سارة عطية – صوت الأمة
شهدت ولايات سودانية بعيدة عن خطوط المواجهات، خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدًا في جرائم القتل والنهب والسرقات والاحتيال، بالتزامن مع تنامي الجرائم المرتبطة بانتشار السلاح والمخدرات، الأمر الذي أثار تساؤلات حول انتقال تداعيات الحرب إلى مجتمعات لم تشهد معارك مباشرة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه الشرطة، في عدد من الولايات الآمنة، تنفيذ حملات أمنية متواصلة أسفرت عن توقيف متهمين في قضايا قتل ونهب وسرقات، وضبط أسلحة نارية ومخدرات ومنتحلي صفة القوات النظامية، واسترداد مسروقات، برزت مؤشرات على حجم التحديات الأمنية التي أفرزتها الحرب.
أرقام تعكس حجم التداعيات
تعكس البيانات الرسمية جانبًا من التداعيات التي خلفها النزاع. فقد استعرضت النائب العام لجمهورية السودان، المستشارة انتصار أحمد عبد العال، خلال الدورة الماضية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، نتائج التقرير المرحلي الخامس للجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني.
وأوضحت أن اللجنة وثقت 30,971 حالة قتل، و44,617 إصابة، إلى جانب 2,200 حالة اغتصاب، و14,999 حالة احتجاز واختفاء قسري. كما أشارت إلى قيد 149,860 دعوى جنائية، بينها 385 دعوى ضد منسوبي قوات نظامية رُفعت عنهم الحصانة، مبينة أن التحقيق اكتمل في 21,787 دعوى أُحيلت إلى المحاكم الوطنية، فيما صدرت أحكام في 10,417 قضية.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام لا تعكس حجم الانتهاكات المرتبطة بالحرب فحسب، بل تكشف أيضًا حجم الضغوط التي تواجهها مؤسسات العدالة وإنفاذ القانون، في ظل بيئة أمنية معقدة ألقت بظلالها على المجتمع بأكمله.
قراءة أمنية
يرى الخبير الأمني أحمد الطيب يس أن الزيادة التي شهدتها معدلات الجريمة خلال الفترة الأخيرة تظل محدودة إذا ما قورنت بحجم التحديات التي فرضتها الحرب، مؤكدًا أن النزاع كان العامل الرئيس في تغير المشهد الأمني وظهور أنماط جديدة من الجرائم.
وقال لـ«صوت الأمة» إن آثار الحرب، بما صاحبها من نزوح واسع وتراجع في الأوضاع الاقتصادية وانتشار للسلاح، أسهمت في خلق بيئة مواتية لزيادة بعض الجرائم، موضحًا أن جرائم السرقة تتصدر المشهد في الولايات التي توصف بالآمنة، نتيجة الكثافة السكانية التي فرضتها موجات النزوح وما رافقها من ضغوط على الأجهزة الأمنية والخدمات.
وأضاف أن المخدرات أصبحت من أبرز محفزات ارتكاب الجرائم، لا سيما جرائم القتل والشروع فيه، لما تسببه من فقدان السيطرة على السلوك وارتفاع معدلات العنف بين المتعاطين.
وتتوافق هذه القراءة مع ما تعلنه الشرطة بصورة متكررة عن ضبطيات شملت أسلحة نارية ومخدرات، إلى جانب توقيف متهمين في قضايا نهب وسرقة ومنتحلي صفة القوات النظامية، وهو ما يعكس تغيرًا في طبيعة الجرائم وتداخلها مع انتشار السلاح.
ورغم ذلك، شدد الطيب على أن الوضع الأمني لا يدعو إلى القلق المفرط، مشيرًا إلى أن القوات النظامية تواصل جهودها في ملاحقة المتفلتين وتعزيز الانتشار الأمني، وأن أداء الأجهزة الأمنية شهد تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالفترة الأولى من الحرب، الأمر الذي أسهم في استعادة قدر من الاستقرار، مع استمرار الحاجة إلى تشديد الرقابة ومكافحة انتشار المخدرات، باعتبارها أحد أخطر دوافع الجريمة.
الحرب والصدمة النفسية
وإذا كانت القراءة الأمنية تربط تصاعد الجريمة بانتشار السلاح وتداعيات الحرب المباشرة، فإن مختصي الصحة النفسية ينظرون إلى القضية من زاوية أخرى، معتبرين أن الحرب خلقت آثارًا نفسية عميقة انعكست على سلوك الأفراد داخل المجتمع.
وقالت استشارية علم النفس وقائدة مبادرة ثورة التغيير السلوكي، الدكتورة ابتسام محمود أحمد، إن الحرب تمثل أحد أهم الأسباب الرئيسة في تصاعد السلوك العدواني، موضحة أن الحروب تكشف أسوأ ما في الإنسان، وتترك اضطرابات نفسية قد تستمر لسنوات طويلة حتى بعد توقف القتال.
