خبير اقتصادي: القرار يحمي المنتج أكثر من المستهلك في الأجل القصير
عدم إصدار شهادات عدم ممانعة لاستيراد سلعة الفول
كمال كرار: الفول المصري لا يتحمل مسؤولية انهيار الاقتصاد
خبير مصرفي: يجب توفير البدائل أولاً بكميات وأسعار تكفي السوق ثم تقييد المستورد
تقرير – ناهد محمد
ليس "الفول المصري" في السودان مجرد سلعة غذائية تضاف إلى قائمة المشتريات اليومية؛ فهو وجبة أساسية حاضرة على موائد ملايين الأسر خاصة في المُدن، وواحد من الخيارات الغذائية التي يلجأ إليها السودانيون في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار اللحوم والدواجن وغيرها من مصادر البروتين.
لهذا جاء قرار وقف استيراد الفول المصري ليفتح نقاشاً يتجاوز حدود التجارة والاستيراد إلى سؤال أكبر: كيف يمكن حماية الإنتاج المحلي من دون أن تتحول الحماية إلى عبء إضافي على المستهلك؟
وفي خطوة مفاجئة، أصدر وزير الزراعة والري عصمت قرشي قراراً وزارياً بعدم إصدار شهادات عدم ممانعة لاستيراد سلعة الفول المصري من جميع دول العالم.
وقالت الوزارة إن القرار يأتي تنفيذاً لتوجيهات رئيس الوزراء رقم (74) بتاريخ 12 أبريل 2026، التي نظمت استيراد السلع الغذائية بهدف دعم الاقتصاد الوطني وتنظيم الاستيراد وحماية المنتجين.
لكن القرار، الذي يمس سلعة تدخل في النظام الغذائي اليومي لملايين السودانيين، فتح جدلاً واسعاً بين حماية الإنتاج المحلي وحماية القوة الشرائية، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة المحلية، بالتزامن مع فاتورة واردات بلغت 1.94 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026.
الحماية أم الأسعار؟
لوضع القرار على طاولة التشريح الاقتصادي واستجلاء آراء الخبراء حول خلفياته وآثاره المحتملة، يرى الخبير الاقتصادي أبو عبيدة أحمد سعيد أن القرار، في إطاره النظري، سليم، ويعتبره سياسة حمائية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج.
ويقول سعيد: "في المدى القصير قد يستفيد المنتج السوداني من انخفاض المنافسة واتساع حصته، وهذا يوفر حافزاً لزيادة الاستثمار في زراعة الفول. لكن المعادلة تنقلب إذا لم يكن الإنتاج المحلي كافياً، عندها ينخفض المعروض وترتفع الأسعار ويدفع المواطن تكلفة الحماية من قوته اليومي".
وتبرز هنا المعضلة الأساسية التي تواجه أي سياسة لحماية الإنتاج المحلي، إذ إن رفع القيود عن المنتج المحلي يمكن أن يمنحه مساحة أكبر في السوق، لكن نجاح هذه السياسة يرتبط بقدرة الإنتاج المحلي على تغطية الطلب، وبمدى قدرة السوق على استيعاب التحول من السلعة المستوردة إلى المنتج المحلي من دون حدوث فجوة في الإمداد.
وفي حالة الفول، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية بسبب ارتباط السلعة بالاستهلاك اليومي، وعدم قدرة كثير من الأسر على تحمل ارتفاعات متتالية في أسعار الغذاء.
حماية مؤقتة
ويضيف سعيد أن الحماية الناجحة ليست حظراً مطلقاً، بل "حماية مؤقتة مرتبطة ببرنامج واضح لزيادة الإنتاجية، توفير التمويل والمدخلات، تحسين التخزين والنقل والتسويق، مع السماح بالاستيراد عند وجود فجوة حقيقية بين الإنتاج والاستهلاك".
وبهذا التصور، لا يكون الهدف من تقييد الواردات مجرد إبعاد المنافس الأجنبي من السوق، وإنما استخدام فترة الحماية لرفع قدرة المنتج المحلي على المنافسة والوصول إلى مستويات إنتاج تسمح بتلبية احتياجات السوق.
ويرى سعيد أن نجاح هذه السياسة يحتاج كذلك إلى معرفة دقيقة بحجم الإنتاج المحلي، والاستهلاك السنوي، والمخزون المتاح، وحجم الواردات، حتى يمكن تحديد ما إذا كان السوق قادراً على تحمل وقف الاستيراد بصورة كاملة أم يحتاج إلى استيراد محدود لسد الفجوة.
ويحسم الجدل حول منظمة التجارة العالمية، مشيراً إلى أن "السودان ليس عضواً كاملاً حتى الآن بل في مسار الانضمام، لذا القرار لا يعني فقدان عضوية، لكن يجب أن يراعي بناء سياسة تجارية مستقرة ومتوافقة مع متطلبات الانضمام".
