صوت الأمة

لم يكن كرم حسن يتخيل أن بحثه عن الحرية والأمان سيقوده إلى رحلة بحرية كادت تنتهي بموته، ثم إلى مخيم كاليه شمالي فرنسا، حيث عاش ظروفاً قاسية قبل أن يتمكن من بناء حياة جديدة. فمن السودان، الذي غادره هرباً من الملاحقات الامنية، إلى العمل في شركة لوريال العالمية، خاض حسن رحلة طويلة جمع فيها بين النجاة والتعلم والإصرار، ليصبح مدير مشروعات، ومؤسس جمعية تُعنى بدمج اللاجئين، ومؤلف كتاب يوثق تجربته.

وُلد حسن عام 1987 في مدينة سرف عمرة بإقليم دارفور غربي السودان. ومع اندلاع الحرب في الإقليم عام 2003، اضطرت أسرته إلى الانتقال إلى الخرطوم بحثاً عن الأمان. وكان يحلم بأن يصبح صحفياً، فدرس العلاقات العامة والصحافة في جامعة الخرطوم، قبل أن يغادر إلى الهند عام 2010 لدراسة التجارة الإلكترونية.

وخلال وجوده في الهند، انخرط في أنشطة معارضة لنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وساهم في تنظيم تحركات تهدف إلى التعريف بالحرب في السودان. لكن عودته إلى بلاده حملت منعطفاً خطيراً؛ إذ تعرض للاعتقال والاستجواب بسبب نشاطه السياسي، واتُّهم بالارتباط بجهات معارضة.

وبحسب روايته، أُفرج عنه بشرط تقديم معلومات للأجهزة الأمنية عن أشخاص في محيطه السكني. ووجد نفسه أمام خيار يتعارض مع قناعاته، إذ لم يكن مستعداً للتجسس على جيرانه ومعارفه. ومع استمرار الضغوط، قرر مغادرة السودان، مستعيناً بمدخرات أسرته التي قدمتها له أملاً في أن يجد طريقاً إلى الأمان.

تسعة أيام في البحر.. رحلة كادت تنتهي بالموت

في أغسطس 2014، دخل حسن مصر بصورة غير نظامية، واتفق مع مهربين على نقله إلى أوروبا مقابل نحو ثلاثة آلاف دولار. لكن الوعود التي تلقاها لم تطابق الواقع؛ فبدلاً من السفر على متن سفينة كبيرة كما أُبلغ، وجد نفسه على متن قارب صغير، ثم نُقل مع مهاجرين آخرين إلى قارب مكتظ.

لم يكن حسن يجيد السباحة، وهو ما ضاعف خوفه من البحر. وتفاقمت المعاناة مع نقص الوقود والطعام وسوء الظروف الصحية، بينما اضطر بعض المهاجرين إلى البقاء في مكان مغلق تنبعث منه روائح كريهة. واستمرت الرحلة تسعة أيام، عاش خلالها لحظات اعتقد فيها أن الموت بات وشيكاً.

وبعد وصوله إلى إيطاليا، حصل على فرصة للراحة في مركز لاستقبال المهاجرين، قبل أن يواصل رحلته إلى فرنسا. ولم يكن الوصول إلى الأراضي الأوروبية نهاية المحنة، فقد ظل يبحث عن مكان يستطيع فيه بدء حياة مستقرة، بعيداً عن الخوف الذي دفعه إلى مغادرة بلاده.

كاليه.. مخيم قاسٍ وصديق لم يعد

وصل حسن إلى كاليه، حيث كان يأمل في العبور إلى بريطانيا، مستنداً إلى إجادته اللغة الإنجليزية ومعرفته بأشخاص هناك. لكنه وجد نفسه في مخيم «الغابة»، وسط ظروف معيشية صعبة، ونقص في مقومات النظافة، وصعوبات في الحصول على الطعام، فضلاً عن الخوف من الاعتقال أو الاعتداء.

وكان المهاجرون يحاولون الوصول إلى بريطانيا بالاختباء داخل الشاحنات المتجهة إلى الموانئ، في محاولات محفوفة بالمخاطر. وخاض حسن عدة محاولات للعبور، لكن وفاة صديق مقرب تحت عجلات شاحنة خلال إحدى محاولات الوصول إلى بريطانيا تركت أثراً عميقاً في نفسه، وكشفت له الثمن الباهظ الذي قد يدفعه المهاجرون في سبيل الوصول إلى وجهتهم.

ومع قسوة الحياة في المخيم، اكتشف حسن جانباً إنسانياً لم يكن يتوقعه؛ فقد قدمت جمعيات ومتطوعون الطعام والمساعدة والدعم النفسي للمهاجرين. وأثّر هذا التضامن في قراره، فاختار البقاء في فرنسا والتقدم بطلب اللجوء بدلاً من مواصلة محاولات الوصول إلى بريطانيا.

