المضاربة وتهريب الذهب والعملات يزيدان الضغط على سوق الصرف

·        اتساع الفجوة بين أسعار الصرف المصرفية والسوق الموازي

مطالبات بإجراءات موازية لضبط عجز الموازنة العامة وكبح الإصدار النقدي

تقرير: ناهد محمد

يواصل الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة فرضتها الحرب المستمرة، وتراجع الإنتاج، وضعف تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب المضاربات وتهريب الذهب والعملات.

وتجاوز سعر الدولار في السوق الموازي حاجز 7,300 جنيه سوداني، وفقًا لأسعار التداول في السوق غير الرسمي، الذي أصبح خلال الفترة الأخيرة أحد أهم محددات أسعار العملات الأجنبية في البلاد، في ظل اتساع الفجوة بين الأسعار المتداولة خارج الجهاز المصرفي والأسعار المصرفية.

ويأتي ذلك في وقت اتخذ فيه بنك السودان المركزي خطوات باتجاه منح المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف، بما يتناسب مع ظروف السوق، وهو ما يعني عمليًا تحريرًا أكبر للتسعير المصرفي، دون أن يعني بالضرورة اختفاء السوق الموازي أو توحيد سعر الصرف بين القنوات الرسمية وغير الرسمية.

عوامل متشابكة

ويرى الخبير الاقتصادي أبو عبيدة محمد سعيد أن تراجع قيمة الجنيه يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها استمرار الحرب وما ترتب عليها من إضعاف القطاعات الإنتاجية، وتراجع الصادرات، وتعطل النشاط الاقتصادي في عدد كبير من المناطق.

وأضاف أن محدودية موارد النقد الأجنبي مقابل ارتفاع الطلب عليها، إلى جانب المضاربة وتهريب الذهب والعملات، أسهما في زيادة الضغط على الجنيه، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع فاتورة الاستيراد.

وأوضح أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة في العملة الوطنية، ويجعل المتعاملين أكثر ميلًا إلى الاحتفاظ بالعملات الأجنبية أو الذهب باعتبارهما وسيلتين لحفظ القيمة.

تحرير سعر الصرف

وفي إطار محاولات معالجة أزمة سوق الصرف، أصدر بنك السودان المركزي منشورًا للمصارف سمح لها بتحديد سعر الصرف المناسب لها وفقًا لظروف السوق.

ويرى مصرفيون أن هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا في سياسة التسعير، إذ تمنح المصارف مساحة أكبر لتحديد أسعار العملات الأجنبية بدلًا من الالتزام بسعر موحد، بما يجعل سعر الصرف المصرفي أكثر مرونة واستجابة لحركة العرض والطلب.

غير أن تحرير التسعير المصرفي لا يعني بالضرورة انتهاء السوق الموازي، خصوصًا في ظل استمرار شح النقد الأجنبي واتساع الطلب عليه، فضلًا عن ضعف قدرة الجهاز المصرفي على توفير العملات الأجنبية لجميع الاحتياجات.

ويشير الخبير المصرفي وليد دليل إلى أن السياسة الجديدة تمنح المصارف مساحة أكبر في تسعير العملات الأجنبية، بما يجعل سعر الصرف أكثر ارتباطًا بظروف السوق، لكنه يرى أن معالجة أزمة العملة لا يمكن أن تتم من خلال سياسة سعر الصرف وحدها.

ويضيف أن استمرار الفجوة بين السعر المصرفي والسوق الموازي سيظل عاملًا ضاغطًا، ما لم تتوافر موارد كافية من النقد الأجنبي، مع ضبط عمليات تمويل العجز وتقليل اللجوء إلى الإصدار النقدي.

عجز الموازنة والإصدار النقدي

ويرى خبراء اقتصاديون أن معالجة أزمة الجنيه تتطلب إجراءات متزامنة في السياسة المالية والنقدية، خصوصًا أن تمويل العجز الحكومي عبر التوسع في الإصدار النقدي يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية دون أن يقابلها نمو مماثل في الإنتاج.

ويؤدي ارتفاع السيولة المحلية، في ظل محدودية السلع والخدمات وتراجع الإنتاج، إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية والذهب، الأمر الذي ينعكس بدوره على سعر الصرف والأسعار بصورة عامة.

