سارة عطية - صوت الأمة

لم يعد انخفاض منسوب النيل هذا العام مجرد مؤشر هيدرولوجي يرصده المختصون، بل أصبح أزمة يومية يعيشها المواطنون بعد أن انعكس مباشرة على إمدادات مياه الشرب في عدد من المناطق، وأخرج بعض المحطات عن الخدمة، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول تأثيرات سد النهضة، وقدرة البنية التحتية السودانية على التكيف مع المتغيرات الجديدة في سريان النهر. وبين معاناة السكان، وتطمينات الحكومة، والتفسيرات الفنية والقانونية، تتعدد القراءات لأسباب الظاهرة، بينما يظل تأمين مياه الشرب هو التحدي الأكثر إلحاحاً.

انخفاض المناسيب... وتعطل المحطات

اتسعت تداعيات انخفاض منسوب النيل خلال الأيام الماضية بعدما امتدت آثارها إلى أكثر من محطة رئيسية لمياه الشرب في ولاية الخرطوم. فبعد المعالجات التي نُفذت لإعادة تشغيل محطة مياه بحري شمال عقب ابتعاد المياه بسبب الإطماء وتراجع المنسوب، برزت أزمة جديدة في محطة مياه الصالحة جنوب أم درمان، حيث خرجت المضخات الساحبة عن الخدمة نتيجة استمرار انخفاض المياه، ما تسبب في شح الإمدادات بمناطق واسعة.

وترى السلطات أن استمرار انخفاض المناسيب خلال شهر يوليو يُعد وضعاً غير معتاد، مرجعة ذلك إلى تأخر هطول الأمطار وضعف تدفق الأنهار الموسمية، فيما تواصل الفرق الفنية تنفيذ معالجات عاجلة تشمل إزالة الإطماء وفتح مجارٍ جديدة لإعادة وصول المياه إلى المضخات، إلى جانب إعداد حلول طويلة الأجل، من بينها إعادة حفر آبار عالية الإنتاجية لضمان استقرار الإمداد مستقبلاً.

وفي أحدث بيان أصدرته الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري، أوضحت أن إيراد النيل الأبيض ومناسيبه ما زال أعلى من المتوسط العام ومن مستويات العام الماضي، كما أن جملة إيراد النيل الأزرق لا تزال تتجاوز متوسطاتها التاريخية. لكنها أشارت إلى تسجيل انخفاض مؤقت في الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو، من 207 ملايين متر مكعب يومياً إلى 129 مليون متر مكعب، أي بانخفاض بلغ 76 مليون متر مكعب يومياً، وهو ما انعكس على التصريف خلف الروصيرص وخزان سنار، وأدى إلى تراجع مناسيب النيل في عدد من المحطات، بينها الخرطوم بمقدار 1.08 متر، والحلفايا بنحو 94 سنتيمتراً.

وأكدت الوزارة أن هذا الانخفاض المؤقت يعود إلى تراجع تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مشيرة إلى أن تشغيل الخزانات يخضع لمتابعة مستمرة عبر لجنة فنية عليا تعمل على مدار الساعة لضمان استقرار الإمدادات المائية وسلامة المنشآت.

WhatsApp Image 2026-07-19 at 1.39.14 AM.jpeg

معاناة المواطنين... وتفسيرات فنية

وفي الوقت الذي عرضت فيه الحكومة قراءتها الفنية لأسباب انخفاض المناسيب، تبدو آثار الأزمة أكثر وضوحاً على الأرض بالنسبة للمواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام صعوبة متزايدة في الحصول على مياه الشرب.

ويقول المواطن عمر عبد الواحد لـ«صوت الأمة» إن ما تشهده منطقة الصالحة غير مسبوق، مشيراً إلى أن المياه انحسرت لمسافات كبيرة، ما أدى إلى توقف محطات المياه وتفاقم أزمة الإمداد.

وأضاف أن السكان اضطروا للاعتماد على عربات الكارو والناقلات للحصول على المياه، في وقت ارتفع فيه سعر برميل المياه إلى نحو عشرة آلاف جنيه، بينما تبلغ تكلفة شراء برميلين نحو عشرين ألف جنيه، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر، مطالباً السلطات بالتدخل العاجل لإعادة تشغيل محطات المياه.

