صوت الأمة
لم تكن رحلة الدكتور السوداني عمر الريح إلى عالم طب الأسنان وريادة الأعمال مساراُ تقليدياً؛ فمن تجربة الهجرة والنشأة في الولايات المتحدة، إلى دراسة طب الأسنان والعمل الأكاديمي، ثم تأسيس شركة ناشئة تستلهم أحد أقدم تقاليد العناية بالفم في السودان والعالم الإسلامي، استطاع الريح أن يحول تجربة شخصية وثقافية إلى مشروع يحمل طموحًا عالمياً.
الريح، وهو طبيب أسنان ومدرس سريري ورائد أعمال، يقف وراء شركة RemoBrush، التي تقدم فرشاة أسنان تجمع بين التصميم الحديث والمسواك، في محاولة لإعادة تقديم هذه الوسيلة التقليدية للعناية بالفم بصورة تناسب الحياة العصرية، مع التركيز على الاستدامة وإتاحة منتجات العناية بالأسنان لشرائح أوسع.
من السودان بدأت الفكرة
ينحدر عمر الريح من الخرطوم، وقد انتقل مع أسرته إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة. وكانت تجربة النشأة في بلد جديد، إلى جانب وفاة والده وما رافق ذلك من تحديات مالية وأسرية، من المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيته ونظرته إلى الحياة والعمل.
وتبرز والدته في قصته بوصفها مصدرًا مهمًا للإصرار والمسؤولية، إذ ساعدته على تجاوز الظروف الصعبة ومواصلة طريقه الأكاديمي والمهني.
ومنذ سنواته الأولى، ارتبط اهتمام الريح بطب الأسنان برغبة في تغيير نظرة بعض المجتمعات إلى صحة الفم، بعدما لاحظ أن كثيرين يتعاملون مع العناية بالأسنان باعتبارها أمرًا ثانويًا أو رفاهية، في حين أن مشكلات الأسنان واللثة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في جودة حياة الإنسان.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه القناعة إلى هدف مهني؛ فبالنسبة إليه، لا ينبغي أن تكون الرعاية الصحية للفم امتيازًا لفئة محددة، وإنما جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية التي يجب أن تكون متاحة للجميع.

واصل الريح مسيرته التعليمية بخطوات متدرجة، فحصل عام 2017 على درجة البكالوريوس في الكيمياء الحيوية من كلية سانت أنسيلم، ثم حصل في 2018 على درجة الماجستير في علوم صحة الفم من كلية الطب بجامعة بوسطن.
وفي عام 2022، توج مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة دكتور في طب الأسنان من كلية طب الأسنان بجامعة تافتس.
ولم تتوقف رحلته عند التعليم الأكاديمي، إذ توسعت اهتماماته لتشمل البحث العلمي وصحة المجتمع، مع تركيز على العلاقة بين صحة الفم والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسات الصحية، ومن بينها تأثير إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب.
كما اكتسب خبرات بحثية ومهنية من خلال عمله في معهد فورسيث، إلى جانب التدريب المتقدم في مجال زراعة الأسنان.
من العيادة إلى فكرة «ريموبراش»
كان الاحتكاك اليومي بالمرضى أحد أهم مصادر الإلهام وراء مشروعه الريادي.
يقول الريح إنه لاحظ، أثناء عمله مع المرضى في عيادته الخاصة وفي مراكز الرعاية الصحية المجتمعية، تكرار مشكلات مثل حساسية اللثة ورائحة الفم وتسوس الأسنان، رغم اختلاف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للمرضى.
وفي الوقت نفسه، كان يعرف المسواك منذ نشأته السودانية، باعتباره وسيلة تقليدية لتنظيف الأسنان منتشرة في السودان والشرق الأوسط وأجزاء من أفريقيا وآسيا.
لكن المشكلة التي لاحظها كانت أن بعض المرضى الذين كان ينصحهم باستخدام المسواك لم يكونوا يرغبون في استخدام غصن طبيعي بالطريقة التقليدية.
ومن هنا جاءت الفكرة التي تحولت لاحقًا إلى شركة ناشئة: لماذا لا يتم تقديم فوائد المسواك في شكل فرشاة أسنان حديثة؟
وبحث الريح عن منتجات مشابهة، لكنه لم يجد نموذجًا يطابق الفكرة التي كانت في ذهنه، ليقرر تحويلها من مجرد فكرة إلى مشروع تجاري.
تقوم فكرة RemoBrush على دمج المسواك في تصميم فرشاة أسنان حديثة، بحيث يستفيد المستخدم من الموروث التقليدي للعناية بالفم مع الحصول على تجربة استخدام مألوفة لفرشاة الأسنان.
ويشير المشروع إلى استخدام المسواك، المستخرج من شجرة Salvadora persica، التي ارتبط استخدامها منذ قرون بتنظيف الأسنان والعناية بالفم، خصوصًا في المجتمعات الإسلامية.
كما يركز المنتج على الجانب البيئي، من خلال استخدام الخيزران في المقبض، بهدف تقليل الاعتماد على البلاستيك المستخدم في فرش الأسنان التقليدية.
وبذلك يحاول المشروع الجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية: التقاليد، والعلوم الحديثة، والاستدامة.

