوقع أن يشتد تأثيرها خلال الأشهر المقبلة.

ويقول نقد في حديثه لـ(صوت الأمة) إن التراجع الحالي في معدلات الأمطار يدخل في إطار التذبذب الطبيعي للمواسم المطرية، التي تختلف من عام إلى آخر، مشيراً إلى أن منظمة (الإيقاد)، عبر مركز (إيكيباك) المسؤول عن التنبؤات المناخية، أصدرت في مايو الماضي توقعات تشير إلى أن خريف هذا العام سيكون دون المتوسط من حيث معدلات هطول الأمطار.

ويحذر من أن انخفاض الأمطار لا يضرب الزراعة المطرية وحدها، بل يمكن أن ينعكس أيضاً على الزراعة المروية، باعتبار أن تراجع الهطول يؤدي إلى انخفاض إيرادات المياه، وهو ما يعني أن القطاع الزراعي قد يواجه ضغوطاً على جبهتين في الوقت نفسه: زراعة مطرية تعاني شح المياه، وزراعة مروية تواجه ضغوطاً على مصادر الري.

ويقول نقد إن الخطر الأكبر قد يظهر مع اشتداد تأثير "النينيو" خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في ارتفاع درجات الحرارة، وما يترتب على ذلك من إجهاد حراري للنباتات وفقدان التربة لرطوبتها، بما يضع المحاصيل تحت ضغط إضافي حتى في المناطق التي تتوافر فيها المياه.

ويحذر من أن السودان لا يواجه أزمة مناخية منفردة، وإنما مشكلة مركبة تتداخل فيها عدة عوامل في وقت واحد: أمطار دون المتوسط، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع رطوبة التربة، وضغوط على المياه، وارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج، فضلاً عن تداعيات الحرب على قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وأسواقهم.

ولا يرى نقد أن تداعيات الأزمة ستبقى داخل الحدود السودانية، إذ إن ارتفاع درجات الحرارة عالمياً يمكن أن يضغط على إنتاج الغذاء في مناطق رئيسية من العالم.

ويشير إلى أن ارتفاع الحرارة في أوروبا قد يؤدي إلى تراجع إنتاج بعض المحاصيل، ما قد يدفع الدول المتضررة إلى زيادة وارداتها من الأسواق العالمية، وبالتالي زيادة الطلب وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً.

ويقول إن السودان، في ظل هشاشة اقتصاده وتراجع قدرته الإنتاجية بسبب الحرب، سيكون من أكثر الدول تأثراً بأي ارتفاع عالمي في أسعار الغذاء، لأن ارتفاع أسعار الحبوب في الأسواق العالمية سينتقل في النهاية إلى الداخل، ليزيد تكلفة الغذاء ويضعف قدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها الأساسية.

ويضيف نقد أن الأسمدة تمثل حلقة أخرى شديدة الحساسية في هذه المعادلة، مشيراً إلى أن نحو 54% من الأسمدة الزراعية التي تدخل إلى السودان تأتي عبر الخليج، الذي يمثل أحد مراكز إنتاج وتصنيع الأسمدة عالمياً، وبالتالي فإن أي اضطراب في حركة التجارة بمنطقة الخليج ومضيق هرمز يمكن أن ينعكس على تكلفة الأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي في السودان.

ويختصر نقد المشهد في مجموعة من العوامل التي تعمل في الاتجاه نفسه: أمطار أقل، وحرارة أعلى، وتراجع في رطوبة التربة، وضغوط على المياه، وارتفاع في تكلفة الأسمدة، واضطراب محتمل في أسواق الغذاء العالمية.

"بين الجفاف والفيضانات"

ويحذر الخبير البيئي من أن اجتماع هذه العوامل قد يقود السودان إلى وضع بالغ الخطورة، مؤكداً أن القضية في نهايتها ليست قضية زراعة فقط، وإنما قضية أمن غذائي. فإذا تراجع إنتاج الحبوب في ظل استمرار الحرب وضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، فإن ذلك يعني اتساع دائرة الجوع، وقد يتحول الغذاء نفسه إلى أحد أكبر مصادر الخطر على الاستقرار الاجتماعي.

ويرى نقد أن التأثير الأكبر لظاهرة "النينيو" على السودان قد يظهر خلال عام 2027، بينما تشير التوقعات إلى احتمال أن يكون الموسم المقبل أكثر مطراً، وهو ما قد يرفع في المقابل مخاطر الفيضانات، ليجد السودان نفسه أمام مفارقة مناخية قاسية: الجفاف يهدد المحاصيل، والفيضانات قد تدمرها.

وبين هذين الاحتمالين، تظل الحرب العامل الذي يضاعف أثر الأزمة. فالمزارع الذي يعاني نقص المياه قد لا يستطيع الوصول إلى أرضه أصلاً، ومن ينجح في الإنتاج قد يواجه صعوبة في نقل محصوله إلى الأسواق، فيما يجد المستهلك نفسه أمام أسعار ترتفع مع تراجع المعروض وزيادة تكلفة النقل والإنتاج.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...