سارة عطية - صوت الأمة
في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية والدولية لإحياء مسار التفاوض ووقف الحرب في السودان، فتحت الأحكام القضائية الصادرة بالإعدام بحق عدد من قادة قوات الدعم السريع جبهة جديدة في الصراع عنوانها «المواجهة القانونية». فبينما ترى السلطات القضائية أن هذه الأحكام تمثل خطوة نحو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، يثير توقيتها تساؤلات حول انعكاساتها على أي عملية سلام محتملة، وإمكانية التفاوض مع أطراف صدرت بحق بعض قادتها أحكام بالإعدام، في وقت لا تزال فيه المعارك مستمرة.
وأصدرت محكمة في بورتسودان حكماً بالإعدام غيابياً بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، و15 متهماً آخرين، بعد إدانتهم في قضية مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، إضافة إلى شن هجمات على المدنيين والمرافق العامة. وشملت الأحكام أيضاً عبد الرحيم دقلو وعدداً من قادة الدعم السريع وزعماء قبليين، فيما قررت المحكمة إحالة الملف إلى المحكمة العليا للتأييد، تمهيداً لمخاطبة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لاتخاذ إجراءات القبض على المحكوم عليهم.
ورغم أن السودان عرف خلال تاريخه أحكاماً مماثلة بحق شخصيات سياسية وعسكرية، فإن كثيراً منها لم يُنفذ بسبب تغير موازين القوى أو التسويات السياسية. كما أن حكومة «تأسيس» التي أعلنتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها أصدرت بدورها أحكاماً استهدفت عدداً من قادة القوات المسلحة، بما يعكس انتقال الصراع من ساحات القتال إلى ساحات القضاء، ويضيف تعقيداً جديداً أمام جهود الوساطة الساعية لإنهاء الحرب.
جدل قانوني حول استقلال القضاء
وفي خضم هذا الجدل، تتباين القراءات القانونية حول مشروعية هذه المحاكمات وحدود تأثيرها على فرص السلام.
ويرى المستشار القانوني والمحامي معز حضرة أن العدالة لا يمكن أن تتحقق عبر محاكمات تستهدف طرفاً واحداً، مؤكداً لـ«صوت الأمة» أن كل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، سواء من قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة أو المجموعات المتحالفة معهما، يجب أن يخضع لمحاكمة عادلة وشفافة تكفل عدم الإفلات من العقاب.
وانتقد حضرة اللجنة التي شُكلت في بورتسودان لمحاكمة متهمين من الدعم السريع، معتبراً أنها تفتقر إلى الحياد لأنها أُنشئت بواسطة أحد أطراف النزاع، مشيراً إلى أن الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023 شهدت اتهامات بارتكاب انتهاكات من مختلف الأطراف، وهو ما يجعل قصر المحاكمات على جهة واحدة، بحسب وصفه، إجراءً انتقائياً.
وأضاف أن ما جرى في بورتسودان يقابله ما أعلنته حكومة «تأسيس» في نيالا من محاكمات استهدفت رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول ركن ياسر العطا، معتبراً أن ذلك يعكس استخدام القضاء كأداة ضمن الصراع السياسي والعسكري أكثر من كونه مؤسسة مستقلة لتحقيق العدالة.
ودعا إلى تمكين لجنة تقصي الحقائق الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان من مباشرة عملها داخل السودان، باعتبارها جهة محايدة، مستشهداً بتجربة دارفور التي انتهت إلى توجيه اتهامات للرئيس السابق عمر البشير وعدد من معاونيه.
واعتبر أن المحاكمات المتبادلة لن تسهم في تحقيق السلام، مستشهداً بأحكام صدرت في عهد الرئيس السابق عمر البشير بحق مالك عقار وياسر عرمان قبل أن تفقد أثرها بتغير الواقع السياسي. كما انتقد مطالبة المحكمة للإنتربول بالمساعدة في القبض على المحكوم عليهم، متسائلاً عن جدوى ذلك طالما أنهم داخل السودان، وإن كانوا خارج سيطرة الحكومة، مؤكداً أن وقف الحرب يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق عدالة مستقلة وشاملة.
بين رسائل السياسة وتعقيدات القانون
وإذا كان الجدل القانوني يتركز على مدى استقلال القضاء ومشروعية هذه المحاكمات، فإن البعد السياسي يطرح سؤالاً موازياً حول القيمة العملية لهذه الأحكام، وما إذا كانت قادرة على التأثير في مجريات الحرب أو في أي عملية تفاوضية محتملة.
يقول المحلل السياسي الدكتور مصطفى الجميل إن الأحكام الصادرة بحق قيادات أطراف النزاع ليست سابقة في التاريخ السوداني، إذ سبق أن صدرت أحكام بالإعدام بحق شخصيات أصبحت لاحقاً جزءاً من السلطة بعد عفو عام أو تسويات سياسية.
ويرى، في حديثه لـ«صوت الأمة»، أن صدور مثل هذه الأحكام خلال النزاعات المسلحة أمر متوقع، سواء من محاكم بورتسودان أو من الجهات التي أعلنتها حكومة «تأسيس»، لكنه يقلل من تأثيرها العملي على سير الحرب أو موازين القوى، متسائلاً: «هل يمكن لقائد عسكري يقود قوات على الأرض أن يترك سلاحه ويتوجه طواعية إلى محكمة خصمه لتنفيذ الحكم؟».
ويضيف أن هذه الأحكام أقرب إلى رسائل سياسية ضمن إدارة الصراع منها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، مؤكداً أن أي اتفاق ينهي الحرب سيتضمن على الأرجح ترتيبات قانونية وسياسية، من بينها العفو العام عن الجرائم المرتبطة بالنزاع، مع بقاء الحقوق الخاصة للضحايا وذويهم خاضعة للإجراءات القانونية.
وإلى جانب الجدلين القانوني والسياسي، يبرز نقاش ثالث يتعلق بالإجراءات القضائية نفسها، والأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة في إصدار الأحكام، ومدى إمكانية تنفيذها في ظل التعقيدات الدستورية والمؤسسية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب.
وفي هذا السياق، توضح المحامية إيمان حسن أن الأحكام استندت إلى اتهامات واردة تحت الباب الثامن عشر من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، والمتعلق بالجرائم الموجهة ضد الدولة، إلى جانب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وهي جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام. كما شملت المحكمة عبد المنعم الربيع وآخرين بتهمة التحريض.
وأضافت، في إفادة لـ«صوت الأمة»، أن الأحكام صدرت غيابياً استناداً إلى المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية، التي تجيز محاكمة المتهم غيابياً في الجرائم الموجهة ضد الدولة، مشيرة إلى أن المحكمة رفعت الأحكام إلى المحكمة العليا للتأييد تمهيداً لمخاطبة الإنتربول لاتخاذ إجراءات القبض على المحكوم عليهم.
وترى حسن أن توقيت إصدار الأحكام قد ينعكس على جهود السلام، رغم تأكيدها أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. لكنها تشير إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام يظل محل إشكال قانوني في ظل غياب المحكمة الدستورية، باعتبارها الجهة المختصة بإجازة الأحكام النهائية بالإعدام، مستشهدة بقضية المعلم أحمد الخير التي تعذر فيها تنفيذ الأحكام للسبب ذاته.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمهد هذه الأحكام الطريق نحو عدالة حقيقية، أم تتحول إلى ورقة جديدة في صراع لم تُحسم نهاياته بعد؟.



التعليقات (0)
جاري التحميل...