صوت الأمة: سارة عطية

جاءت مليونية 30 يونيو 2019 في واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ الثورة السودانية، فبعد أقل من شهر على فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو، الذي خلّف مئات القتلى والجرحى، وأدخل البلاد في حالة من الصدمة، تصاعدت المخاوف من انكسار الحراك الشعبي ونجاح المجلس العسكري في فرض واقع سياسي جديد ينهي أحلام السودانيين في التحول المدني والديمقراطي.

حين استعادت الثورة أنفاسها

لكن المشهد الذي بدا قاتمًا آنذاك تبدل بصورة لافتة مع خروج مئات الآلاف من السودانيين في الخرطوم ومدن وولايات أخرى في مليونية حاشدة أعادت الزخم إلى الثورة، وأكدت أن الشارع لا يزال قادرًا على فرض حضوره رغم القمع والانتهاكات. ولم تقتصر أهمية تلك المليونية على حجم المشاركة الجماهيرية فحسب، بل تجاوزتها إلى إعادة تشكيل موازين القوى السياسية، ودفع الأطراف المتنازعة إلى العودة إلى طاولة التفاوض، وصولًا إلى توقيع الوثيقة الدستورية وتشكيل مؤسسات الفترة الانتقالية.

وبعد سنوات شهدت انقلاب 25 أكتوبر 2021، وانهيار مسار الانتقال الديمقراطي، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023، عادت ذكرى مليونية 30 يونيو إلى واجهة النقاش السياسي بوصفها إحدى أهم محطات الثورة. وبين من يعتبرها لحظة أنقذت الثورة من الانكسار ورسخت قوة المقاومة المدنية، ومن يرى أنها لم تنجح في معالجة جذور الأزمة السياسية السودانية، يظل السؤال قائمًا: ماذا حققت مليونية 30 يونيو سياسيًا؟ وكيف ينظر السودانيون اليوم إلى إرثها بعد سنوات من الانقسام والحرب؟

ورغم الاتفاق على أهمية مليونية 30 يونيو في مسار الثورة السودانية، فإن تقييم نتائجها السياسية لا يزال محل تباين بين المحللين والفاعلين السياسيين.

تحول سياسي أم تغيير محدود؟

ويرى المحلل السياسي الدكتور مصطفى الجميل أن مظاهرات الثلاثين من يونيو، رغم أهميتها في مسار الثورة السودانية، لم تُحدث التحول السياسي الجذري الذي كان ينتظره السودانيون.

وقال الجميل لـ«صوت الأمة» إن التحول السياسي الحقيقي لا يقتصر على إبعاد أشخاص أو إسقاط أنظمة، وإنما يقوم على الاعتراف بالآخر السياسي بوصفه شريكًا في الوطن، ومن هذا الاعتراف تبدأ عملية بناء الدولة ومعالجة الأزمات الوطنية بصورة مستدامة.

وأضاف أن ما جرى بعد الثورة أدى إلى إبعاد بعض رموز نظام الإنقاذ، لكنه لم يمس البنية الأساسية التي قامت عليها الدولة خلال العقود السابقة، مشيرًا إلى أن جذور الأزمة السياسية لم تُعالج بصورة شاملة، وأن ما وصفه بـ«البلوك الأساسي» للنظام السابق ظل حاضرًا ومؤثرًا في مؤسسات الدولة.

واعتبر أن قوى الثورة كان يمكن أن تتبنى نهجًا أكثر توافقًا، يقوم على حوار وطني واسع بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، وصولًا إلى فترة انتقالية متفق عليها تنتهي بانتخابات حرة ونزيهة تحسم التنافس على السلطة عبر صناديق الاقتراع.

وأشار إلى أن عددًا من القوى السياسية والمسلحة لم يجد مساحة كافية للمشاركة في صياغة المرحلة الجديدة، من بينها الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، رغم تأييدها لفكرة التغيير، الأمر الذي ساهم في استمرار حالة الاستقطاب والخلافات السياسية.

ولفت إلى أن اتفاق جوبا للسلام كشف لاحقًا حجم التباينات بين الحركات المسلحة والقوى المدنية، حيث شعرت بعض حركات الكفاح المسلح بأن نصيبها في السلطة لا يتناسب مع وزنها السياسي والعسكري، وهو ما عكس، بحسب رأيه، غياب توافق وطني شامل حول شكل المرحلة الانتقالية ومستقبل البلاد.