وأضافت، في حديثها لـ«صوت الأمة»، أن الاضطرابات النفسية قد تنشأ بفعل عوامل وراثية أو بيئية، إلا أن الصدمات الكبرى، وفي مقدمتها الحرب، تعد من أهم المحفزات التي تفجر تلك الاضطرابات.
وأشارت إلى أن السودانيين عاشوا، بدرجات متفاوتة، تجربة صادمة، وهو ما يفسر جانبًا من السلوكيات العنيفة التي برزت خلال الفترة الأخيرة، سواء كانت نتيجة اضطرابات نفسية مباشرة أو بسبب تعاطي المخدرات بوصفها أحد الآثار غير المباشرة للحرب.
وأوضحت أن الاعتياد على مشاهد القتل والانتهاكات خلال فترة النزاع أدى، لدى بعض الأفراد، إلى تطبيع العنف، فأصبحت ردود الأفعال في المواقف اليومية أكثر حدة وأقل تسامحًا، مستشهدة بحوادث اعتداء وقعت أخيرًا بسبب خلافات بسيطة، معتبرة أن دوافعها لا يمكن فصلها عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب.
إعادة إنتاج الجريمة
ولا يقف تأثير الحرب عند الجوانب الأمنية والنفسية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية للمجتمع، إذ ترى الاختصاصية الاجتماعية الدكتورة ثريا إبراهيم الحاج أن تداعيات الحرب أفرزت واقعًا اجتماعيًا معقدًا أسهم في تهيئة بيئة أكثر هشاشة أمام انتشار الجريمة.
وقالت لـ«صوت الأمة» إن نجاح مرحلة العودة الطوعية لا يرتبط فقط بعودة المواطنين إلى مناطقهم، وإنما يتطلب تخطيطًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا يضمن توفير الخدمات الأساسية وسبل كسب العيش، إلى جانب تنفيذ برامج للتأهيل النفسي والاجتماعي لمعالجة الآثار التي خلفها النزاع.
وأوضحت أن الجريمة كانت موجودة في السودان قبل اندلاع الحرب، إلا أن معدلاتها ارتفعت بصورة ملحوظة خلال فترة النزاع، ومن المرجح أن تستمر آثارها في مرحلة ما بعد الحرب، نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
وأرجعت ذلك إلى اتساع رقعة الفقر، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتفكك الأسر، وهي عوامل أسهمت في ارتفاع جرائم السرقات والاحتيال والجرائم الإلكترونية والقتل ومختلف أشكال العنف.
وأضافت أن الولايات التي توصف بالآمنة لم تكن بمنأى عن هذه التداعيات، إذ انتقلت إليها آثار الحرب عبر موجات النزوح، وما صاحبها من ضغوط على الخدمات وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب تنامي الاضطرابات النفسية، وهو ما أوجد بيئة أكثر هشاشة أمام انتشار الجريمة.
وأكدت أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تعزيز الوجود الشرطي وتطبيق القانون بحزم، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في السلوك الإجرامي.
الاقتصاد.. المحرك الأخطر للجريمة
وتعزز القراءة الاقتصادية هذا الطرح، إذ يرى أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور أحمد أزهري أن الأزمة الاقتصادية أصبحت أحد أبرز المحركات لارتفاع معدلات الجريمة، في ظل ما خلفته الحرب من تراجع في النشاط الاقتصادي وفقدان آلاف المواطنين لمصادر دخلهم.
وقال، في إفادة لـ«صوت الأمة»، إن ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، دفعت بعض الأفراد إلى البحث عن وسائل غير مشروعة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي انعكس في زيادة جرائم السرقات والاحتيال والاعتداءات.
وأضاف أن الولايات التي استقبلت أعدادًا كبيرة من النازحين واجهت ضغوطًا غير مسبوقة على الخدمات العامة وسوق العمل، في وقت يشهد فيه الاقتصاد انكماشًا حادًا وتراجعًا في الإنتاج، وهو ما خلق بيئة اقتصادية واجتماعية ساعدت على تنامي الجريمة.
وأشار إلى أن تراجع الدخول، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض القوة الشرائية، أسهم في اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وإمكاناتهم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والأمني.
وشدد أزهري على أن مواجهة الجريمة لا ينبغي أن تقتصر على الحلول الأمنية، وإنما تستدعي حزمة من السياسات الاقتصادية تشمل خلق فرص عمل، وتحفيز الإنتاج، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، باعتبار أن تحسين الأوضاع المعيشية يمثل أحد أهم أدوات الحد من الجريمة وتعزيز الاستقرار.
وبينما تختلف قراءات الخبراء لأسباب تصاعد الجريمة، فإنها تلتقي عند حقيقة واحدة، وهي أن الحرب لم تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل امتدت إلى المجتمع والاقتصاد والصحة النفسية، وأعادت تشكيل البيئة التي تنتج الجريمة، لتفرض تحديات جديدة على مؤسسات الدولة في مرحلة ما بعد النزاع.



التعليقات (0)
جاري التحميل...