صوت الأمة ــ سارة عطية

خلال أيام قليلة، تحولت قيسان ومحيطها إلى واحدة من أبرز بؤر النزوح في إقليم النيل الأزرق، بعدما دفعت المواجهات الأخيرة آلاف المدنيين إلى مغادرة منازلهم والعبور بالقوارب نحو الضفة الشرقية للنيل الأزرق، بحثاً عن الأمان.

في المنطقة الواقعة بإقليم النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية، تتسع آثار المواجهات خارج خطوط القتال، مع تزايد حركة النزوح وتراجع الخدمات الصحية ونقص الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء، بينما يقول عاملون في المجال الإنساني ومواطنون إن استمرار القتال خلال موسم الأمطار ينذر بتفاقم أوضاع المدنيين بصورة أكبر.

صراع قديم.. ومأساة تتجدد ظلت قيسان، شأنها شأن مناطق أخرى في النيل الأزرق، جزءاً من مسرح النزاعات المسلحة في السودان لعقود. ورغم توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005، لم تُغلق ملفات الصراع بصورة نهائية، قبل أن يعود القتال إلى النيل الأزرق في سبتمبر 2011 بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان–قطاع الشمال، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية أعقبت مرحلة السلام.

ومع اندلاع حرب منتصف أبريل عادت المنطقة إلى دائرة التوتر، قبل أن تتسع المواجهات وتصل تداعياتها بصورة مباشرة إلى سكان قيسان ومحيطها.

لكن أثر الحرب اليوم لا يُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال أو بتبدل مناطق السيطرة، وإنما بما تتركه خلفها من أسر نازحة، وخدمات متوقفة، ومصادر رزق مفقودة، وااحتياجات إنسانية تتزايد كلما طال أمد المواجهات.

خياران أحلاهما مر يصف المواطن عيسى، الذي يعيش في قيسان، الوضع لـ «صوت الأمة» بأنه مأساوي، ويقول إن السكان وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر إما البقاء وسط المواجهات والخوف، أو ترك منازلهم والفرار بما يستطيعون حمله.

وبحسب عيسى، دفعت المواجهات الأخيرة أعداداً كبيرة من الأسر إلى النزوح بصورة عاجلة، وكان بين الفارين نساء وأطفال وكبار سن، إلى جانب أطفال رضع ونساء حوامل، اضطر بعضهم إلى قطع مسافات طويلة قبل الوصول إلى نقاط عبور يستخدم فيها المواطنون القوارب للابتعاد عن مناطق الخطر.

وتعكس الأرقام حجم حركة النزوح الأخيرة، إذ كشفت مجموعة محامي الطوارئ عن نزوح نحو 12 ألف شخص من مدينة قيسان ومحيطها خلال الأيام الماضية عقب دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة، مشيرة إلى أن النازحين عبروا بالقوارب إلى محافظة ود الماحي على الضفة الشرقية من النيل الأزرق.

وبحسب المجموعة، ارتفع العدد التراكمي للنازحين في إقليم النيل الأزرق إلى نحو 112 ألف شخص منذ اندلاع الحرب في البلاد. كما أدانت المجموعة ما قالت إنها عمليات نهب وسرقة واستهداف للنازحين، وحمّلت قوات الدعم السريع المسؤولية عن هذه الانتهاكات، مطالبة بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المتورطين فيها.

غير أن رحلة النجاة سرعان ما تحولت هي الأخرى إلى مصدر للخطر، إذ تتزامن حركة النزوح مع أمطار غزيرة وسيول وصعوبة في الطرق، ما يجعل التنقل أكثر قسوة بالنسبة للأطفال وكبار السن والمرضى.

ومع وصول النازحين إلى مناطق أكثر أمناً نسبياً، تبدأ معركة أخرى لتوفير أبسط مقومات الحياة. ويقول عيسى إن كثيراً من الأسر غادرت منازلها من دون أن تتمكن من حمل كميات كافية من الطعام أو الملابس أو الأدوية، لتجد نفسها أمام نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب والدواء ومواد الإيواء.

خدمات عاجزة وطرق مقطوعة وتتضاعف المعاناة مع تراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للأعداد المتزايدة من المحتاجين، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية.

ويحذر عيسى مصطفى من احتمالات انتشار الأمراض وسط تجمعات النازحين، خاصة مع نقص المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي وعدم توفر أماكن إيواء ملائمة، وهي مخاطر تصبح أكثر إلحاحاً خلال موسم الأمطار.

ولم تقتصر تداعيات القتال والأمطار على حركة السكان، إذ تضررت طرق المواصلات والجسر الذي كان يربط مناطق المحلية، ما أدى إلى تعقيد التنقل وحركة البضائع، وانعكس على النشاط التجاري وتكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية.

ويأتي ذلك بينما فقدت أسر كثيرة مصادر دخلها بعد مغادرة مناطقها، فيما يقول مصطفى إن بعض المواطنين خسروا منازلهم وممتلكاتهم ومواشيهم ومصادر رزقهم، وتفرّق أفراد بعض الأسر أثناء الفرار.

