رجال أخفوا وجوههم.. وفتيان لم يستطيعوا ذلك
حكايات ــ صوت الأمة
في صباح أحد أيام السبت، أغلق مئات الرجال الملثمين ميناء دوفر البريطاني. ارتدوا ملابس سوداء، وغطوا وجوههم، وتسببوا في شل حركة المدينة لنحو ثلاث ساعات.
خارج مركز لاستقبال المهاجرين، كُتبت عبارة "الدماء على أيديكم"، وقال سائق سيارة إنه يخشى على حياته، بينما جلست نساء داخل سياراتهن خائفات، لا يعرفن ماذا يحدث حولهن.
كان المشهد صاخباً ومشحوناً بالخوف.
لكن بعيداً عن دوفر، وفي غرفة هادئة بمدينة برمنغهام، كانت هناك حكاية أخرى.
أربعة عشر شاباً سودانياً، تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة، جلسوا في الغرفة نفسها، يتحدثون عن حياتهم، وما تركوه خلفهم، وما يحلمون بأن يصبحوا عليه.
هؤلاء هم الفتيان الذين يخشى منهم بعض أولئك الرجال الملثمين.
لكن من يجلس معهم لا يرى الصورة نفسها.
يرى شباباً عبروا الصحراء، ونجوا من ليبيا، وخاطروا بعبور القناة الإنجليزية، ووصلوا إلى بلد لا يعرف أسماءهم، ثم بدأوا من جديد.
لم يكن بإمكانهم إخفاء وجوههم. كان عليهم أن يحكوا.
طارق.. يريد أن يبني مدرسة
عبر طارق الصحراء، ونجا من ليبيا، ثم عبر القناة الإنجليزية.
وفي الغرفة، تحدث بهدوء وثقة عن حلمه، لم يقل إنه يريد فقط أن يدخل المدرسة، قال إنه يريد يوماً ما أن يبني مدرسة.
مدرسة تمنح أطفالاً آخرين الفرصة التي كاد هو أن يموت من أجلها. كان بإمكانه أن يتحدث عن الطريق الذي قطعه، وعن الخوف والجوع والموت الذي رآه، لكنه اختار أن يتحدث عن المستقبل.
ربما لأن الإنسان، بعد كل ما يمر به، يحتاج إلى شيء يتطلع إليه كي يواصل السير.
ناجي.. أربعة أشخاص غرقوا أمامه
جلس ناجي على متن قارب، وشاهد أربعة أشخاص يغرقون في البحر، بعض الأشياء تكون أثقل من أن تُروى بالكلمات.
لذلك أخذ ناجي الطباشير ورسم، كان الرسم طريقته في الحديث عن شيء لا تزال الكلمات عاجزة عن حمله.
لم يكن يرسم البحر فقط، كان يرسم أشخاصاً تركهم خلفه، وذاكرة لم يستطع أن يتركها معه في القارب.
محمد.. اختار اللون الأحمر
عثر محمد على والده ميتاً في حقل، مقتولاً بالرصاص، وحين حاول التعبير عن تلك اللحظة، اختار اللون الأحمر.
لم يحتج إلى شرح طويل، كان اللون كافياً ليقول شيئاً من الذي بقي داخله.
أحياناً، لا يحتاج الألم إلى الكثير من الكلام، يكفي أن تمنحه لوناً.
عبد الله.. أيام تحت سيارة في الصحراء
احتمى عبد الله تحت سيارة جيب معطلة في الصحراء لأيام.
لم يكن معه طعام ولا ماء، إلى أن عثر عليه غرباء، ومع ذلك، ما زال هنا، ما زال يحاول، وما زال يتحدث عن أخته الصغيرة، وملابس أمه، وفريق كرة القدم الذي كان يعشقه.
تفاصيل تبدو صغيرة أمام رحلة بهذه القسوة، لكنها بالنسبة إلى عبد الله ليست صغيرة، إنها بقايا الحياة التي تركها خلفه.
أشياء تذكره بمن كان قبل أن يصبح مجرد شاب وصل عبر البحر إلى بريطانيا.
البركة.. "كنا نشعر بالأمان دائماً"
أصيب البركة في قدمه بمؤخرة مسدس في ليبيا، وعندما سُئل عن الجلسات التي شارك فيها، قال ببساطة: كنا نشعر بالأمان دائماً".
جملة قصيرة، لكنها تكشف كثيراً عن معنى الأمان بالنسبة إلى شاب مر بكل ذلك.
ليسوا ملفات.. بل أسماء
طارق .. ناجي .. محمد .. عبد الله. .البركة".
خمسة أسماء من بين أربعة عشر شاباً سودانياً جلسوا في تلك الغرفة، ليسوا مجرد أرقام في ملفات الهجرة، ولا مجرد وجوه تظهر في صور القوارب الصغيرة، وراء كل واحد منهم قصة.
أم تنتظر، أب فقده، أخت صغيرة، بيت لم يعد موجوداً في حياته بالطريقة نفسها، وحلم يحاول أن يمنحه فرصة أخرى.
وخلال العمل مع هؤلاء الشباب، جرى قياس طموحاتهم وما يحتاجون إليه.
كانت النتائج لافتة.
نحو 90 في المائة منهم اعتبروا التعليم طموحاً أساسياً، بينما حدد نحو 80 في المائة مهن يريدون الوصول إليها، بينها الهندسة والطب والعمارة وإدارة الأعمال والميكانيكا.
وكانت العائلة مصدر القوة الأكبر لنحو 85 في المائة منهم، فيما رأى نحو 60 في المائة أن الإيمان يمثل ركناً أساسياً في حياتهم.
