صوت الأمة: تقرير

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن تحويل بيانات القلق والإدانة إلى إجراءات عملية توقف القتال وتحمي المدنيين. فعلى الرغم من تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتعاقب المنابر التفاوضية، وتوالي اجتماعات مجلس الأمن، لم تنجح أي من تلك الجهود في فرض وقف دائم لإطلاق النار أو الحد من الانتهاكات المتصاعدة، بينما تتسع رقعة الحرب وتتفاقم الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة.

 

وفي كل مرة يُعلن فيها عن مبادرة جديدة أو جولة تفاوض، يتجدد الأمل لدى السودانيين بإمكانية الاقتراب من نهاية هذه المأساة، لكن سرعان ما يتبدد ذلك الأمل مع تعثر المفاوضات أو انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار، لتعود الحرب إلى الواجهة بوتيرة أشد، ويواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر من أرواحهم وأمنهم وسبل عيشهم.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد التساؤلات حول أسباب إخفاق المجتمع الدولي في الانتقال من مرحلة الإدانات والبيانات الدبلوماسية إلى إجراءات عملية وملزمة توقف الحرب، وما إذا كانت أدوات الضغط التي يمتلكها مجلس الأمن والقوى الدولية، من عقوبات وآليات مساءلة وتدابير لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، قد استُخدمت بالفعل أم بقيت رهينة للخلافات السياسية بين القوى الكبرى. كما تتجه الأنظار إلى ما إذا كان المجتمع الدولي لا يزال يمتلك الإرادة السياسية للتحرك قبل تكرار سيناريو الفاشر في مدينة الأبيض، أم أن السودان أصبح ضحية لتراجع الاهتمام الدولي وانشغال العالم بأزمات أخرى.

أدوات موجودة وإرادة غائبة

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الدكتور راشد محمد علي أن تقييم أداء مجلس الأمن في الأزمة السودانية يجب أن ينطلق من فهم طبيعة الآلية التي يعمل بها المجلس، موضحًا لـ«صوت الأمة» أن المهمة الأساسية للمجلس تتمثل في حفظ الأمن والسلم الدوليين، بينما ترتبط قدرته على التدخل بطبيعة النزاعات والدول المعنية بها، الأمر الذي يجعل كثيرًا من تحركاته تقتصر على إصدار البيانات والإدانات.

ويشير إلى أن الإجراءات الملزمة التي يملكها مجلس الأمن تتمثل في فرض حزم من التدابير السياسية والاقتصادية، إضافة إلى ممارسة الضغوط على الأطراف المعنية عبر القيود السياسية والاقتصادية وغيرها من الإجراءات التقييدية.

ويؤكد أن ملف حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية كثيرًا ما يخضع للاعتبارات السياسية، إذ تعمل المنظمات الإنسانية خلال النزاعات الداخلية على توفير الحماية للمدنيين، بينما يتطلب فتح الممرات الإنسانية تحديد مواقع القوات المتحاربة والفصل بينها لضمان سلامة تلك الممرات.

 

ويعزو محمد علي تراجع الاهتمام الدولي بالحرب في السودان إلى استمرارها لفترة طويلة، بالتزامن مع اندلاع حروب وأزمات دولية أكثر تعقيدًا، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى توجيه اهتمامه نحو ملفات أخرى في المنطقة.

وفيما يتعلق بالمخاوف من تكرار سيناريو الفاشر في مدينة الأبيض، يعتقد محمد علي أن المقارنة بين المدينتين ليست دقيقة، لافتًا إلى أن الأبيض تتمتع بوضع استراتيجي أفضل، وأن الظروف التي سبقت سقوط الفاشر كانت أكثر تعقيدًا. كما يرى أن قوات الدعم السريع كانت تركز جهودها بصورة كبيرة على اقتحام الفاشر، في وقت لم تتعامل فيه المنظمات الدولية مع الوضع هناك بالمستوى المطلوب.

الانقسامات الدولية تشل مجلس الأمن

ومن زاوية أخرى، يربط المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ تعثر مجلس الأمن بطبيعة الانقسامات الدولية داخل المجلس. وأشار، في حديثه مع «صوت الأمة»، إلى أن فشل المجلس في الانتقال من مرحلة البيانات إلى إصدار قرارات ملزمة يعود في الأساس إلى الانقسامات التي تفاقمت عقب الحرب الروسية الأوكرانية، حيث حال استخدام روسيا والصين لحق النقض (الفيتو) دون التوصل إلى توافق بشأن عدد من الملفات، من بينها السودان.

