صوت الأمة ــ سارة عطية
في الوقت الذي تدخل فيه الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، وتتسع فيه الفجوة بين القوى السياسية والعسكرية، تبدو دعوة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى إطلاق حوار سوداني–سوداني من الداخل، وكأنها محاولة لفتح نافذة سياسية في جدارٍ سميك من الدماء والانقسامات. دعوةٌ تقول السلطة إنها تستهدف جمع «أهل الوجعة» والقوى الوطنية على طاولة واحدة.
وجاءت الدعوة مصحوبة بحديث عن ضمانات قانونية وسياسية وأمنية، وتهيئة المناخ أمام القوى الراغبة في المشاركة، بما في ذلك معالجة بعض البلاغات والقيود المفروضة على سياسيين وناشطين. غير أن هذه التعهدات سرعان ما دخلت دائرة الاختبار، في ظل استمرار الحرب من جهة، وعودة الاعتقالات المرتبطة بالنشاط السياسي والإعلامي من جهة أخرى.
وأعاد اعتقال الصحفي قرشي عوض، على خلفية بلاغ مقدم من جهاز المخابرات السوداني، الجدل حول مدى إمكانية الحديث عن تهيئة سياسية حقيقية في ظل استمرار إجراءات تقيد حرية التعبير. كما طرح تساؤلات بشأن التناقض بين الدعوة إلى توسيع المشاركة السياسية وبين واقع لا تزال فيه أصوات صحفية وسياسية عرضة للملاحقة والاعتقال.
وفي المقابل، لا تحظى دعوة الحوار بإجماع القوى السياسية. فقد رفض تحالف «صمود» الطرح المتداول بشأن حوار يُعقد داخل مناطق سيطرة الجيش، معتبراً أن أي عملية لا تضم بصورة حقيقية مختلف أطراف الأزمة لن تفضي إلى تسوية وطنية شاملة، بينما تتمسك السلطة بأن يكون الحوار سودانياً ومن داخل البلاد، بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية.
وبين هذه المواقف المتباعدة، لا يبدو الخلاف محصوراً في مكان انعقاد الحوار أو الأطراف المشاركة فيه، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بما إذا كانت الظروف الحالية تسمح أصلاً بانطلاق عملية سياسية قادرة على إنهاء الحرب، أم أن الدعوة ستتحول إلى مسار جديد لإعادة ترتيب المشهد السياسي القائم.
حوار معد سلفاً
المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ قال لـ«صوت الأمة» إن المعطيات القائمة، في تقديره، لا تشير إلى وجود جدية حقيقية في الدعوة، بل يرى أنها تعكس «عدم جدية غير مسبوقة» مقارنة بمبادرات الحوار السابقة في السودان.
ويربط أبو الجوخ موقفه بما سبق الدعوة من تعهدات قدمها البرهان لمجموعات من السودانيين، من بينها مجموعة حضرت من القاهرة، بشأن تهيئة المناخ السياسي وشطب البلاغات خلال أقل من 96 ساعة. لكنه يقول إن الحديث انتقل لاحقاً من شطب البلاغات إلى تجميدها، ثم إلى منح حصانة مؤقتة، وهو ما يعتبره مؤشراً على التراجع عن الضمانات المعلنة.
ومن هنا، يرى أبو الجوخ أن الحوار بدأ، حتى قبل انطلاقه، في تقويض المبررات التي استند إليها، ويقارنه بـ«حوار الوثبة» الذي أطلقه الرئيس المخلوع عمر البشير، معتبراً أن المنهج لا يختلف كثيراً، وأن ما يجري يمثل حلقة جديدة في ما وصفه بسجل البرهان في «نقض غزله بيده».
ويذهب أبعد من ذلك، بوصف الحوار بأنه «معد سلفاً»، وأن المطلوب من الأطراف الأخرى، وفق هذا التصور، ليس المشاركة في صياغة نتائجه بقدر ما هو القبول بها، باعتبار أن الظروف السياسية والعسكرية ستجبرها على الانخراط وفق الشروط الموضوعة مسبقاً.
ولا يفصل أبو الجوخ شكل الحوار عن الواقع الذي تمر به البلاد، مشيراً إلى أن أجزاء واسعة من السودان لا تزال تعيش الحرب، بينما فقد المواطنون الخدمات الأساسية، وحُرم أطفال من التعليم، وتشرد ونزح ملايين السودانيين.
ويحمل أبو الجوخ المسار السياسي والعسكري الذي بدأ، بحسب رؤيته، بانقلاب 25 أكتوبر ثم انتهى إلى الحرب، مسؤولية كبيرة عن هذا الواقع، ويرى أن تجاهل هذه التداعيات عند طرح أي عملية سياسية يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مدخلاً حقيقياً لمعالجة الأزمة.
وفي السياق نفسه، يعتبر اعتقال الصحفي قرشي عوض، الذي قال إنه يتمنى إطلاق سراحه بصورة عاجلة، مؤشراً لا يمكن عزله عن النقاش حول البيئة السياسية المطلوبة للحوار، خاصة في ظل الحديث عن ضمانات وحرية حركة وتعبير للمشاركين.
ويخلص أبو الجوخ إلى أن ما يجري، من وجهة نظره، ليس حواراً لإنقاذ البلاد بقدر ما هو مسار يمكن أن يخدم طموح رجل واحد في تثبيت نفسه رئيساً للبلاد، دون معالجة حقيقية للأزمة المحيطة به.
