من مخبأ تحت السرير إلى مقعد الدراسة

حين تتكلم ألوان الأطفال عن الحرب

طفلة سودانية قاومت الحرب بالألوان

حكايات ــ صوت الأمة

قبل أن تتحدث عن الحرب، والأرقام، وملايين الأطفال الذين يعيشون تحت وطأتها، تريد الطبيبة السودانية براء مالك أن تحدث العالم أولًا عن ضحكة شقيقتها الصغيرة.

ضحكة عالية، فوضوية ومعدية، تنطلق فجأة لتملأ المكان دفئًا.

ليا اليوم في السادسة من عمرها. تحب التلوين، وتمسك أقلامها الزاهية، خصوصًا الأصفر والوردي، وتضغط بها على الورق ببطء وهدوء، كأنها تتعلم من جديد كيف تشعر بالأمان.

لكن ليا لم تكن دائمًا كذلك.

هناك صباح لا يزال عالقًا في ذاكرة شقيقتها الكبرى براء، صباح السبت 15 أبريل 2023، عندما كان كل شيء يبدو عاديًا للمرة الأخيرة.

كانت ليا في الثالثة من عمرها ترقص بطفولة، بينما كانت والدتهما ندى تعد الطعام. وكانت الخرطوم تستعد للعيد برائحة الخبز الدافئ والبخور، وأصوات الصلوات والأغاني القادمة من بعيد.

ثم اهتز كل شيء.

انطلقت الصواريخ، وانهار هدوء الصباح.

احتضنت براء شقيقتها المذعورة، وحاولت أن تمنحها تفسيرًا تستطيع طفلة في الثالثة من عمرها احتماله.

"لا تخافي، هذه مجرد ألعاب نارية للاحتفال".

لكن الكذبة الصغيرة لم تصمد طويلًا.

سرعان ما أصبح صوت الرصاص يعني شيئًا واحدًا بالنسبة إلى ليا: الهرب والاختباء.

كانت تندفع تحت السرير كلما دوّى صوت إطلاق النار، وتحول الخوف إلى رد فعل يسكن جسدها الصغير، حتى بعد أن ابتعدت المدافع.

مقال صحفي بعنوان

ثلاثة أشهر للخروج من الخرطوم

احتاجت الأسرة إلى ثلاثة أشهر كاملة للخروج من الخرطوم.

لكن الحرب لم تتوقف عند حدود المدينة.

انتقلت كوابيسها مع الأسرة إلى مصر، حيث بدأت ليا تستيقظ ليلًا وهي تنتحب، وترافق ذلك نوبات غضب وفرط حركة. ثم ظهرت عادة مؤلمة؛ أخذت تقضم أظافرها حتى تنزف أطراف أصابعها الصغيرة، من دون أن تبكي.

كانت الحرب قد تركت أثرها في طفلة لم تكن تعرف كيف تشرح ما يحدث داخلها.

تقول براء:

"استغرقت رحلة خروجنا من الخرطوم ثلاثة أشهر، لكن الكوابيس ظلت ترافقنا في كل خطوة".

ولم تكن ليا وحدها.

فبحسب منظمة "أنقذوا الأطفال"، عاش أكثر من 10 ملايين طفل في السودان في مناطق نزاع نشط خلال السنة الأولى من الحرب، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن نحو 14 مليون شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، في واحدة من أكبر أزمات نزوح الأطفال في العالم.

وتحذر اليونيسف من أن التعرض للعنف والحروب يمكن أن يترك آثارًا عميقة على الأطفال، تظهر في صورة اكتئاب وكوابيس وسلوكيات عدوانية وانطواء شديد.

لكن أحيانًا، لا يحتاج الطفل إلى كلمات كثيرة كي يقول ما بداخله.

يكفي أن تعطيه ورقة وقلمًا.

حين تكلمت الألوان

بدأ التحول عندما التحقت ليا بجلسات علاج نفسي أسبوعية مع الدكتورة ولاء، المعالجة النفسية للأطفال في منظمة "مركز المتطوعين" في مصر.

وضعت أمامها أوراقًا بيضاء وأقلام تلوين.

تشرح الدكتورة ولاء أن الأطفال لا يمتلكون دائمًا القدرة اللغوية التي تمكنهم من التعبير عن الصدمات المركبة، وأن الرسم يمنح الخوف شكلًا ملموسًا يمكن التعامل معه.

في البداية، كانت رسومات ليا قاتمة.

وحوش داكنة، أنياب حادة، وحواجب غاضبة. كانت تضغط بقوة على الورقة، وكأنها تفرغ فيها شيئًا أكبر من قدرتها على الكلام.

ثم حدث شيء صغير، لكنه كان كبيرًا بالنسبة إلى الأسرة.