ويضيف أن السودان أصبح جزءًا من التنافس بين المعسكر الغربي، الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وبين روسيا والصين، مشيرًا إلى أن تراجع المصالح الصينية في السودان أسهم في انخفاض مستوى اهتمام بكين بالملف، ومتوقعًا أن يظل السودان ساحة للتجاذبات الدولية والإقليمية، وهو ما يصعب التوصل إلى موقف موحد داخل مجلس الأمن.

ويرى أبو الجوخ أن الاكتفاء بالبيانات دون إصدار قرارات ملزمة يضعف تأثير مجلس الأمن، لأن البيانات تظل أقل فاعلية من القرارات التي تترتب عليها إجراءات تنفيذية.

كما يعتبر أن النزاع السوداني لا تحركه دوافع دينية أو أيديولوجية أو اقتصادية بالقدر الذي يدفع المجتمع الدولي إلى إعطائه أولوية أكبر، فضلًا عن أن السودان بات ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية أسهمت في تراجع الاهتمام بقضيته مقارنة بملفات أخرى.

ويضيف أن فرص المجتمع الدولي في منع تكرار سيناريو الفاشر بمدينة الأبيض تظل محدودة في ظل التعقيدات الدولية والإقليمية الراهنة، موضحًا أن أدوات الضغط الأكثر تأثيرًا لا تزال بيد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، إلا أن تشابك المصالح والتقاطعات السياسية يقلل من فاعلية أي تحرك دولي قوي في الوقت الراهن.

الأبيض.. هل تتكرر مأساة الفاشر؟

ويتفق مع هذا الطرح المحلل السياسي الدكتور وليد دفع الله، الذي يرى، في مقابلة مع «صوت الأمة»، أن إخفاق مجلس الأمن في الانتقال من البيانات والاجتماعات إلى قرارات ملزمة يعكس أزمة بنيوية داخل المجلس نفسه، حيث ظلت حسابات المصالح الدولية وتباين مواقف الدول دائمة العضوية أقوى من الاعتبارات الإنسانية، ما جعل الملف السوداني أسيرًا للتجاذبات السياسية.

 

ويؤكد أن المجلس كان يمتلك أدوات ضغط مؤثرة، من بينها تشديد العقوبات الفردية، وفرض رقابة أكثر صرامة على تدفقات السلاح، ومحاسبة الجهات التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، إلا أن غياب الإرادة السياسية حال دون تفعيلها.

ويضيف أن الفشل في توفير حماية فعالة للمدنيين أو تأمين ممرات إنسانية آمنة لا يرتبط بضعف الآليات الدولية، وإنما بغياب التوافق الدولي حول كيفية إدارة الأزمة السودانية، مشيرًا إلى أن تراجع الاهتمام العالمي بالسودان، في ظل تصاعد أزمات دولية أخرى، أضعف مستوى الضغوط على أطراف النزاع.

ويحذر من أن استمرار هذا النهج قد يفتح الباب أمام تكرار المأساة الإنسانية التي شهدتها الفاشر في مدن أخرى، وفي مقدمتها الأبيض، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بصورة عاجلة عبر إجراءات عملية ورادعة تتجاوز بيانات القلق والإدانة إلى خطوات تفرض حماية المدنيين وتُلزم أطراف النزاع باحترام القانون الدولي الإنساني.

وبين تباين تفسيرات المحللين لأسباب تعثر المجتمع الدولي، تتقاطع آراؤهم عند حقيقة واحدة، وهي أن استمرار الحرب دون إجراءات دولية أكثر حسمًا يضاعف كلفة الأزمة الإنسانية، ويزيد احتمالات اتساع رقعة القتال إلى مدن جديدة. وفي ظل غياب توافق دولي قادر على فرض حماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي الإنساني، يبقى السودان عالقًا بين بيانات الإدانة وواقع ميداني يزداد تعقيدًا، بينما يظل المدنيون هم الخاسر الأكبر.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...