البداية من مشروع صغير
لم يبدأ الريح مشروعه بإمكانات ضخمة، بل تعامل معه في البداية كهواية ومبادرة صغيرة.
واستفاد من منصات التمويل الجماعي، بينها Kickstarter ومنصة LaunchGood، لإطلاق المشروع والحصول على دعم أولي دون الحاجة إلى تحمل تكاليف كبيرة في المراحل الأولى.
ومع زيادة الاهتمام بالمنتج، بدأ المشروع يتحول تدريجيًا من تجربة جانبية إلى شركة ناشئة تحمل طموحًا أكبر.
وبحسب المعلومات الواردة في المواد التي تناولت الشركة، تأسست RemoBrush عام 2024 في بوسطن، وحققت مبيعات تجاوزت 30 ألف وحدة، مع وصول المشروع إلى مرحلة تحقيق الأرباح.
ويقول الريح إن نشاط الشركة بدأ يقترب من مستوى دخله كطبيب أسنان، وهو ما دفعه إلى التفكير في منح المشروع أولوية أكبر والعمل على توسيع نطاقه.
ورغم النجاح الذي بدأ يحققه مشروعه، لا ينظر الريح إلى نفسه باعتباره رجل أعمال فقط.
فهو يؤكد أن طب الأسنان السريري لا يزال يمثل جزءًا أساسيًا من هويته المهنية، وأن تطوير مهاراته كطبيب وتحسين مستوى الرعاية التي يقدمها لمرضاه يمثلان أولوية بالنسبة إليه.
كما ارتبط مساره بالعمل الأكاديمي والتدريس السريري، حيث يساهم في تدريب طلاب طب الأسنان ونقل خبراته إلى الأجيال الجديدة.
ويؤمن الريح بأن الجمع بين العمل السريري والتعليم وريادة الأعمال يمكن أن يفتح مساحات جديدة للتأثير في قطاع صحة الفم.
السودان حاضر في المشروع
رغم أن المشروع نشأ في الولايات المتحدة، فإن جذوره السودانية حاضرة بقوة في فكرته.
فالمسواك الذي يمثل قلب المنتج ليس مجرد مادة طبيعية بالنسبة إلى الريح، بل جزء من ثقافة نشأ عليها ويعرف استخدامها منذ طفولته.
كما أن زيارته للسودان واطلاعه على التفاوت في الحصول على الرعاية الصحية، وخاصة خدمات طب الأسنان، عززا لديه فكرة أن صحة الفم يجب ألا تكون خدمة فاخرة.
ولهذا يتجاوز طموحه بيع فرشاة أسنان جديدة؛ إذ يأمل أن يسهم المشروع مستقبلًا في توسيع الوصول إلى منتجات العناية بالفم، بما في ذلك في المجتمعات الأقل حصولًا على الرعاية الصحية.
ويؤكد الريح أن المرشدين الذين التقى بهم خلال مسيرته كان لهم تأثير كبير في تطوره المهني.
ومن بين الشخصيات التي يشير إليها الدكتور فؤاد، الذي عمل معه في مانشستر بولاية نيوهامبشير، والذي ساعده على تطوير مهاراته السريرية وفهم مفهوم الرعاية الشاملة للمرضى.

كما يشير إلى الدكتورة ندى الصادق، التي عمل معها بعد انتقاله إلى فرجينيا، معتبرًا أن وجود بيئة مهنية تستثمر في مهارات الطبيب وتدفعه إلى التفكير بصورة إبداعية كان عاملًا مهمًا في مسيرته.
ومن هذه التجارب، يوجه الريح نصيحة إلى طلاب طب الأسنان بضرورة البحث مبكرًا عن المرشدين وحضور المؤتمرات والتواصل مع أصحاب الخبرة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...