خبيرة تخطيط استراتيجي: اقتصاد ما بعد الحرب يحتاج وصفة مختلفة
روشتة للتعافي الاقتصادي ومطلوبات مهمة
المطلوب إدارة سوق الصرف وليس مطاردة السوق الموازي
وقف الحرب وتوحيد المؤسسات المالية والنقدية هو الإصلاح الاقتصادي الأول، وليس مجرد ملف سياسي
خبيران: الدولار ليس عدواً للسودان، لكنه يكشف نقاط ضعف الاقتصاد
انكماش الناتج 29.4% في 2023 و14% في 2024، وانهيار الإيرادات لأقل من 5%
تقرير - ناهد محمد
في وقت قفز فيه الدولار من 4100 جنيه في مايو إلى نحو 7500 جنيه في سبتمبر 2026، وانكمش الناتج المحلي 29.4% في 2023 و14% في 2024، وانهارت الإيرادات الحكومية لأقل من 5% من الناتج المحلي، بينما ارتفع معدل التضخم الكلي إلى مستويات عالية.
وشهد الاقتصاد السوداني تدهوراً متسارعاً، وظهرت آثار الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023م، والتي أدت إلى تراجع العملية الإنتاجية واضطراب سلاسل الإمداد بسبب انهيار البنى التحتية وتعطيل شبكات النقل، مما أثر على المعروض من السلع والخدمات...
بجانب ارتفاع أسعار الوقود وتكلفة السكن والترحيل بسبب زيادة أعداد النازحين إلى الولايات الآمنة.
كما أن تعقيدات عمليات الاستيراد أدت إلى نقص في السلع الأساسية والكمالية، مما دفع بالأسعار إلى الارتفاع، بجانب زيادة الإنفاق الحكومي بسبب تمويل المجهود الحربي، مما أدى إلى زيادة المعروض النقدي.
واستهداف وتدمير البنى التحتية للمصارف وشركة الخدمات المصرفية (EBS)، وتعطيل الأنظمة المصرفية وخدمات البنك المركزي والبنوك التجارية، مما أدى إلى عدم المقدرة على إنفاذ سياسات البنك المركزي الخاصة بالتحكم في المعروض النقدي وسياسات سعر الصرف.
وبهذا الوضع القاتم للاقتصاد السوداني، طرحت "صوت الأمة" تساؤلاً محورياً: (هل نحن أمام أزمة سعر صرف أم أمام اقتصاد يحتاج لإعادة بناء كاملة؟)
اقتصاد الحرب
خبيرة تخطيط استراتيجي وتحول رقمي، د. مروة فؤاد قباني، تؤكد أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع الاقتصاد الحالي كاقتصاد طبيعي يواجه أزمة مؤقتة، وقالت إن: "الاقتصاد السوداني اليوم ليس اقتصاداً طبيعياً، بل اقتصاد خرج من حرب ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية الإنتاجية والمصرفية والخدمية والطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك استخدام الأدوات التقليدية وحدها لن يكون كافياً. نحتاج برنامج إنقاذ عاجل ينتقل من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، ومن معالجة الأعراض إلى معالجة الجذور، وأولى هذه الجذور هي ضعف الإنتاج".
وتضيف: "قد تنجح الإجراءات الإدارية في تهدئة السوق لفترة قصيرة، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاه العام إذا ظلت الأسباب قائمة. المطلوب إدارة سوق الصرف وليس مطاردة السوق الموازي. وهذا يتطلب شفافية أكبر في الأسعار، وتقليل الفجوة بين السعر المصرفي والموازي، وتوفير النقد للقطاعات الحيوية، وتشديد الرقابة على المضاربة، وجعل القنوات المصرفية أكثر جاذبية. كلما أصبحت القناة الرسمية أكثر كفاءة، تراجعت جاذبية الموازي".
إنتاج الدولار
قد يبدو الحديث عن الزراعة والصناعة بعيداً عن أزمة الدولار، لكنه في قلبها، حيث إن السودان لا يحتاج فقط لتوفير الدولار للاستيراد، بل لإنتاج الدولار من خلال التصدير.
وتقول د. مروة إن قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والذهب والصناعات الغذائية والخدمات الرقمية يمكن أن تكون مصادر حقيقية للنقد الأجنبي، لكن ذلك يحتاج سياسة متكاملة تبدأ من المنتج ولا تنتهي عند الميناء.
وقود مضاربة
"السودان يمتلك مورداً مهماً، لكن القضية ليست حجم الإنتاج وحده، بل حجم الذهب الذي يدخل الدورة الرسمية".
وتشدد قباني على أن الذهب يمكن أن يكون أهم مصادر النقد الأجنبي، كما يمكن أن يصبح أحد مصادر المضاربة إذا خرج بعيداً عن النظام الرسمي.
توحيد الاقتصاد
أرقاماً صادمة قدمها الخبير الاقتصادي د. علي الله عبد الرازق للمشهد الاقتصادي، حيث "انكمش الناتج 29.4% في 2023 و14% في 2024، وانهارت الإيرادات لأقل من 5%، ووصل الدولار لنحو 7500 جنيه".
وصولاً للإصلاح الاقتصادي، طرح د. علي الله نقاطاً مهمة على رأسها إحلال السلام وتوحيد الاقتصاد، وقال في إفادته لـ"صوت الأمة":
"لا يمكن إصلاح العملة أو الاستثمار أو الضرائب في ظل اقتصاد منقسم ومصادر إنتاج وتجارة خارج سيطرة مؤسسة واحدة".
