خاص ــ صوت الأمة
يواجه الموسم الزراعي في ولايات دارفور هذا العام تحديات معقدة تهدد مستقبل الإنتاج الزراعي، في ظل تداخل الأوضاع الأمنية المتدهورة مع نقص مدخلات الإنتاج وغياب التمويل، ما يضع الأمن الغذائي في الإقليم أمام اختبار صعب.
ويعاني المزارعون من شح الوقود والبذور والأسمدة، إلى جانب تراجع فرص التمويل واتساع رقعة النزوح، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاستعدادات للموسم الزراعي ويهدد بانخفاض الإنتاج المحلي.
ومع بداية هطول الأمطار، يستعد آلاف المزارعين لزراعة محاصيلهم وسط مخاوف متزايدة من تدهور الوضع الأمني، إذ باتت أعمال الزراعة في كثير من المناطق محفوفة بالمخاطر نتيجة النزاعات القبلية وانتشار عمليات النهب المسلح، ما يعرقل تجهيز الأراضي ويحد من قدرة المزارعين على الوصول إلى مزارعهم في الوقت المناسب.
تحديات أمنية
تمثل الأوضاع الأمنية أكبر العقبات أمام المزارعين في عدد من ولايات دارفور، حيث أدى استمرار النزاعات القبلية وغياب الاستقرار إلى تعطيل التحضيرات الزراعية، وألقى بظلاله على آمال المزارعين في إنجاح الموسم.
ويقول المزارع أحمد، الذي يزرع سنويًا في منطقة بركتلة التابعة إداريًا لمحلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، والواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر غربي مدينة نيالا، إن انعدام الأمن أصبح الهاجس الأكبر للمزارعين.
وأضاف: «نحن مستعدون للموسم الزراعي، لكننا نخشى أن تعترض طريقنا المجموعات المسلحة التي تنهب المواطنين تحت تهديد السلاح، وهو ما يجعل الوصول إلى المزارع مخاطرة حقيقية.»
ويشارك المزارع محمد عيسى، المقيم بمحلية قريضة جنوب مدينة نيالا، المخاوف ذاتها، مؤكدًا أن الموسم الزراعي يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها انعدام الأمن وتصاعد عمليات النهب المسلح.
وقال إن هذه الظروف دفعت كثيرًا من المزارعين إلى ترك الزراعة والاتجاه إلى التجارة، بينما اضطر آخرون إلى الهجرة نحو ليبيا بحثًا عن مصادر بديلة للرزق.
وأضاف: «العمل الزراعي يتطلب البقاء في الخلاء لأشهر طويلة، لكن الخوف أصبح يرافقنا في كل لحظة. وقد يتعرض المزارع للقتل أو النهب لأسباب بسيطة، دون أن يجد ذوو الضحية من ينصفهم.»
ويرى مزارعون أن استمرار التدهور الأمني يهدد بتقليص المساحات المزروعة خلال الموسم الحالي، في وقت يعتمد فيه ملايين السكان في دارفور على الزراعة باعتبارها المصدر الرئيس للغذاء والدخل.
ويؤكد عدد من المزارعين أن توفير المدخلات الزراعية وحده لن يكون كافيًا لإنجاح الموسم، ما لم تُتخذ إجراءات فعالة لتأمين المناطق الزراعية وحماية المزارعين خلال فترة الزراعة والحصاد، بما يضمن استقرار العملية الإنتاجية ويحد من موجات النزوح التي أثرت بصورة مباشرة في النشاط الزراعي بالإقليم.
جهود لإنجاح الموسم الزراعي
في مقابل التحديات الأمنية والاقتصادية، تتواصل محاولات رسمية وأهلية لتهيئة الظروف أمام إنجاح الموسم الزراعي في ولايات دارفور، عبر توفير المدخلات الأساسية وتعزيز التعايش بين المزارعين والرعاة.
وأكد تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الموالي لقوات الدعم السريع، دعمه لإنجاح الموسم الزراعي، مشددًا على أهمية استمرار الإنتاج الزراعي باعتباره ركيزة أساسية للأمن الغذائي.