ويرى الجميل أن المكاسب السياسية التي حققتها مليونية 30 يونيو ظلت محدودة مقارنة بحجم التحديات البنيوية التي واجهت الدولة السودانية، مشبهًا ما تحقق بمن يقتطع جزءًا صغيرًا من صخرة كبيرة، في إشارة إلى أن التغيير لم يطاول جوهر الأزمة السياسية.

وأضاف أن كثيرًا من السودانيين باتوا ينظرون إلى المرحلة الانتقالية باعتبارها مشروعًا لم يكتمل، وأن حالة الاستقطاب والفوضى السياسية التي أعقبت الثورة أسهمت، بصورة أو بأخرى، في الوصول إلى الحرب التي تعيشها البلاد اليوم.

وأكد أن المقاومة المدنية لا تقتصر على التظاهر، وإنما تشمل بناء توافق وطني حول قضايا الدولة والحرب والسلام، والاتفاق على تشخيص الأزمة الوطنية، ثم العمل على وقف الحرب والعنف، وإقرار قوانين تنظم العمل السياسي والانتخابي، وصولًا إلى انتخاب برلمان يضع دستورًا دائمًا يؤسس لاستقرار البلاد ويحد من دورات الصراع والعنف السياسي.

المليونية أنقذت الثورة من الانكسار

في المقابل، يرى المحلل السياسي الدكتور إبراهيم الطيب أن مليونية 30 يونيو مثلت نقطة التحول الأبرز في مسار الثورة السودانية، وأنها أنقذت الحراك الشعبي من أخطر اختبار واجهه منذ اندلاعه في ديسمبر 2018.

ويقول الطيب، في حديثه لـ«صوت الأمة»، إن المليونية جاءت بعد أسابيع قليلة من فض اعتصام القيادة العامة، وهو الحدث الذي خلّف صدمة عميقة وسط الثوار، وأثار مخاوف واسعة من نجاح المكون العسكري في فرض سيطرته الكاملة على المشهد السياسي، وإجهاض مطالب الثورة.

وأضاف أن السودانيين خرجوا في ذلك اليوم في مواكب حاشدة وغير مسبوقة، وكأنهم يخرجون إلى الشوارع للمرة الأولى، في رسالة واضحة مفادها أن الثورة لم تنكسر، وأن الشارع لا يزال يمتلك أدوات الضغط والتأثير.

ويرى الطيب أن مليونية 30 يونيو أعادت رسم ميزان القوى في ذلك الوقت، إذ أجبرت المجلس العسكري الانتقالي على العودة إلى طاولة المفاوضات مع قوى إعلان الحرية والتغيير من موقع تفاوضي أضعف، بعد أن كان يسعى إلى الانفراد بإدارة المرحلة السياسية.

وأشار إلى أن الزخم الشعبي الذي صنعته المليونية أسهم بصورة مباشرة في استئناف العملية السياسية، والتوصل إلى الوثيقة الدستورية التي نظمت ترتيبات تقاسم السلطة خلال المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن تلك النتائج لم تكن لتتحقق لولا الضغط الجماهيري الواسع الذي شهدته البلاد.

وبينما يركز أنصار هذا الرأي على المكاسب السياسية التي حققتها المليونية في حينها، فإن تقييم إرثها اليوم يبدو أكثر تعقيدًا في ظل التطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات اللاحقة.

ويقول الطيب إن السودانيين ينظرون اليوم إلى ذكرى 30 يونيو بمزيج من الفخر والحسرة؛ الفخر لأنها جسدت واحدة من أوسع لحظات الوحدة الشعبية في تاريخ السودان الحديث، والحسرة لأن الآمال التي حملتها تلك المرحلة اصطدمت لاحقًا بالخلافات السياسية والانقلاب العسكري، ثم الحرب.

ومع ذلك، يؤكد أن ذكرى مليونية 30 يونيو لا تزال تمثل رمزًا حيًا للمقاومة المدنية، ودليلًا على قدرة الشارع السوداني على فرض إرادته عندما تتوحد أهدافه، مشيرًا إلى أن شعارات «حرية، سلام، وعدالة» ما تزال حاضرة في الوجدان العام، باعتبارها مشروعًا لم يكتمل بعد.

وبين قراءتين مختلفتين لنتائج مليونية 30 يونيو، تبقى الحقيقة التي يتفق عليها كثيرون أن ذلك اليوم شكّل محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، وأنه أعاد التأكيد على قوة الفعل الجماهيري وقدرته على التأثير في مسار الأحداث. وبينما تختلف الآراء حول حجم ما تحقق من أهداف الثورة، تظل المليونية واحدة من أبرز اللحظات التي رسخت في الوعي السوداني فكرة أن الشارع قادر على تغيير المعادلات السياسية.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...