ويقول أبو عبيدة إن أي سياسة تستهدف استقرار الجنيه لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تترافق مع ضبط الإنفاق العام، وتقليص العجز، وزيادة الإنتاج والصادرات، والعمل على استعادة موارد النقد الأجنبي.

الحرب وتأثيراتها

كان للحرب أثر مباشر على الاقتصاد السوداني، بعدما تسببت في توقف أو تراجع قطاعات إنتاجية واسعة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وخروج عدد كبير من المشروعات عن دائرة الإنتاج.

كما أدت الحرب إلى زيادة الطلب على السلع المستوردة في بعض المناطق، في مقابل تراجع موارد النقد الأجنبي، الأمر الذي خلق ضغوطًا إضافية على سوق الصرف.

ويرى اقتصاديون أن استمرار الحرب يعني استمرار الضغوط على الجنيه، ما لم تحدث تطورات سياسية وأمنية واقتصادية تسمح بعودة النشاط الإنتاجي واستعادة حركة التجارة والصادرات.

دورة متكررة

ويحذر اقتصاديون من الدخول في دورة مستمرة من انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار.

فكلما انخفضت قيمة العملة المحلية، ارتفعت تكلفة الواردات، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات. ومع ارتفاع الأسعار، تتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وتزداد المخاوف من استمرار انخفاض الجنيه، فيلجأ البعض إلى شراء العملات الأجنبية والذهب، وهو ما يزيد الطلب على الدولار ويدفع سعره إلى مزيد من الارتفاع.

وتصبح الحلقة على النحو الآتي:

دولار أقل في السوق → طلب أكبر عليه → ارتفاع سعره → ارتفاع تكلفة الواردات → ارتفاع الأسعار → مزيد من فقدان الثقة في الجنيه.

الذهب والصادرات أين تذهب موارد السودان؟

يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المحتملة للسودان، إلا أن استمرار تهريبه وخروج جزء من الإنتاج خارج القنوات الرسمية يحرم الاقتصاد من موارد كان يمكن أن تسهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف.

ويؤكد اقتصاديون أن زيادة حصيلة الصادرات، وإعادة توجيه عائداتها إلى الجهاز المصرفي، ومحاصرة تهريب الذهب والعملات، تمثل إجراءات أساسية لمعالجة اختلال سوق النقد الأجنبي.

ويرى وليد دليل أن استعادة الثقة في الجهاز المصرفي وتوفير حوافز للمصدرين والمغتربين لإدخال حصائلهم عبر القنوات الرسمية، يمكن أن تساعد في زيادة المعروض من العملات الأجنبية وتقليص الفجوة بين السوقين.

ما المطلوب؟

لا تبدو أزمة الجنيه السوداني قابلة للحل من خلال قرار منفرد بشأن سعر الصرف، إذ ترتبط الأزمة بمجموعة واسعة من الاختلالات المالية والنقدية والإنتاجية.

ويحتاج استقرار العملة إلى حزمة متكاملة تشمل ضبط عجز الموازنة، والحد من الإصدار النقدي، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتحسين إدارة موارد النقد الأجنبي، إلى جانب محاربة تهريب الذهب والعملات.

كما أن استقرار الأوضاع السياسية والأمنية يمثل عاملًا رئيسيًا في استعادة النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإعادة بناء الثقة في الجنيه والجهاز المصرفي.

وفي ظل استمرار الحرب وتراجع الإنتاج وشح موارد النقد الأجنبي، يبقى الجنيه السوداني تحت ضغط مزدوج: سوق موازٍ يحدد أسعارًا مرتفعة للعملات الأجنبية، وسوق مصرفي يتجه نحو مرونة أكبر في التسعير دون أن يمتلك حتى الآن الموارد الكافية لردم الفجوة بالكامل.

ويبقى السؤال الأهم: هل تقود مرونة سعر الصرف المصرفي إلى تقليص الفجوة تدريجيًا، أم أن استمرار الحرب وشح الموارد سيبقيان السوق الموازي صاحب التأثير الأكبر في تحديد القيمة الفعلية للجنيه؟

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...