ترجمة- صوت الأمة

مزّقت ثلاث سنوات من الحرب العاصمة السودانية الخرطوم إربًا. انهارت شبكات المياه، وأغلقت العيادات أبوابها وفقًا لمنظمة "كير"، فيما فرّ أكثر من (3.5) ملايين شخص من العاصمة وحدها. والآن، مع عودة العائلات، يواجه السكان سؤالًا مرعبًا: هل بإمكانهم العودة إلى ديارهم؟ وهل سيجدون شيئًا هناك حين يعودون؟

لا تزال أمل، وهي أم لأربعة أطفال، تتذكر اللحظة التي فتحت فيها الصنبور وخرجت المياه بالفعل.

مرّ أكثر من عامين منذ فرارها. أجبرها القصف المتواصل على مغادرة حيّها "حارة 95" في أم درمان في أبريل 2023م، لتجد نفسها في مدرسة بمدينة كسلا على بعد أكثر من 300 ميل. هناك، كانت العائلات تنام متلاصقة على حصائر رقيقة، وتُقنّن المياه، فيما ازداد أطفالها ضعفًا بسبب الجوع والمرض.

ومع تراجع حدة القتال في وقت سابق من هذا العام، عادت إلى الخرطوم، لتجد مدينة مدمرة، لكن المياه كانت تتدفق.

وقالت: "كان همّي الأكبر الحصول على مياه نظيفة وخدمات صحية. لقد دمّر الصراع كلَّ شيء: البنية التحتية المدنية، والعيادات... كل شيء.

وقد أدى هذا الدمار إلى نزوح جماعي ومجاعة وانهيار شبكات المياه، إضافة إلى تفشي وباء الكوليرا في أنحاء السودان.

وبحسب بيانات قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، سُجلت (124,418) حالة إصابة بالكوليرا و(3,573) وفاة في جميع الولايات الثماني عشرة خلال الفترة من أغسطس (آب) 2024م إلى يناير (كانون الثاني) 2026م.

وقال مسؤول برنامج المياه والصرف الصحي في منظمة كير السودان بولاية الخرطوم، بدر الزمان عيسى: "استهدف النزاع في السودان مصادر المياه والبنية التحتية، ويدفع المدنيون الثمن الأكبر".

المياه أولًا... أولوية العودة إلى الخرطوم

بالنسبة لسكان الخرطوم، سواء العائدين أو المقيمين، كانت المياه النظيفة هي الأولوية القصوى. وقد قامت منظمة كير السودان بترميم محطتين رئيسيتين لمعالجة المياه في أم درمان، هما المنارة وبيت الأمل، إضافة إلى ترميم أكثر من (50) خزانًا في الثورة، بسعة إجمالية تبلغ (10.5) مليون غالون (40 مليون لتر). وأسهمت هذه الإصلاحات في منع فقدان أكثر من مليون غالون من المياه يوميًا بسبب التسربات، كما ساعد ترميم نظام التخزين الرئيس في كرري على ضمان توفر المياه على المدى الطويل في أم درمان.

ومع انقطاع التيار الكهربائي، قامت المنظمة بتركيب ألواح شمسية لتشغيل مضخات المياه، إلى جانب توفير (35) أسطوانة غاز كلور، ودفع رواتب شهرية لـ(20) عاملًا لضمان استمرار معالجة المياه.

وقال مدير مؤسسة المياه المحلية، محمد عوض: "قمنا بتجديد محطة مياه المنارة، وهي إحدى أكبر محطات المياه في ولاية الخرطوم، وضمان حصول السكان على مياه آمنة ومُعقمة بالكلور حتى أثناء القتال.

وقالت أمل: "أصبح لدينا الآن مياهًا نظيفة طوال اليوم. ما زلت أتذكر المعاناة في كسلا، وكيف كنا نقتصد في كلِّ قطرة ماء.

وباتت أمل وعائلتها الآن جزءاً من أكثر من مليوني شخص في الولاية استفادوا من أعمال الإصلاح.

المجتمعات تقود إعادة الإعمار

إلى جانب البنية التحتية، تضع منظمة كير الموارد مباشرة في أيدي السكان، عبر منح نقدية تتيح للجان المحلية تحديد أولويات الإنفاق في أحيائها.

