ترجمة _  نادرة المهدي

كشف تقرير لشبكة CNN أن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تعيش تصعيدًا غير مسبوق في هجمات الطائرات المسيّرة، في وقت أصبحت فيه هذه الطائرات السلاح الأبرز في الحرب السودانية، محولة حياة المدنيين إلى حالة من الخوف الدائم من هجمات قد تأتي من السماء في أي لحظة.
وروى التقرير شهادات مؤلمة لعدد من سكان المدينة، من بينهم الشاب الصادق (27 عامًا)، الذي قال  "لا أحد يستطيع الاختباء من غارة بطائرة مسيّرة"، واصفًا كيف أصبحت أبسط تفاصيل الحياة اليومية محفوفة بخطر الموت.
وأوضح الصادق أنه كان يجلس في محطة لشاحنات المياه بمدينة الأبيض في 24 يونيو الماضي عندما تعرض المكان لغارة بطائرة مسيّرة أدت إلى بتر ساقه اليسرى، مضيفًا: "عندما نسمع صوت الطائرة المسيّرة نحاول الاحتماء داخل مبنى خرساني، لكنها تضرب فجأة، ولا نعرف متى أو أين سيكون الاستهداف".
وفي الموقع نفسه، كان أحمدو، وهو سائق شاحنة صرف صحي يبلغ من العمر 42 عامًا، يؤدي عمله عندما استهدفت الغارة مجموعة من شاحنات المياه، ما أدى إلى مقتل ابنه البالغ من العمر تسع سنوات، والذي كان قد حضر لمقابلته بعد انتهاء اليوم الدراسي، إضافة إلى مقتل اثنين من زملائه.
وقال أحمدو إن عائلته قضت ساعات طويلة تبحث عن الطفل قبل أن تعثر على جثمانه داخل الشاحنة التي احترقت بالكامل بعد إخماد النيران.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحادثة تعكس التحول الكبير في طبيعة الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بعد انهيار الشراكة التي أعقبت انقلاب أكتوبر 2021.
وأكد التقرير أن مدينة الأبيض، التي يقطنها أكثر من نصف مليون نسمة وتستضيف قرابة 100 ألف نازح فروا من مناطق القتال، تشهد خلال الأسابيع الأخيرة أعنف موجة من هجمات الطائرات المسيّرة التي تنفذها قوات الدعم السريع، في محاولة لإعادة فرض الحصار على المدينة بعد أن تمكن الجيش السوداني من فكه سابقاً .
وأضاف أن الغارات استهدفت البنية التحتية الحيوية، ومحطات المياه، والطريق القومي الرئيسي المؤدي إلى المدينة، الأمر الذي زاد من صعوبة حركة المدنيين ووصول الإمدادات.
ونقل التقرير تحذير الأمم المتحدة من أن الحرب في السودان دخلت مرحلة أكثر دموية مع التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى أن الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 شهدت مقتل ما لا يقل عن 880 مدنيًا بسبب هجمات المسيّرات، وهو ما يمثل أكثر من 80% من إجمالي الضحايا المدنيين الذين وثقتهم الأمم المتحدة خلال تلك الفترة.
وأوضح التقرير أن الحرب التي بدأت كمعارك برية تحولت تدريجيًا إلى حرب تعتمد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، سواء التجارية المعدلة أو العسكرية المتطورة، بعد حصول طرفي الصراع على تقنيات ومعدات من جهات خارجية.
وبحسب منتدى الدفاع الأفريقي (ADF)، فإن كلا الطرفين غيّر تكتيكاته العسكرية باتجاه استخدام الأسلحة الجوية، بعد وصول العمليات البرية إلى حالة من الجمود في العديد من الجبهات.
وأشار التقرير إلى أن الطائرات التركية من طراز بيرقدار TB2 ساعدت القوات المسلحة السودانية العام الماضي في استعادة العاصمة الخرطوم من قوات الدعم السريع، بعد استخدامها في تنفيذ ضربات دقيقة واستطلاع طويل المدى.
وأكد التقرير أن اتساع استخدام الطائرات المسيّرة أدى إلى اختفاء مفهوم "المناطق الآمنة"، حيث أصبحت الأسواق والمدارس ومحطات الوقود ومرافق المياه والمركبات المدنية أهدافًا متكررة للهجمات.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن مكتبه وثق خلال شهر يونيو وحده 15 غارة بطائرات مسيّرة في مدينة الأبيض ومحيطها، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 45 مدنيًا، مرجحًا أن يكون العدد الحقيقي للضحايا أكبر من ذلك.
وأوضح التقرير أن الهجمات أثرت كذلك على عمليات الإغاثة، حيث استهدفت طائرة مسيّرة في وقت سابق من يوليو شاحنة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت تنقل 50 طنًا من المساعدات الإنسانية للأسر النازحة، في ثاني حادثة من نوعها خلال العام الجاري.
وفي السياق نفسه، قال المدير القطري للمجلس النرويجي للاجئين في السودان، شاشوات ساراف، إن العائلات في الأبيض فقدت أبناءها وأطرافها ومنازلها، فيما يعاني الناجون من الجوع والتشرد وانعدام المأوى.
واختتم التقرير بشهادة الصادق، الذي نجا من ثلاث هجمات سابقة قبل أن يفقد ساقه في الرابعة، قائلاً: "عندما تخرج من منزلك لا تعرف إن كنت ستعود أم لا، فقد تجد نفسك جالسًا في مكان ما، ثم يسقط صاروخ بجوارك، وقد تنجو أو تموت، لا أحد يعلم."

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...