وقال سليمان عبد الجبار، وزير الزراعة والغابات في الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع، إن الوزارة شرعت في اتخاذ إجراءات مبكرة استعدادًا للموسم الزراعي، شملت التنسيق مع اتحاد المزارعين وممثلي الشركات الزراعية لمناقشة احتياجات الموسم.
وأوضح أن الاجتماعات تناولت سبل توفير الآليات الزراعية، والتقاوي المحسنة، والأسمدة، والوقود الزراعي، الذي يمثل أحد أبرز التحديات أمام المزارعين هذا العام.
وفي ولاية وسط دارفور، لا سيما مدينة زالنجي، تتواصل الاستعدادات للموسم الزراعي وسط ظروف أمنية واقتصادية معقدة، في وقت تشتهر فيه المنطقة بزراعة الدخن والذرة والبصل، إلى جانب البساتين والموالح والفاكهة، مستفيدة من خصوبة الأراضي المحيطة بجبل مرة.
ويقول المزارع إبراهيم إن المزارعين شرعوا بالفعل في تنظيف الأراضي وإزالة الحشائش استعدادًا للزراعة، إلا أنهم يواجهون نقصًا واضحًا في التقاوي والبذور، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار الوقود.
ورغم هذه التحديات، يرى إبراهيم أن الوضع الأمني في زالنجي أكثر استقرارًا مقارنة ببعض المناطق الأخرى، مشيرًا إلى جهود أهلية تقودها الإدارات الأهلية والمجتمعات المحلية لتهيئة الأجواء أمام موسم زراعي آمن.
وفي إطار هذه الجهود، نظمت وزارة الزراعة والغابات بولاية وسط دارفور، في التاسع من يونيو الجاري، مؤتمرًا للمزارعين والرعاة بمنطقة «فاطمة كول»، بدعم من منظمة «ميرسي كور»، لبحث السبل الكفيلة بإنجاح الموسم الزراعي.
وركز المؤتمر على تأمين مسارات الرعي، وحماية المحاصيل من الرعي المبكر، وتعزيز التعايش السلمي بين المزارعين والرعاة، إلى جانب التوقيع على وثائق مجتمعية تهدف إلى الحد من النزاعات المرتبطة بالموسم الزراعي.
وأكد المشاركون أن نجاح الموسم الزراعي مرهون بتكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية، والعمل على حماية المزارعين وممتلكاتهم، بما يسهم في تعزيز الاستقرار ودعم الإنتاج الزراعي، ويفتح الطريق أمام موسم أكثر أمانًا واستقرارًا في الإقليم.
غياب التمويل يضاعف معاناة المزارعين
لا تقتصر التحديات التي تواجه الموسم الزراعي في دارفور على التدهور الأمني، بل تمتد إلى أزمة التمويل التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ما أدى إلى تراجع قدرة المزارعين على توفير احتياجاتهم الأساسية قبل انطلاق الموسم.
وأدى توقف نشاط البنك الزراعي السوداني ومؤسسات التمويل الأصغر في معظم ولايات دارفور إلى حرمان آلاف المزارعين من الحصول على التمويل اللازم لشراء الوقود والتقاوي والأسمدة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم المساحات المستهدفة بالزراعة.
وفي ولاية جنوب دارفور، تتداخل أزمة التمويل مع الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والبذور، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية على المزارعين، ويحد من قدرتهم على تجهيز الأراضي وبدء عمليات الزراعة في مواعيدها.
ويقول علي، الذي ترك مهنة التدريس واتجه إلى الزراعة، إن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، إلى جانب انعدام الأمن، جعل من كل موسم زراعي مغامرة محفوفة بالمخاطر.
وأضاف: «نعجز في كثير من الأحيان عن تجهيز أراضينا أو إزالة الحشائش بسبب ضعف الإمكانات المالية. ما نملكه لا يكفي لشراء الوقود أو المستلزمات الزراعية، ورغم ذلك نظل معرضين في أي لحظة لقطاع الطرق الذين قد يسلبوننا كل ما نملك.»
ويرى مزارعون أن غياب التمويل أصبح من أبرز العوامل التي تهدد الموسم الزراعي، إذ اضطر كثيرون إلى تقليص المساحات المزروعة، بينما تخلى آخرون عن الزراعة بالكامل نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج وضعف العائد المتوقع.



التعليقات (0)
جاري التحميل...