ويقول حسن إن هدفه عند مغادرة السودان كان أن يعيش حراً وكريماً، وأن يجد مكاناً يشعر فيه بإنسانيته. لكنه أدرك في كاليه كيف يمكن أن يفقد الإنسان كرامته عندما يعجز عن تلبية احتياجاته الأساسية، ويعيش تحت وطأة الخوف والحرمان.

فرانسواز لوبيديز.. بداية الاندماج من اللغة

تقدم حسن بطلب اللجوء في فرنسا في أكتوبر 2014، ثم استقر في مدينة أراس، حيث واجه تحدياً جديداً تمثل في تعلم اللغة الفرنسية. وهناك التقى فرانسواز لوبيديز، وهي معلمة متقاعدة ساعدته على تعلم اللغة، وفتحت أمامه باباً مهماً للتواصل مع المجتمع ومواصلة التعليم.

لم تكن العلاقة مجرد دروس لغوية؛ فقد مثّلت فرانسواز نموذجاً للتضامن الذي يمكن أن يغير حياة اللاجئ، ومنحته دعماً ساعده على استعادة ثقته بنفسه. وترى أن الناجين من رحلات الهجرة الخطرة يستحقون فرصة لبناء مستقبلهم، مستحضرةً مصير من يفقدون حياتهم في البحر قبل الوصول إلى بر الأمان.

أما حسن، فيصف أراس بأنها أصبحت موطنه الثاني، ويقول إن الأشخاص الذين التقاهم منحوه فرصاً للعمل وتكوين الصداقات واستعادة الثقة بالنفس. وبمساعدة من تلقاهم، واصل تعلم الفرنسية، واستكمل دراسته، وحصل على مؤهلات في إدارة المشروعات، قبل الاستفادة من برنامج في معهد الدراسات السياسية بباريس «سيانس بو» ساعده على دخول سوق العمل.

من التدريب إلى منصب في لوريال

شكّل التدريب المهني نقطة تحول في مسيرة حسن. فمن خلال برنامج «سيانس بو»، أتيحت له فرصة التدريب في مؤسسة لوريال، التابعة للمجموعة العالمية المتخصصة في مستحضرات التجميل. وخلال تلك المرحلة، شارك في تنظيم ندوة مهنية في لندن، في مفارقة لافتة بالنسبة إلى شخص أمضى سابقاً وقتاً في كاليه محاولاً الوصول إلى بريطانيا سراً.

وفي عام 2020، حصل على عقد عمل دائم في لوريال، وشارك في تطوير مشروعات اجتماعية، من بينها مبادرات تستهدف نساء يعشن أوضاعاً شديدة الهشاشة. وانتقل لاحقاً إلى منصب مدير مشروعات في قسم تكنولوجيا المعلومات بالشركة.

وفي يناير 2022، حصل حسن على الجنسية الفرنسية، وهي محطة وصفها بأنها من أسعد أيام حياته. وتعكس تجربته أهمية تضافر عوامل عدة في الاندماج، من بينها الحماية القانونية، وتعلم اللغة، والتعليم، والتدريب، وفرص العمل، إلى جانب الدعم الذي قدمه له أفراد ومؤسسات. لكنها تظل تجربة فردية لا تعني أن الطريق نفسه متاح بالسهولة ذاتها لجميع اللاجئين.

لم يكتف حسن بإعادة بناء حياته، بل أسس جمعية «صوت اللاجئين»، بهدف مساعدة القادمين الجدد على الاندماج في المجتمع الفرنسي. وتعمل الجمعية على دعم تعلم اللغة، ومساندة الأطفال في التعليم، وتعزيز فرص الوصول إلى الوظائف، والتعريف بقدرات اللاجئين وإسهاماتهم.

ويؤمن حسن بأن الاندماج لا يتحقق بمجرد الوصول إلى بلد آمن، بل يحتاج إلى فرص عملية تسمح للاجئين باستعادة استقلالهم والمشاركة في المجتمع. ومن خلال الجمعية، يسعى إلى تحويل تجربته الشخصية إلى مصدر دعم للآخرين الذين يواجهون صعوبات مشابهة.

كما وثّق رحلته في كتاب «حلم أبعد» (Un rêve plus loin)، الذي نشره بالتعاون مع الروائي دينيس غومبير، مستعيداً فيه محطات الخوف والنجاة، ومعاناة مخيم كاليه، والأشخاص الذين ساعدوه على بدء حياة جديدة.

وبعد أكثر من عقد على وصوله إلى فرنسا، لا تزال مأساة المهاجرين الذين يفقدون حياتهم في محاولات العبور حاضرة في ذاكرته. ويرى أن موت الناس بهذه الطريقة أمر غير مقبول، لأن اللجوء قد يصبح واقعاً لأي شخص، وأن وراء كل لاجئ حياةً ومواهب وأحلاماً تتجاوز ظروف فراره.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...