خبير شؤون المستهلك: الصادرات التي تجوب العالم ملتزمة بالنظام المتري، ووجب على السودان الالتزام بذلك
مدير قسم القياس بالمواصفات: الغاية من التحول للنظام المتري العشري الدولي هي سهولة الحساب والتحويل
تقرير: ناهد محمد
يظل العالم في تطور دائم لمتطلبات الجودة والسلامة، ومواكبًا لتطور التجارة العالمية ومتطلبات الأسواق الخارجية، وتبسيط الموازين القياسية للسلع والخدمات.
كما تعتمد التجارة الدولية على نظم التوحيد القياسي في التبادل التجاري (النظام المتري العشري، والذي تطور هو نفسه حاليًا ليصبح النظام الدولي للوحدات SI) International System of Units.
والسودان ليس بعيدًا عن التطور العالمي وعن التبادلات التجارية، لذا كان قرار إصدار أول قانون للموازين والمقاييس بالسودان في العام 1955، في المادة الخامسة منه (نظام السودان الخاص بالموازين والمكاييل والمقاييس). وبحسب مدير قسم القياس والمختص في مجال القياس والمعايرة بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، النور السيد آدم، فإنه ومنذ صدور أول قانون للموازين تقرر أن يكون للسودان في كل أنحائه نظام مقرر وموحد للموازين والمكاييل والمقاييس، مبنيًا على أساس النظام المتري.
وقال في حديثه لـ"صوت الأمة": "كما هو معلوم، إن النظام المتري نظام دولي عشري للموازين والمقاييس، وقد تم تبنيه في فرنسا في العام 1795، وحاليًا مطبق في معظم دول العالم".
إلغاء التعامل بالرطل
وأشار النور إلى أنه في السودان ظلت الجهود مضطردة منذ حوالي العام 2006 وما تلاها، موجهة نحو إلغاء التعامل بوحدة الرطل، وهو وحدة وزن غير مترية تعادل 449.28 جرام، واستبدالها بوحدة الكيلوغرام، وهي وحدة مترية عشرية تعادل (1000 جرام)، ومشتقاتها: 500 جرام (نصف كيلوغرام)، 250 جرام (ربع كيلوغرام)، 200 جرام، 100 جرام، 50 جرام، 20 جرام، 10 جرام، 5 جرام... إلخ، وفق التسلسل العشري.
التبادل التجاري
مبينًا أن الغاية من التحول للنظام المتري العشري الدولي هي سهولة الحساب والتحويل، ويخدم ذلك التجارة المحلية والتبادل التجاري في الصادرات والواردات.
ونوّه إلى أن استخدام الرطل كوحدة وزن في السودان لم يعد مبرئًا للذمة في البلاد، باعتباره وحدة قياس للكتلة غير مصرح باستخدامها، ولا تتم إجراءات مضاهاة لها من قبل أتيام القياس والمعايرة في الحملات، ويعتبر استخدامها في التجارة المحلية غير قانوني الآن. ومن ثم، ليس هناك مبرر موضوعي للإصرار والتمسك باستخدامها.
وأشار إلى أن الرطل ومشتقاته غير مصرح به للاستخدام في السودان الآن، ووحدة الوزن القانونية في البلاد هي الكيلوغرام ومشتقاته ومضاعفاته.
بحيث لا يمكنك أن تكون معزولًا عن العالم، فعلى سبيل المثال، كل الصادرات في التجارة تحسب بالطن، وهو من مضاعفات الكيلوغرام (واحد طن يساوي 1000 كيلوغرام)، ولا مكان لذكر الرطل مطلقًا في التجارة العالمية والتبادل التجاري.
ويلاحظ أن إنتاج مصانع السكر والدقيق بالبلاد كله يستخدم وحدات الكيلوغرام.
وعلى الرغم من إلغاء التعامل بالرطل واستخدام الكيلو كوحدة قياسية، فإن المستهلك السوداني ما زال مستمسكًا بالرطل و"الكوم" لفظيًا.
ويشير مدير قسم القياس والمختص في مجال القياس والمعايرة بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، النور السيد، إلى أن التعامل بوحدة الرطل لا يخدم أية غاية في التجارة في السودان حاليًا، وقال: "المطلوب التزام استخدام الكيلوغرام للوزن في جميع المعاملات التجارية، وهو سهل الاستخدام، سواء في مشتقاته الفرعية أو المضاعفات، حتى الكميات بالأطنان".
حماية المستهلك
خبير شؤون المستهلك د. هيثم حسن اعتبر أن إلغاء التعامل بالرطل والاعتماد على الكيلوغرام ومشتقاته إجراء حتمي لحماية المستهلك وضبط حركة السوق، وقال في إفادته لـ"صوت الأمة":
"إن الرطل ومشتقاته وحدة غير معيارية خاضعة للتفاوت والتقديرات الشخصية، مما يفتح باب التلاعب بالتسعير والوزن".