الحوار لا يُبنى على الإقصاء
لكن الاعتراض على طريقة طرح الحوار لا يقود بالضرورة إلى رفض مبدأ الحوار نفسه. فالمحلل السياسي دكتور مصطفى الجميل يقدم تصوراً مختلفاً، ينطلق من ضرورة توسيع العملية السياسية وعدم استبعاد أي من القوى المؤثرة إذا كان الهدف الوصول إلى تسوية نهائية للأزمة.
وقال الجميل في حديث مع «صوت الأمة» إن وجهة نظره قد تبدو «متطرفة بعض الشيء»، لكنه يرى أن أي حوار سياسي يُراد منه طي الخلافات السودانية بصورة نهائية لا ينبغي أن يستثني أحداً.
وبحسب هذا التصور، فإن الحوار يجب أن يشمل مختلف القوى السياسية المعروفة والمؤثرة، بما فيها «صمود»، والكتلة الديمقراطية، و«تأسيس»، والحزب الشيوعي، والمؤتمر الوطني، وغيرها من القوى، لأن استبعاد أي طرف، وفق رأيه، يعني أن العملية السياسية ستدخل منذ بدايتها وهي تحمل أسباب تعثرها مستقبلاً.
غير أن الجميل يضع فاصلاً واضحاً بين المشاركة في الحوار وبين المسؤولية الجنائية. فهو يرى أن كل من ارتكب جرماً بحق السودانيين يجب أن يخضع للمساءلة أمام جهة قضائية مختصة تفصل في الجرائم والحقوق، بينما تدخل القوى السياسية إلى قاعة الحوار دون أجندات مسبقة أو تكتيكات تعطل الوصول إلى اتفاق.
ويعتبر أن الغاية النهائية ينبغي أن تكون الاتفاق على دستور ينظم حياة السودانيين ويضع إطاراً للعلاقة بين القوى السياسية المختلفة، بدلاً من استمرار حالة الرفض المتبادل والصراع حول السلطة.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة، بحسب الجميل، يتطلب البدء من ملف الحرب نفسه، عبر وقف إطلاق النار وإعلان تهدئة وهدنة، ثم معالجة قضية تعدد القوات المسلحة، وصولاً إلى مؤسسة عسكرية سودانية موحدة لا تبقى خارجها جيوش موازية أو بنادق مستقلة.
وعقب ذلك، ينتقل الدور إلى القوى السياسية لصياغة دستور يحدد قواعد ممارسة السلطة وطرق الوصول إليها، على أن تكون الكلمة النهائية للشعب السوداني عبر انتخابات حرة ونزيهة.
مراوغة لإطالة أمد الحرب
وبين تشكيك أبو الجوخ في أهداف الدعوة، وتمسك الجميل بحوار شامل لا يستثني أحداً، يضع أستاذ العلوم السياسية دكتور حمزة أحمد مسألة البيئة السياسية في قلب النقاش، معتبراً أن نجاح أي عملية حوارية لا يتوقف فقط على الأطراف المدعوة، وإنما على الظروف التي تنعقد فيها.
وقال أحمد في مقابلة مع «صوت الأمة» إن دعوة البرهان يمكن قراءتها باعتبارها «مراوغة» قد تسهم في إطالة أمد الحرب، خصوصاً إذا لم تتوافر الشروط اللازمة لإنجاح الحوار أو تعثرت مساراته منذ البداية.
ويرى أن الحوار، إذا جرى توجيهه سياسياً بصورة مسبقة، قد يتحول إلى أداة لحشد القوى السياسية حول استمرار البرهان رئيساً للبلاد، بدلاً من أن يصبح وسيلة لإنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة.
ويطرح أحمد في هذا السياق سؤالاً حول مدى إمكانية جمع الأطراف في عملية سياسية بينما لا تزال المسافات بينها واسعة، قائلاً إن حجم الخلاف وانعدام الثقة يجعل الحديث عن نجاح الحوار سابقاً لأوانه ما لم تجرِ معالجة هذه الفجوة أولاً.
ولا يرى أن السودان يمتلك في الوقت الراهن البيئة المواتية لحوار سياسي حقيقي، في ظل استمرار العمل بقوانين الطوارئ واعتقال صحفيين وناشطين بموجبها، وهي إجراءات يعتبرها متعارضة بصورة مباشرة مع متطلبات أي عملية سياسية يفترض أن تقوم على الحرية والطمأنينة والقدرة على التعبير دون خوف.
لذلك، يضع وقف إطلاق النار وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب بناء الثقة بين الأطراف، في مقدمة الشروط التي ينبغي أن تسبق الحوار، معتبراً أن أي عملية سياسية تُدار بينما تستمر الحرب والاعتقالات قد تصبح أقرب إلى إدارة الأزمة من تسويتها.
وتكشف المواقف الثلاثة، رغم اختلافها في تقييم الدعوة وفي شكل الحوار المطلوب، عن نقطة مشتركة تتعلق بالفجوة بين إعلان الحوار وبين توفير شروطه. فأبو الجوخ يطعن في جدية العملية وأهدافها، بينما يرى الجميل أن نجاحها يتطلب شمولاً سياسياً واسعاً، ووقفاً للحرب، ومحاسبة عبر القضاء، وصولاً إلى دستور وانتخابات. أما أحمد فيضع بناء الثقة والحريات ووقف إطلاق النار في مقدمة أي مسار قابل للاستمرار.



التعليقات (0)
جاري التحميل...