وفي مقابل هذه المعاناة، تتباين التفسيرات الفنية لأسباب تعطل المحطات. إذ يرى عضو وفد التفاوض بشأن سد النهضة، البروفيسور محمد عكود عثمان، أن أزمة محطة مياه الصالحة لا ترتبط أساساً بانخفاض تصريفات النهر، وإنما تعود إلى خلل بنيوي في تصميم المحطة.

وأوضح، في تصريح لـ«صوت الأمة»، أن الذنابية (القناة) الخاصة بالمحطة تتعرض لتراكم كميات كبيرة من الطمي، ما يعيق وصول المياه إليها ويؤثر على كفاءة الضخ، مؤكداً أن تصريفات النيل الأزرق خلال هذه الفترة أعلى من المعدلات المعتادة لهذا التوقيت من العام، وأن ما يُلاحظ في بعض المواقع يرتبط بعوامل تشغيلية تختلف من منطقة إلى أخرى.

وفي السياق نفسه، قدم مصدر فني رفيع قراءة تكمل هذا التفسير، مؤكداً لـ«صوت الأمة» أن المياه المتوفرة في النيل الأزرق والنيل الأبيض والنيل الرئيسي ما تزال كافية، وإن كانت أقل بكثير من مناسيب الفيضان التي كانت تُسجل قبل إنشاء سد النهضة، لكنها في المقابل أعلى بكثير من أدنى التصريفات الطبيعية لهذه الأنهار.

وعزا السبب في توقف بعض المحطات إلى التخزين السنوي في سد النهضة، الذي غيّر نمط جريان المياه مقارنة بما كان عليه قبل إنشاء السد، دون أن يعني ذلك وجود نقص حاد في الموارد المائية. وأوضح أن هذه المتغيرات قد تحدث تغيرات مورفولوجية (التغيرات في شكل وهندسة النهر)، بحيث تنساب المياه في جانب من المجرى وتبتعد عن الجانب الآخر، وهو ما يحدث في بعض المواقع، مثل منطقة محطة مياه الجيلي (التمانيات).

تطمينات رسمية... وربط بسد النهضة

بالمقابل، أكدت السلطات المعنية أن الوضع المائي العام لا يدعو إلى القلق. وأكد وكيل وزارة الزراعة والري، المهندس ضو البيت عبد الرحمن، أن انخفاض المناسيب في بعض المواقع لا يعني وجود أزمة في المخزون المائي.

وقال لـ«صوت الأمة» إن المياه المخزنة في الخزانات تكفي لتغطية احتياجات مياه الشرب، والري الزراعي، والتوليد الكهرومائي، وبقية الاستخدامات، موضحاً أن إطلاق المياه يتم وفق احتياجات تشغيلية مدروسة، وبالتنسيق بين وزارتي الزراعة والري، لضمان استقرار الإمدادات.

WhatsApp Image 2026-07-19 at 1.39.13 AM (1).jpeg

وفي المقابل، يربط الخبير السوداني في القانون الدولي للمياه أحمد المفتي الانخفاض الحالي بعامل آخر يتمثل في بدء مرحلة الملء السنوي لسد النهضة. وأوضح، في مقابلة مع «صوت الأمة»، أن الانخفاض الملحوظ في مناسيب النيل الأزرق خلال هذه الفترة يرتبط باحتجاز إثيوبيا جزءاً من الإيراد السنوي للمياه، مشيراً إلى أن المناسيب مرشحة للارتفاع مع تقدم موسم الأمطار على الهضبة الإثيوبية، إذ ستزداد التدفقات مع وصول مياه الفيضان وتصريف الفائض من بحيرة السد.

لكنه أشار إلى أن هذه العمليات تتم دون تنسيق مع السودان، رغم اعتماد تشغيل السدود السودانية بصورة مباشرة على المياه الواردة من إثيوبيا، مضيفاً أن ما يجري يعيد التأكيد على الحاجة إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ويشمل تبادل البيانات وضمان سلامة السد وآليات التنسيق المستمر، بما يحفظ مصالح دولتي المصب.

وبينما تؤكد الحكومة أن الوضع المائي لا يزال مستقراً، وأن الخزانات قادرة على تلبية الاحتياجات المختلفة، تكشف أزمة محطات المياه في الخرطوم أن أي تغير في طبيعة جريان النيل أو حركة مياهه قد ينعكس سريعاً على الخدمات الأساسية إذا لم تكن البنية التحتية قادرة على مواكبة هذه التحولات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...