وأضاف في هذا السياق: "نحيي جهود الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، ممثل السودان في المنظمات الدولية المعنية بالتقييس، والتي أطلقت برنامج الإحلال والإبدال منذ العام 2010 لإلغاء الرطل ومشتقاته في التعاملات التجارية، تمشيًا مع التوجهات الدولية والتجارة العالمية، وإعلان الكيلوغرام ومضاعفاته معيارًا للوزن في السودان".
الغش الخفي
وأضاف: "يمثل هذا التحول ضمانة حقيقية تُنهي ظاهرة الغش الخفي، وتمنح المستهلك الشفافية التامة لمقارنة الأسعار ومعرفة القيمة الفعلية لمشترياته، فضلًا عن توحيد لغة القياس وحماية القوة الشرائية، بما يُعزز كفاءة الأجهزة الرقابية في حسم المخالفات".
بجانب ذلك، كل الصادرات التي تجوب العالم ملتزمة بالنظام المتري، ووجب على السودان الالتزام به.
مع العلم أن النظام الدولي للوحدات (المتري) يمثل أمانًا للمستهلك وحفظ حقوقه في التعاملات التجارية، وكذلك للتاجر نفسه.
وشدد هيثم على أن وحدة الكيلوغرام ومشتقاته للأوزان، واللتر في السوائل، والمتر للأطوال، تظل هي وحدات قياس توافق عليها العالم كله كوحدات معتمدة.
ووجه دعوة للمستهلكين والتجار بالالتزام بهذه الوحدات إبراءً للذمة، وحفظًا للحقوق، ومنعًا للتطفيف والغش.
///////////////////
خبير استراتيجي: قضايا البيئة من أخطر التحديات التي تهدد الأمن القومي للدول
صوت الأمة – ناهد
طالب الخبير الاستراتيجي د. نادر قرشي آدم بضرورة بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة الجفاف والأراضي والمياه.
وقال قرشي في حديثه لصوت الأمة إن الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي لم تعد مجرد قضايا بيئية يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلات موسمية أو مسؤولية وزارة بعينها؛ بل أصبحت من أخطر التحديات التي تهدد الأمن القومي للدول، لأنها تضرب في الوقت نفسه الغذاء والمياه والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والهجرة والأمن المجتمعي.
وأشار إلى خسائر السودان بسبب الجفاف والتصحر من حيث تراجع الإنتاج الزراعي، وقال إن الجفاف يؤدي إلى نقص المياه وتراجع خصوبة التربة وانخفاض الإنتاجية الزراعية.
فيما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن الزراعة هي القطاع الأكثر تعرضًا للجفاف، وأن الجفاف يمكن أن يخفض المحاصيل ويعطل سلاسل القيمة ويؤدي إلى خسائر اقتصادية وانعدام الأمن الغذائي.
وفي السودان، حيث يعتمد ملايين السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والرعي، نوّه قرشي إلى أن تراجع الإنتاج يعني بصورة مباشرة ارتفاع تكلفة الغذاء وتراجع دخول الأسر واتساع دائرة الفقر.
الجفاف والتصحر.. تهديد للأمن القومي:
وأشار إلى الخسارة الأخرى للسودان، فيما يلي تدهور المراعي والثروة الحيوانية، وقال إن التصحر لا يقتل المحاصيل وحدها، بل يقلل مساحة وجودة المراعي، ويزيد الضغط على مصادر المياه، ويدفع الرعاة إلى البحث عن مناطق جديدة، بما يؤدي إلى ندرة المرعى، وحركة الرعاة، والضغط على الموارد، والتنافس على المياه والأرض، والتوترات الاجتماعية، والنزوح.
ونوّه إلى أن البنك الدولي أشار إلى أن تغير المناخ يمكن أن يزيد التنافس على الأراضي الزراعية والمراعي والمياه والموارد الطبيعية في السودان، بما قد يسهم في النزوح والهجرة القسرية.
وأضاف: "كما تؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن تدهور الأراضي والجفاف يؤديان إلى ندرة المياه وفشل المحاصيل وزيادة العواصف الترابية، بما ينعكس على الصحة العامة".
الهجرة والنزوح.. الوجه الآخر للتصحر
واعتبر الخبير الاستراتيجي قرشي أن الهجرة والنزوح والصراعات على الموارد هي النقطة الأكثر أهمية من منظور التخطيط الاستراتيجي، وقال: "عندما يفقد الإنسان أرضه أو مصدر رزقه أو الماء والمرعى، فإنه يبحث عن بديل. وبالتالي فإن التصحر يمكن أن يتحول تدريجيًا من مشكلة بيئية إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية وأمنية".
