صوت الأمة ــ عبد الله حسن

"أن تتوقف الحرب، وأن يعود الناس إلى بيوتهم، وأن يكبر الأطفال وهم يعرفون المدرسة لا أصوات الرصاص".. بهذه الرسالة الإنسانية اختتمت الروائية السودانية زينب بليل حديثها في برنامج "السودان بودكاست" مع الإعلامي ربعي سراج، داعية إلى وقف الحرب في السودان وحماية الإنسان من آثارها، ومؤكدة أن مستقبل البلاد يرتبط بعودة الأمن والاستقرار وصون حياة المدنيين.

وخلال الحوار، قدمت زينب بليل قراءة عميقة لعلاقة الأدب بالذاكرة السودانية، مستحضرة دور الحكايات الشعبية والتراث الشفهي في تشكيل الوعي والهوية. وبدا حديثها امتدادًا لمسيرتها كروائية كرست أعمالها لتوثيق تفاصيل المجتمع السوداني والاقتراب من الإنسان في مختلف حالاته.

وترى بليل أن الرواية تنشأ من تفاصيل الحياة اليومية، ومن البيوت التي تحفظ الحكايات الأولى، ومن ذاكرة الجدات التي تنتقل عبر الأجيال. واستعادت جانبًا من طفولتها التي ارتبطت بأحاجي الجدة وأغاني الحكي الشعبي، وعلى رأسها العبارة التي كانت تبدأ بها الجدات رواياتهن: "حجيتكم ما بجيتكم، خيرًا جانا وجاكم"، مؤكدة أن تلك العوالم شكلت أساسًا مهمًا في تكوين تجربتها الإبداعية.

وتحدثت الروائية السودانية عن رحلتها مع الكتابة والصعوبات التي واجهتها في بداياتها، مشيرة إلى أنها أعادت صياغة روايتها الأولى مرات عدة قبل وصولها إلى النشر، بعد ملاحظات ارتبطت بمضمونها السياسي. وتمسكت بليل بمشروعها الأدبي، انطلاقًا من إيمانها بأن الكاتب يحتاج إلى الصبر والمثابرة للوصول إلى صوته الخاص.

وتحتل القضايا الاجتماعية مساحة بارزة في أعمال زينب بليل، حيث تناولت موضوعات مرتبطة بالموروث والعادات والتحولات داخل المجتمع السوداني، من بينها الشلوخ والرحط وختان الإناث، عبر محاولة لفهم الإنسان في سياقه التاريخي والثقافي، وقراءة الأسئلة التي ظلت حاضرة في حياة الناس.

وفي روايتها "نبات الصبار"، قدمت بليل رمزًا يحمل دلالات واسعة عن السودان والإنسان السوداني، حيث يعبر الصبار عن القدرة على الاستمرار رغم قسوة الظروف، والاحتفاظ بالحياة رغم التحديات. وقد نالت الرواية جائزة الشهيد الزبير للإبداع والتميز العلمي، لتصبح واحدة من أبرز محطات تجربتها الأدبية.

كما منحت زينب بليل في أعمالها حضورًا واسعًا للشخصيات البسيطة والمهمشة، مقدمةً حكايات الناس العاديين باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ المجتمع وذاكرته، ومؤكدة أن تفاصيل الحياة اليومية تحمل الكثير من القصص التي تستحق أن تُروى.

وتُعد زينب حاج بليل الزين، المولودة في مدينة سنجة بولاية سنار عام 1947، من الأسماء البارزة في الأدب السوداني. حصلت على دبلوم معهد تدريب المعلمات، وتخرجت من كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان في تخصص النقد والدراسات المسرحية، كما نالت دبلومًا في الدراسات الإنسانية.

وعملت بليل في مجال الإعلام الثقافي، حيث أعدت وقدمت عددًا من البرامج الإذاعية، من بينها "منتدى القصة" و"كن جميلًا" و"كلام سوداني"، إلى جانب نشاطها في المؤسسات الأدبية والثقافية، وتشغل رئاسة منتدى السرد والنقد، ولها إسهامات متعددة في العمل الثقافي والمجتمعي.

ومن أبرز أعمالها الروائية: "الاختيار" (1984)، و"كش ملك"، و"نبات الصبار" (2011)، و"حاملات القرابين أو رحلة عبور من هناك إلى هنا وبالعكس" (2016). كما حصلت على جائزة الدولة للنصوص الدرامية عن عمل "المحاكمة" عام 1975.

وفي ظل الحرب التي يعيشها السودان، حمل حديث زينب بليل رسالة واضحة ركزت فيها على أولوية السلام ووقف القتال، حتى يستعيد السودانيون حياتهم الطبيعية، ويعود الأطفال إلى مقاعد الدراسة بعيدًا عن الخوف، وتستعيد المدن روحها وحكاياتها التي تمثل جوهر الوطن وذاكرته.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...