وقال أحمد، رئيس لجنة مجتمع الخوجلاب: "قرر أفراد المجتمع استخدام الأموال النقدية لترميم المركز الصحي المتضرر في حيّنا.

وقد تبرع السكان بوقتهم ومهاراتهم لتسريع العمل، حيث أُعيد بناء المنشأة بمنحة قيمتها (5000) دولار فقط.

وقال مدير المركز الطبي، الدكتور عبد العال: "يقدم المركز الصحي الذي تم ترميمه حديثًا خدمات طبية عامة، وفحوصات مخبرية، وتطعيمات روتينية. كما نوفر وصفات طبية وخدمات ولادة آمنة على يد قابلة مؤهلة.

وقال اختصاصي المساعدات النقدية في منظمة كير السودان، أدمير مانديزفيدزا: "لقد دعمنا المجتمعات في استعادة الخدمات الأكثر إلحاحًا. الاحتياجات هائلة، لكن الناس يُظهرون مرونة استثنائية".

وقد دعمت منظمة كير إنشاء (18) مجموعة مجتمعية في أنحاء الخرطوم، تقودها النساء، للعمل على استعادة المياه النظيفة والمراحيض الصالحة للاستخدام والرعاية الصحية الأساسية في الأحياء.

أم تعود وتجد طفلها يتلقى التطعيم

مثل أمل، فرت هدى من الخرطوم مع طفليها، وعاشت أكثر من عامين من النزوح. وعندما عادت، كانت تحمل مولودًا جديدًا وخوفًا دائمًا من عدم وجود خدمات التطعيم قرب منزلها.

ومنذ بداية الحرب، تراجعت تغطية التطعيم في السودان بشكل حاد، إذ انخفضت معدلات التحصين ضد أمراض مثل: الدفتيريا والتيتانوس والسعال الديكي من (94%) في عام 2022م إلى (48%) في عام 2024م، وفقًا لليونيسف ومنظمة الصحة العالمية، وهو أدنى مستوى منذ عام 1987م، ما أدى إلى تفشي شلل الأطفال والحصبة.

وقالت هدى، وهي الآن أم لثلاثة أطفال: "لقد فوجئت جدًا عندما وجدت أن المركز الصحي في حيّي لا يزال يعمل. تم تطعيم طفلي، كما تلقيتُ أيضًا تثقيفًا حول تنظيم الأسرة من قابلة.

تقدم محدود واحتياجات هائلة

على الرغم من التقدم المحقق، تبقى الاحتياجات واسعة جدًا. وتشدد التقارير على أن هذه الخدمات ضرورية لإنقاذ الأرواح واستعادة الكرامة وتحقيق تعافٍ مستدام، في ظل حاجة ملحة إلى تمويل إضافي.

ويُقدر أن أكثر من (30) مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية تشمل الرعاية الصحية والغذاء والدعم الأساسي.

وبالتعاون المباشر مع اللجان المحلية، وفرت منظمة كير السودان موارد ساعدت في ترميم عيادة متضررة، في نموذج يعكس قدرة المجتمعات على التعافي السريع عندما تقود عملية اتخاذ القرار وتتلقى دعمًا عمليًا.

ويقدم المركز اليوم خدمات مجانية تشمل الرعاية العامة والفحوصات المخبرية وصيدلية مجهزة وغرف ولادة آمنة.

وقالت فاطمة، عضوة في اللجنة المجتمعية: "نقدم خدمات مجانية للناس حتى خارج نطاق حيّنا المباشر". ولضمان استمرار العمل، جرى ترميم محطة المياه القريبة وتركيب مضخة تعمل بالطاقة الشمسية.

وقال المدير القطري لمنظمة كير في السودان، عبد الرحمن علي: "هذه الخدمات ضرورية لإنقاذ الأرواح، واستعادة الكرامة، وتحقيق تعافٍ مستدام. نبذل قصارى جهدنا لدعم العائلات العائدة إلى ديارها، لكن الاحتياجات هائلة وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من التمويل.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...