صوت الأمة ــ سارة عطية

حذّر القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، من أن السودان لا يزال يواجه «أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم»، في ظل معاناة نحو 20 مليون شخص من الجوع الحاد، ونزوح 14 مليوناً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وقال سكاو، في ختام زيارة استمرت ثمانية أيام وشملت الخرطوم ودارفور وكردفان، إن تداعيات الحرب تتقاطع مع الجوع والنزوح والجفاف ونقص التمويل، محذراً من أن شح الموارد قد يدفع البرنامج إلى تقليص عملياته بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة.

وفي حديث إلى صحفيين في نيويورك من مسقط، وصف المسؤول الأممي مشاهد عايشها خلال جولته، شملت أشخاصاً نزحوا منذ بداية الحرب وآخرين فروا حديثاً، بعضهم أمضى أربعة أو خمسة أيام في الطريق للوصول إلى مخيمات النازحين.

والتقى سكاو نساء يحاولن إعادة بناء حياتهن في ظروف قاسية، من بينهن طالبة جامعية سابقة تعيش في كوخ من دون فرصة للعمل بعد أن فقدت أفراداً من أسرتها، فيما تواجه نساء أخريات معاناة يومية للحصول على المياه، إذ اضطر بعضهن إلى العودة إلى منازلهن بعبوات فارغة بعدما نفد الماء من الخزانات.

خطر المجاعة

وقال سكاو إن هذه المشاهد تعكس الواقع الإنساني وراء الأرقام، مشيراً إلى أن نحو خمسة ملايين شخص يواجهون مستويات من الجوع الطارئ المصنفة في المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، بينما يواجه نحو 200 ألف شخص مستويات المرحلة الخامسة، أي المجاعة.

وتزداد صعوبة الوصول إلى المحتاجين بسبب اتساع رقعة القتال. واستغرقت الرحلة بين الأبيض والفاشر، التي كانت لا تتجاوز ست ساعات بالسيارة قبل الحرب، ثلاثة أيام بالنسبة إلى سكاو ووفده، بعدما اضطروا إلى السفر جواً وبراً عبر تشاد والمناطق الجبلية.

وقال إن العاملين في المجال الإنساني يواجهون صعوبة في عبور خطوط القتال والوصول إلى المجتمعات المحاصرة في مناطق النزاع.

الفاشر مدينة مدمرة

وفي الفاشر، وصف سكاو الوضع بأنه شديد القسوة، مشيراً إلى أن المدينة التي كانت تضم نحو مليون نسمة وعاصمة إقليمية رئيسة عانت 18 شهراً من الحصار، تخللها الجوع و"فظائع لا يمكن وصفها".

وقال إن عشرات الآلاف فقط ما زالوا في المدينة، بينما تنتشر آثار الدمار في الشوارع، من منازل مثقوبة بالرصاص وسيارات محترقة، في وقت اختفى فيه النشاط الاقتصادي تقريباً، ولم تعد الأسواق تعمل إلا بصورة محدودة.

وعادت بعض الأسر إلى الفاشر بعدما لم تجد في مناطق النزوح ما يكفي للعيش، لكنها وجدت منازلها مدمرة واضطرت إلى الاحتماء بمبانٍ مهجورة أو التجمع في أماكن ضيقة.

ويقدم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية لنحو 20 ألف شخص في الفاشر، وهي، وفق سكاو، تكاد تكون المساعدة الوحيدة التي تصل إلى من تبقى داخل المدينة.

أما مخيم زمزم القريب من الفاشر، فقال سكاو إنه أصبح «مدينة أشباح كاملة» بعدما دمرت الأكواخ والمساكن ولم يعد فيه سكان.

طويلة تستقبل موجات جديدة من النازحين

وانتقل سكاو إلى طويلة، التي فر إليها آلاف الأشخاص من الفاشر بحثاً عن الأمان. وقال إن المنطقة تحولت إلى تجمع ضخم للنازحين، إذ ارتفع عدد سكانها من نحو 700 ألف شخص عندما زارها في أبريل إلى ما يقارب مليون نسمة حالياً، بعد وصول نحو 250 ألف نازح جديد.

وأشار إلى تحسن بعض الظروف، خصوصاً في مجال المأوى، مع توفير الأغطية البلاستيكية والمشمعات، فيما وسع برنامج الأغذية العالمي عملياته ليصل إلى نحو 950 ألف شخص شهرياً.

لكن المساعدات لا تزال دون الاحتياجات، إذ تحصل الأسر على نصف الحصة الغذائية، بما يكفي لنحو أسبوعين فقط. كما تعاني المنطقة نقصاً في التعليم والرعاية الصحية والمأوى والمساحات المخصصة للأطفال، فيما تعيل كثيراً من الأسر نساء فقدن أزواجهن أو أبناءهن.

جفاف يهدد الزراعة والثروة الحيوانية

ويزيد الجفاف من حدة الأزمة، إذ قال سكاو إن دارفور لم تشهد جفافاً مماثلاً منذ عام 1984، رغم أن الموسم الحالي هو موسم الأمطار.

وتخشى المجتمعات المحلية من انعكاسات ذلك على الزراعة والثروة الحيوانية، خصوصاً مع اعتماد كثير من الأسر على الزراعة والمساعدات الغذائية.

وقال أحد الأشخاص الذين التقاهم سكاو: "إذا تأثرت الزراعة الآن بالجفاف، وتأثر غذاء برنامج الأغذية العالمي بخفض التمويل، فكيف سنبقى على قيد الحياة؟".

الأبيض تحت ضغط النزوح

وفي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، قال سكاو إن عدد السكان تضاعف تقريباً منذ اندلاع الحرب، بعدما تحولت المدينة إلى ملاذ للنازحين القادمين من مناطق مختلفة.

ويعيش النازحون في ثمانية مخيمات إلى جانب المجتمعات المضيفة، لكن هذه المخيمات تجاوزت قدرتها الاستيعابية، فيما اضطرت نساء وصلن حديثاً إلى السير أربعة أو خمسة أيام بعد تدمير قراهن.

وقال سكاو إن نقص التمويل يفرض على برنامج الأغذية العالمي خيارات "مؤلمة" بصورة متزايدة، بينها خفض المساعدات المقدمة إلى أشخاص نزحوا منذ سنوات لإعطاء الأولوية للواصلين الجدد.

التمويل يهدد استمرار العمليات

ورغم صعوبة الوصول، قال سكاو إن برنامج الأغذية العالمي لا يزال يقدم المساعدة إلى ما بين أربعة وخمسة ملايين شخص شهرياً، بينهم نحو مليوني شخص إلى 2.5 مليون في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

لكن المسؤول الأممي حذر من أن نقص التمويل أصبح العقبة الأكبر أمام استمرار العمليات، مؤكداً أن البرنامج يعاني عجزاً حاداً في التمويل، وقد يضطر إلى تقليص نشاطه بصورة كبيرة خلال الأسابيع المقبلة ما لم تتوافر موارد إضافية.

وفي ظل اقتراب الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد سكاو على أن الحل الأساسي للأزمة يظل سياسياً، داعياً إلى استثمار سياسي جاد لإنهاء الحرب.

كما حث المانحين على توفير الموارد اللازمة للاستجابة الإنسانية، قائلاً: "لا يمكننا الاستمرار في خذلان هؤلاء الناس. علينا أن نوفر لهم الأساسيات".

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...