أما اللغة الإنجليزية، فاعتبرها نحو 85 في المائة منهم أكبر عائق أمامهم.
وقال نحو 75 في المائة إنهم يجدون صعوبة في طلب المساعدة.
وهذه النسبة الأخيرة تستحق التوقف.
فالشاب الذي تعلم طوال رحلته أن الاعتماد على نفسه قد يكون مسألة بقاء، لا يتعلم بسهولة كيف يمد يده طالباً المساعدة.
ومع ذلك، قيّم جميع المشاركين البرنامج الذي خضعوا له بخمس درجات من خمس، وقال كل واحد منهم إنه سيكرر التجربة.
بين القناع والوجه
في دوفر، غطى الرجال وجوههم، وفي برمنغهام، كشف الفتيان وجوههم وحكاياتهم.
هناك كان الخوف يتحدث من خلف الأقنعة، وهنا كان الخوف نفسه يجلس على الكراسي، ويتحول إلى كلمات ورسومات وأحلام.
المفارقة أن هؤلاء الفتيان لم يصلوا إلى بريطانيا حاملين الكثير.
وصلوا بعد أن فقدوا الكثير.
ومع ذلك، ظلوا يتحدثون عن التعليم والعمل والمستقبل.
طارق يريد أن يبني مدرسة.
وآخرون يريدون أن يصبحوا أطباء ومهندسين ومعماريين وميكانيكيين.
ناجي رسم الأشخاص الذين غرقوا أمامه.
ومحمد اختار الأحمر ليحكي عن والده.
وعبد الله ما زال يتحدث عن أخته الصغيرة وملابس أمه وفريق كرة القدم الذي أحبه.
هنا تتغير الحكاية، فخلف عبارة "القوارب الصغيرة" يوجد صبي.
وخلف الأرقام يوجد إنسان.
وخلف الخوف وجه.
لا مشكلة في أن نسأل.. لكن لنسأل عن الإنسان أيضاً
ليس من العدل اختزال النقاش حول الهجرة في العاطفة وحدها.
من حق أي مجتمع أن يسأل عن حدوده، وقدرته على استيعاب القادمين، والضغط على المدارس والإسكان والخدمات.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسئلة المشروعة إلى خوف من أشخاص لا نعرفهم.
فبحسب الأرقام التي أوردها الكاتب، كانت عمليات عبور القوارب الصغيرة في صيف هذا العام هي الأدنى منذ عام 2020، كما انخفض عدد الوافدين بين يناير وسبتمبر بنسبة 43 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ومع ذلك، ظل الخوف حاضراً، وربما لهذا تصبح معرفة هؤلاء الشباب أكثر أهمية.
ليس للدفاع عن الهجرة أو تبريرها، وإنما لفهم من هم الأشخاص الذين نتحدث عنهم.
ماذا نريد منهم؟
إذا كان التعليم هو الطموح الأول لمعظم هؤلاء الشباب، فإن الطريق إليه يحتاج إلى أكثر من مجرد فتح باب المدرسة.
وإذا كانت اللغة هي العائق الأكبر أمامهم، فإن تعليم الإنجليزية يصبح مفتاحاً لبقية الأبواب.
وإذا كانت العائلة والإيمان مصدر قوّتهم، فإن التعامل معهما باحترام قد يكون جزءاً من بناء الثقة.
أما إذا كان ثلاثة أرباعهم يجدون صعوبة في طلب المساعدة، فإن انتظارهم حتى يطلبوها قد يعني انتظاراً طويلاً.
هذه ليست مجرد احتياجات اجتماعية.
إنها مفاتيح لفهم شباب وصلوا إلى مجتمع جديد وهم يحملون آثار مجتمع آخر وحرب أخرى ورحلة طويلة.
لقد أنجزوا الجزء الأصعب
عبروا الصحاري، نجوا من ليبيا، شاهد بعضهم البحر يبتلع أشخاصاً كانوا معهم.
وصلوا إلى بلد لا يعرف أسماءهم، وبدأوا من جديد، ثم جلسوا في غرفة، وتحدثوا عن كل ذلك، بعضهم بكى، بعضهم رسم، وبعضهم وجد الكلمات، لكنهم جميعاً فعلوا شيئاً واحداً:
استمروا.
استمروا في المحاولة.
واستمروا في تخيل مستقبل يستحق السعي إليه.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في القصة.
الرجال الذين خرجوا إلى ميناء دوفر أخفوا وجوههم خلف الأقنعة.
أما هؤلاء الفتيان، الذين حملوا معهم الخوف والموت والفقد، فلم يكن لديهم ما يخفونه.
كشفوا وجوههم، ورسموا أحزانهم، وتحدثوا عن آبائهم وأمهاتهم وإخوتهم.
ثم تحدثوا عن المستقبل، ربما تكون هذه هي الشجاعة الحقيقية.
أن ترى كل ما حدث لك، ولا تسمح له بأن يقرر وحده ما ستكون عليه، طارق، ناجي، محمد، عبد الله، البركة.
أسماء خمسة فتيان من بين أربعة عشر، لكن وراء كل اسم حكاية.
وحين نسمع الحكاية، يصبح من الصعب أن نرى "القوارب الصغيرة" وحدها، نرى الإنسان الذي كان داخلها.
ستيفن راسل كير، ميسر ذو خبرة، مشروع ELEV8، ومؤلف كتاب "قطرة قطرة، يومًا بعد يوم: إيجاد الهدف من خلال الألم".



التعليقات (0)
جاري التحميل...