ويشدد على أن القرار يحمي المنتج أكثر من المستهلك في الأجل القصير، ولن يصبح إيجابياً للاقتصاد والمواطن إلا إذا أدى إلى زيادة حقيقية في الإنتاج واستقرار الأسعار.
قرار بلا أرقام
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي كمال كرار أن القرار يفتقد لأبسط مقومات القرار الاقتصادي، منتقداً غياب المعايير والإحصاءات التي يمكن أن تستند إليها قرارات ترشيد الواردات.
ويؤكد كرار أن قرارات ترشيد الواردات لا تخضع لمعايير وإحصائيات محددة، كما لا توجد خطة اقتصادية بأهداف واضحة.
ويقول إن حظر سلعة غذائية لا يكون إلا إذا كان الإنتاج المحلي يكفي الاستهلاك، متسائلاً عن مدى خضوع القرار لهذا المعيار.
ويطرح كرار أسئلة تتعلق بالجانب التنفيذي للقرار، خصوصاً في ظل ظروف الحرب، متسائلاً عن كيفية تنفيذ الحظر في وقت لا تسيطر فيه السلطة في بورتسودان على الحدود الغربية وبعض الحدود الجنوبية.
كما يتساءل: كم يمثل الفول المصري في هيكل الواردات؟ ومن أي دولة يُستورد؟ وهل يستنزف النقد الأجنبي أم يدخل ضمن تجارة الكوميسا الحدودية؟
ويشدد كرار على أن القرار، في تقديره، يأتي فقط ليقول إن هناك سلطة تجتمع وتقرر، بينما الأزمة تستفحل من حالة اللا دولة في ظل الحرب.
ويضيف: "الفول المصري لا يتحمل مسؤولية انهيار الاقتصاد، فلتبحث السلطة عن شماعة أخرى".
غلاء مضاعف
من جانبه، يقول الخبير المصرفي وليد دليل، في إفادة لـ"صوت الأمة"، إن دعم الإنتاج المحلي هدف مفهوم، لكنه يتساءل عن جدوى حظر سلعة تمثل مصدراً رئيسياً للبروتين بالنسبة إلى معظم الأسر، في وقت تتدفق فيه واردات أخرى تشمل الشوكولاتة والمكسرات والوجبات الخفيفة وألعاب الأطفال ومستحضرات التجميل.
ويضيف أن هذا التناقض يجعل القرار، في تقديره، يبدو انتقائياً ولا يخدم بصورة مباشرة هدف ترشيد النقد الأجنبي.
ويحدد دليل ثلاث اختلالات يرى أنها تحيط بالقرار، أولها أن الحظر سبق الإنتاج.
ويقول: "يجب توفير البدائل أولاً بكميات وأسعار تكفي السوق، ثم تقييد المستورد تدريجياً. أما حظر السلعة أولاً ثم انتظار الإنتاج، فيدفع الأسعار للارتفاع فوراً ويحول ندرة قائمة إلى غلاء مضاعف".
ويشير إلى الاختلال الثاني، المتمثل في "أولوية مقلوبة"، قائلاً إن الحظر كان يجب أن يبدأ بالكماليات المستنزفة للعملة الصعبة، وليس بسلعة شعبية لا تمثل، بحسب تقديره، إلا جزءاً يسيراً من فاتورة الواردات البالغة 1.94 مليار دولار في الربع الأول من العام.
أما الاختلال الثالث، فيتمثل، بحسب دليل، في غياب الشفافية، إذ لا توجد إحصاءات معلنة عن إنتاج الفول المحلي واحتياج السوق وحجم الواردات التي سيشملها الحظر وموعد الوصول إلى الاكتفاء، وهو ما يضعف، في رأيه، حجة القرار ويفتح الباب لتفسيره باعتباره خدمة لفئة من المستوردين.
أين يقف المستهلك؟
وبعيداً عن الجدل النظري حول السياسة الحمائية، يبقى السؤال الأكثر مباشرة بالنسبة إلى المستهلك هو: ماذا سيحدث للسعر بعد وقف الاستيراد؟
فالسياسة التجارية لا تعمل بمعزل عن ظروف السوق. وفي حالة وجود إنتاج محلي كافٍ ومخزون مناسب، يمكن أن يؤدي تقليص الواردات إلى توسيع مساحة المنتج المحلي. أما إذا كان الإنتاج أقل من الطلب، فإن تراجع المعروض قد ينعكس سريعاً على الأسعار.
وتزداد حساسية هذا السيناريو في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بما في ذلك أسعار المدخلات والوقود والنقل والتخزين، وهي تكاليف تدخل في السعر النهائي للسلعة حتى قبل وصولها إلى المستهلك.