وأضاف أن الحرب في السودان أدت إلى نزوح واسع وإضعاف مؤسسات الدولة والبنية التحتية، لذا فإن أي تدهور إضافي في الموارد الطبيعية يمكن أن يزيد هشاشة المجتمع.
الخطة الصينية–العربية.. فرصة للسودان:
وأشار قرشي إلى الأهمية الاستراتيجية للخطة (الصينية-العربية)، حيث أطلقت الصين والدول العربية في أغسطس 2026 خطة عمل (خماسية) لتعميق التعاون في استعادة الأراضي المتدهورة، ومراقبة العواصف الرملية والتنبؤ بها، وحماية المراعي، وصون التنوع الحيوي، وحماية الأراضي الرطبة واستعادتها، مع توسيع التعاون العلمي والتقني وبناء القدرات الجديدة لمكافحة الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي، وقال إنها ذات أهمية استراتيجية خاصة للدول العربية.
وشدد على أن السودان في مقدمة تلك الدول، حيث يمتلك مساحات زراعية ورعوية هائلة، ولكنه يواجه في الوقت ذاته ضغوطًا متزايدة من الجفاف وتدهور التربة وتذبذب الأمطار والتصحر.
ونوّه إلى أن السودان ليس دولة هامشية في معادلة الأمن الغذائي العربي؛ بل يمتلك إمكانات زراعية ورعوية ومائية تؤهله لأن يكون أحد أهم مراكز الإنتاج الغذائي في المنطقة. وأضاف بالقول: "لكن المفارقة أن هذه الإمكانات تتعرض للاستنزاف".
وأكد قرشي أن الخطة الجديدة تمثل انتقالًا من التعاون التقليدي في مكافحة التصحر إلى نموذج أكثر تقدمًا يقوم على العلم والبيانات والتكنولوجيا والشراكات متعددة الأطراف، من حيث استعادة الأراضي المتدهورة وإعادة تأهيل المناطق المتصحرة، مع الرصد الفضائي لتدهور الأراضي ومتابعة التغيرات البيئية، والإنذار المبكر بالعواصف الرملية وموجات الجفاف، بجانب حماية المراعي وإدارتها بصورة مستدامة، وحماية التنوع الحيوي والأراضي الرطبة.
وقال: "يجب على السودان تقديم حزمة مشاريع وطنية واضحة إلى الجانب الصيني والعربي، مثل مشروع وطني للرصد الفضائي للتصحر، مشروع استعادة الأراضي المتدهورة، مشروع الإدارة الذكية للمياه، مشروع تطوير المراعي، مشروع حصاد مياه الأمطار، مشروع الأحزمة الخضراء ومصدات الرياح، مشروع الزراعة المقاومة للجفاف".
بجانب إنشاء مركز سوداني–صيني للبحوث التطبيقية في المناطق الجافة.
مبينًا أنه يمكن أن تتحول الشراكة من مجرد مساعدة فنية إلى نقل معرفة وتكنولوجيا وبناء قدرات وطنية مستدامة.
من حماية البيئة إلى الأمن القومي:
وقال الخبير الاستراتيجي نادر قرشي إن المطلوب ليس مشروعًا بيئيًا، بل عقيدة جديدة للأمن القومي، حيث إنه من الخطأ النظر إلى الأمن القومي من زاوية عسكرية فقط. وقال إن الأمن القومي الحديث يقوم على منظومة متكاملة تشمل.:
(الأمن العسكري، الأمن الاقتصادي، الأمن الغذائي، الأمن المائي، الأمن البيئي، الأمن المجتمعي، الأمن الصحي).
وعندما تتدهور الأرض، ينخفض الإنتاج. وعندما ينخفض الإنتاج، ترتفع الأسعار. وعندما ترتفع الأسعار، تتسع دائرة الفقر. وعندما تتسع دائرة الفقر، تزداد الهجرة والتوترات الاجتماعية.
ويصبح التصحر عاملًا مضاعفًا للهشاشة الوطنية.
وأكد أن الخطة الصينية–العربية الجديدة تفتح نافذة استراتيجية مهمة للسودان، خاصة وأن الصين تمتلك خبرات واسعة في مكافحة التصحر واستعادة الأراضي الجافة، بينما يمتلك السودان مساحات واسعة وموارد طبيعية وإمكانات زراعية ورعوية ضخمة.
والتحدي الحقيقي ليس في نقص الإمكانات فقط؛ بل في غياب التخطيط المتكامل واستمرارية السياسات وضعف تحويل المعرفة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.



التعليقات (0)
جاري التحميل...