وأضاف: "وقف الحرب وتوحيد المؤسسات المالية والنقدية والجمارك وسوق النقد هو الإصلاح الاقتصادي الأول، وليس مجرد ملف سياسي".
أما النقطة الثانية لإصلاح الاقتصاد فتتمثل في إيقاف انهيار الجنيه، ويقول:
"بدلاً من محاولة تثبيت سعر مصطنع، يجب توحيد أسعار الصرف تدريجياً ووقف تعدد أسعار العملات وتجفيف مصادر المضاربة والتهريب وإعطاء الأولوية للسلع الاستراتيجية".
واعتبر الذهب الملف الذي يغير المعادلة بسرعة، ويشير إلى أن:
"السودان يمتلك مورداً ضخماً، لكن جزءاً كبيراً لا يتحول لإيرادات. وفق تقرير حديث، أُبلغ عن إنتاج رسمي 70 طناً العام الماضي، بينما سُجل تصدير 14.7 طن فقط عبر البنك المركزي".
ويؤكد د. علي الله عبد الرازق أن الزراعة هي مشروع الإنقاذ الحقيقي، ويقول: "بدلاً من التركيز على الاستيراد، يجب أن تصبح الأولوية للزراعة أولاً".
ونوه لضرورة إصلاح المالية العامة، بحيث "لا يمكن للدولة أن تستمر في الإنفاق دون إيرادات. المطلوب توسيع الوعاء الضريبي بدلاً من زيادة ضرائب جديدة".
بجانب ضرورة إعادة تشغيل القطاع الخاص، ويؤكد أن: "الاقتصاد لن يتعافى بالحكومة وحدها. يجب توفير بيئة للقطاع الخاص".
إعادة بناء الجهاز المصرفي من المطلوبات المهمة للإصلاح الاقتصادي، كما يشير إليها د. علي الله، ويطالب بـ: "إعادة الثقة في البنوك وتطوير المدفوعات الإلكترونية وتوفير تمويل للمزارعين والصناعات الصغيرة وربط البنوك السودانية بالنظام المالي الدولي تدريجياً".
تحويلات المغتربين
أما تحويلات المغتربين فهي ثروة غير مستغلة، حيث يمثل السودانيون بالخارج رصيد اقتصادي مهم، لكن جذب تحويلاتهم لا يتم بالشعارات. فالمغترب، كما تقول خبيرة التخطيط الاقتصادي د. مروة، يحتاج سعر صرف عادل، وتحويل سريع، وتكلفة منخفضة، وضمانات ثقة، ومنتجات مصرفية جاذبة، خاصة مع التوسع في الخدمات الرقمية.
وتؤكد أيضاً أن المصارف في قلب المعركة، حيث: "لن ينجح أي تعافٍ دون جهاز مصرفي قوي. إعادة الهيكلة يجب ألا تقتصر على زيادة رؤوس الأموال، بل تمتد إلى جودة الأصول وإدارة المخاطر والحوكمة والسيولة وحماية المودعين والبنية التكنولوجية. المطلوب مصارف قادرة على تمويل الاقتصاد الحقيقي. عودة الثقة شرط لإعادة الأموال خارج النظام إلى الدورة الاقتصادية".
فيما تحذر من دائرة خطيرة، حيث إن "ارتفاع الدولار يرفع الأسعار، والتضخم يدفع المواطن لشراء الدولار والذهب لحماية مدخراته. لذلك معالجة التضخم يجب أن تكون في مقدمة الأولويات عبر ضبط الإنفاق وتحسين الإيرادات وتقليل التمويل التضخمي".
وتؤكد أن الاقتصاد الرقمي ليس ترفاً: "توسيع المدفوعات الإلكترونية والمحافظ الرقمية ونقاط البيع يقلل الاعتماد على النقد ويحد من الاقتصاد الموازي ويرفع كفاءة حركة الأموال".
لإصلاح الاقتصاد السوداني وتحقيق إنعاش للعملة المحلية، اتفق الخبراء على توصيات عاجلة للتعافي، على رأسها إطلاق برنامج وطني عاجل للتعافي بمشاركة الحكومة والمركزي والمصارف والقطاع الخاص.
وإدارة سوق الصرف بمرونة وشفافية وتقليل الفجوة، مع جعل تحويلات المغتربين أولوية وطنية، وتحويل الذهب لمورد استراتيجي عبر مكافحة التهريب.
تنفيذ برنامج قومي للإنتاج والصادرات.
وإعادة بناء الجهاز المصرفي.
ضبط المالية العامة ومحاربة التضخم.
تسريع التحول الرقمي والمدفوعات الإلكترونية.
حماية المدخرات والقوة الشرائية.
وإنشاء غرفة عمليات اقتصادية تتابع المؤشرات أسبوعياً.
مؤكدين أن "الدولار ليس عدواً للسودان.. لكنه يكشف نقاط ضعف الاقتصاد. والسؤال ليس (الدولار إلى أين؟) بل (متى يبدأ الاقتصاد السوداني في إنتاج القوة التي تجعل الجنيه قادراً على استعادة قيمته؟). إذا استمر الاقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج ويستورد أكثر مما يصدر، فإن أزمة الجنيه ستظل قائمة مهما تغيرت القرارات".



التعليقات (0)
جاري التحميل...