رسمت ليا وجه امرأة ترتدي نظارات، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.

كانت تلك شقيقتها الكبرى.

وكانت تلك أول ابتسامة ترسمها ليا منذ بداية الحرب.

بالنسبة إلى براء، لم يكن الرسم مجرد صورة على ورقة.

كان علامة.

شيئًا ما داخل الطفلة بدأ يعود إلى مكانه.

تقول والدتها ندى إن أبرز التغييرات التي لاحظتها كان توقف ليا عن قضم أظافرها، بعدما كانت أطراف أصابعها تنزف، ثم بدأت تصبح أكثر هدوءًا وقدرة على التعبير عن حزنها وغضبها.

تقول ندى:

"كانت ليا متلهفة للذهاب إلى الروضة. بعد الحرب، أصبحت غاضبة طوال الوقت، وترفض الخروج. وعندما التحقت بالمدرسة أخيرًا، كان كل يوم يبدأ بدموع وصراخ، رغم ذكائها الشديد".

ثم تضيف:

"أصعب ما في الأمر كان شعوري بالعجز عن التواصل معها. كان يعتصرني الشعور بأن حبي واحتضاني لها لم يعودا كافيين لترميم ما كُسر داخلها".

رسم طفولي يعبر عن رفض الحرب في السودان، يظهر مباني متصدعة مع عبارة 'لا للحرب' وشخص يجلس حزيناً بجانب علم السودان.

العودة إلى مقعد الدراسة

بدأت ليا الدراسة هذا العام.

ليست كل الأيام سهلة.

لكنها تذهب.

تجلس.

تحاول.

وهذه الخطوات الصغيرة، بالنسبة إلى أسرتها، ليست تفاصيل عابرة.

إنها دليل على أن الطفلة التي كانت تختبئ تحت السرير كلما سمعت صوت الرصاص، استطاعت أن تجد طريقها مرة أخرى إلى مقعد الدراسة.

تقول الدكتورة ولاء إن التعافي لا يعني محو الماضي، وإنما بناء المرونة النفسية التي تساعد الطفل على التعايش مع ما حدث، من دون أن يسمح للماضي بالسيطرة على حاضره ومستقبله.

فالصدمة التي لا تجد طريقًا إلى التعافي قد تنتقل مع الطفل إلى الفصل الدراسي، فتؤثر في قدرته على التركيز والتعلم والذاكرة والثقة بالآخرين.

وهنا تصبح قصة ليا أكبر من قصة طفلة واحدة.

حكاية طفلة.. وصوت ملايين

ليا واحدة من ملايين الأطفال السودانيين الذين دخلت الحرب حياتهم في لحظة لم يختاروها.

طفلة كانت ترقص في صباح عيد، ثم وجدت نفسها تتعلم الاختباء تحت السرير.

طفلة فقدت قدرتها على التعبير عن خوفها بالكلمات، فتكلمت بالألوان.

طفلة احتاجت إلى مساحة آمنة حتى تستعيد ضحكتها، ثم تعود إلى المدرسة.

تقول براء إن حكاية شقيقتها ليست مجرد تجربة عائلية، وإنما طريقة للفت انتباه العالم إلى أطفال السودان الذين يعيشون الحرب بعيدًا عن عدسات الكاميرات.

صفحة من مجلة بعنوان 'قضية التعليم' تحتوي على مقال باللغة العربية للدكتورة براءة مالك، ومزينة برسم طفولي يصور فتاتين تمسكان بأيدي بعضهما بجانب منزل.

خمسة عشر مليون طفل سوداني، بحسب الرقم الذي تستند إليه القصة، ما زالوا ينتظرون فرصة مشابهة.

فرصة لأن يجدوا مكانًا آمنًا للتعلم، ومكانًا آمنًا للتعافي.

فلا يمكن أن يكون التعليم آمنًا إذا ظل الطفل يحمل الحرب داخله.

ولا يمكن أن يبدأ التعلم قبل أن يشعر الطفل بالأمان.

لهذا اختارت براء أن تروي قصة ليا.

ليس لأنها تريد أن تقدم للعالم حكاية حزينة أخرى عن السودان، وإنما لأنها تريد أن تقول له شيئًا أبسط وأعمق:

هذه طفلة سودانية.

كانت تخاف من صوت الرصاص.

ثم أعاد إليها الرسم ابتسامتها.

وإذا كانت طفلة واحدة استطاعت أن تجد طريقها من الخوف إلى مقعد الدراسة، فماذا عن ملايين الأطفال الذين لا تزال الحرب تقف بينهم وبين تلك الفرصة؟

السؤال الذي يبقى معلقًا في نهاية الحكاية:

هل يصغي العالم؟

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...