كما أن الفول المستورد لا يصل إلى المستهلك مباشرة في كل الحالات، وإنما يمر عبر حلقات من النقل والتجارة والتوزيع، ما يعني أن أي اضطراب في الإمداد يمكن أن ينعكس على الأسعار في الأسواق المحلية بدرجات متفاوتة.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمنع السلعة المستوردة، وإنما بما إذا كانت السوق تمتلك بالفعل بديلاً محلياً متاحاً وبالسعر الذي تستطيع الأسر تحمله.
الزراعة وحدها لا تكفي
ويرى الخبراء أن رفع الإنتاج المحلي من الفول لا يرتبط فقط بزيادة المساحات المزروعة، وإنما يحتاج إلى سلسلة متكاملة تبدأ من توفير التقاوي والمدخلات والتمويل، وتمتد إلى الحصاد والتخزين والنقل والتسويق.
فحتى في حال ارتفاع الإنتاج، يمكن أن تظل السوق عرضة للتقلبات إذا لم تتوفر مخزونات كافية أو وسائل تخزين مناسبة تسمح بتوزيع الإنتاج على مدار العام.
كما أن اضطراب الطرق والأسواق نتيجة الحرب يمكن أن يضيف كلفة جديدة إلى السلعة المحلية، خصوصاً عندما ينتقل المنتج من مناطق الإنتاج إلى المدن والأسواق الكبرى.
وبالتالي، فإن سياسة حماية المنتج الزراعي تحتاج إلى النظر إلى سلسلة الإمداد بأكملها، لا إلى المنافسة مع السلعة المستوردة وحدها.
الحرب تعيد تشكيل سوق الغذاء
ويأتي قرار وقف استيراد الفول في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني آثار الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، بما في ذلك تراجع الإنتاج في مناطق زراعية، واضطراب حركة التجارة والنقل، وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح السلع الغذائية الأساسية أكثر حساسية لأي تغيير في حركة الاستيراد أو الإنتاج المحلي.
فالمستهلك الذي يواجه ارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية لا ينظر إلى القرار من زاوية السياسة التجارية فقط، وإنما من زاوية قدرته على توفير الوجبة اليومية لأسرته.
وفي المقابل، يواجه المنتج المحلي تحديات لا تقل صعوبة، إذ يحتاج إلى سوق مستقرة وأسعار تمكنه من تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق هامش يشجعه على الاستمرار في الزراعة.
ومن هنا، تبدو المعادلة الاقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين "المستورد" و"المحلي"، إذ يتعلق الأمر بقدرة الدولة على بناء سوق يستطيع فيها المنتج المنافسة، والمستهلك الحصول على السلعة بسعر يمكنه تحمله.
روشتة علاجية
واتفق الخبراء الذين تحدثت إليهم "صوت الأمة" على أن حماية الإنتاج المحلي مبدأ يمكن أن يخدم الاقتصاد، لكنهم اختلفوا حول آلية تطبيق القرار وتوقيته ومدى جاهزية الإنتاج المحلي لتغطية الطلب.
وتشمل المقترحات التي طرحتها الآراء الاقتصادية التي رصدها التقرير:
وضع جدول زمني معلن للحظر، مرتبط بمواسم الحصاد والمخزون، بدلاً من حظر فوري.
تحديد حصص استيراد مؤقتة لتغطية الفجوة إلى حين بلوغ الإنتاج المحلي مستوى الكفاية.
نشر بيانات رسمية عن حجم الإنتاج المحلي واحتياجات السوق وحجم الواردات.
دعم المنتج المحلي بالتمويل والمدخلات وتحسين التخزين والنقل والتسويق.
توسيع قائمة السلع التي تخضع للقيود لتبدأ بالكماليات والسلع غير الأساسية قبل السلع الغذائية الأساسية.
مراجعة القرار بصورة دورية وفقاً لحركة الإنتاج والأسعار وحجم المخزون.
وبينما تراهن الحكومة على أن تقييد استيراد الفول يمكن أن يمنح المنتج المحلي مساحة أكبر في السوق، يخشى خبراء من أن يؤدي غياب البدائل الكافية إلى نقل كلفة القرار مباشرة إلى المستهلك.
وفي النهاية، لا يتوقف نجاح القرار على منع الفول المستورد من دخول السوق، وإنما على ما إذا كان الاقتصاد السوداني قادراً خلال فترة الحماية على إنتاج الكمية المطلوبة، وتوفيرها في الوقت المناسب، وبسعر لا يحول الوجبة الشعبية إلى عبء إضافي على الأسر.
ففي بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه القدرة الشرائية، يبقى التحدي الأصعب هو تحقيق المعادلة بين منتج سوداني يجد الحماية التي يحتاجها، ومستهلك يجد الغذاء الذي يستطيع شراءه.



التعليقات (0)
جاري التحميل...