أما الأطفال، فيحملون آثاراً أخرى للحرب، بعدما عاش كثير منهم أصوات إطلاق النار والقصف ومشاهد النزوح والخوف.

ويختصر مصطفى احتياجات السكان بالقول إنهم لا يحتاجون إلى بيانات تضامن بقدر حاجتهم إلى حماية فعلية، وغذاء ومياه ودواء ومأوى، محذراً من أن استمرار المواجهات خلال موسم الأمطار قد يدفع الأوضاع الإنسانية إلى مستويات أكثر خطورة.

عبور محفوف بالمخاطر ومن بين المشاهد الأكثر قسوة في رحلة النزوح، اضطرار المدنيين إلى عبور النهر بالقوارب هرباً من مناطق القتال.

وتقول الناشطة في المجال الإنساني فاطمة هارون في إفادتها لـ «صوت الأمة» إن المواطنين يخوضون عملية العبور وسط فيضانات وأمطار غزيرة ورياح عاتية، ما يجعل الرحلة محفوفة بالمخاطر، لا سيما بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن.

وتصف هارون الوضع بأنه ينذر بكارثة إنسانية، موضحة أن الفارين يحتاجون إلى كل شيء تقريباً بدءاً من الغذاء ومياه الشرب، مروراً بالرعاية الصحية، وصولاً إلى مواد الإيواء.

ولا تنتهي معاناة الأسر بالوصول إلى الضفة الأخرى، إذ تقول هارون إن بعض العائلات فقدت الاتصال بأفراد منها فروا من مناطق القتال، ولا تزال تجهل أماكن وجودهم أو مصيرهم، ما ضاعف حالة الخوف والقلق.

وتدعو إلى تدخل إنساني عاجل وفتح ممرات آمنة للمدنيين، إلى جانب هدنة إنسانية تتيح وصول المساعدات إلى المتضررين، مشيرة إلى أن آثار النزوح والإرهاق أصبحت واضحة على وجوه الفارين.

امرأة تختصر المأساة ومن بين عشرات الوجوه التي مرت أمامها، بقيت صورة امرأة مسنة عالقة في ذاكرة هارون.

تقول إنها التقتها بين الفارين من قيسان في حالة صحية حرجة، بالكاد تستطيع الحديث أو الوقوف، وكانت آثار الإنهاك والخوف واضحة على وجهها، بينما ترتجف يدها من شدة التعب.

وتضيف: «كانت تنظر إلينا بصمت، وتحاول أن تتحدث لكنها لا تقوى على إكمال كلماتها. جسدها أنهكته الرحلة والمرض، ولم تكن تحتاج سوى إلى رعاية طبية عاجلة ومكان آمن تستريح فيه».

وتتابع: «كانت تجلس بين الناس وكأنها تبحث عن شيء لا تستطيع وصفه ربما جرعة ماء، أو دواء، أو مكان تستلقي فيه بعيداً عن ضجيج الخوف. كلما حاول أحد الاقتراب منها لتطمئن، اكتفت بنظرة طويلة، ثم حاولت الحديث بصوت خافت سرعان ما ينقطع».

وكانت المرأة، بحسب هارون، قد قطعت رحلة النزوح في ظروف شديدة القسوة، وسط الأمطار والإرهاق ومن دون رعاية صحية مناسبة.

وتقول: حاول من حولها تقديم ما يستطيعون من مساعدة بسيطة، لكن حاجتها كانت أكبر من كل ما كان متاحاً. كانت تحتاج إلى طبيب ودواء ومكان آمن.

غير أن حالة المرأة لم تكن استثناءً وسط الفارين. وتوضح هارون أن بين النازحين مرضى وكبار سن وأطفالاً ونساء يحتاجون جميعاً إلى الرعاية والغذاء والمأوى.

وتضيف: صورتها ظلت عالقة في ذهني لأنها كانت تجسد المأساة الإنسانية في أضعف صورها، امرأة أنهكها العمر والمرض والحرب، ولم يبق لها سوى البحث عن مكان آمن تنجو فيه.

هكذا تتقلص حياة الناس في قيسان، تحت ضغط الحرب والنزوح، إلى الاحتياجات الأكثر بساطة وإلحاحاً. أسر كانت تفكر في رزقها وتعليم أطفالها وعلاج مرضاها، بات أكبر ما تبحث عنه اليوم مكاناً آمناً تنام فيه، وماء صالحاً للشرب، ووجبة تسد الجوع، ودواء لمريض، وقارباً يعبر بها بعيداً عن القتال.

وبينما تتغير خطوط المواجهة وتتبدل مناطق السيطرة، يظل المدنيون في الجانب الأكثر قسوة من الحرب، يهربون من الرصاص ليواجهوا السيول والجوع والعطش والمرض ومخاطر العبور، ويتركون خلفهم منازل وممتلكات وحياة كاملة لا يعرفون متى، أو ما إذا كانوا سيتمكنون، من العودة إليها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...