بروفايل ــ صوت الأمة

لم يكن حيدر إبراهيم علي يكتب عن السودان من موقع المراقب البعيد، ولا كان يتعامل مع قضايا بلاده باعتبارها موضوعاً أكاديمياً يمكن أن ينتهي بانتهاء البحث أو الكتاب. ظل السودان، طوال حياته، سؤالاً مفتوحاً؛ سؤال الدولة والمجتمع، والديمقراطية والاستبداد، والدين والسياسة، والنخب والمستقبل.

وحين رحل المفكر وعالم الاجتماع السوداني في القاهرة، في 25 سبتمبر 2026، كان يترك وراءه أكثر من نصف قرن من الكتابة والبحث والنقاش العام، ومكتبة واسعة من المؤلفات، ومركزاً للدراسات أصبح أحد أبرز المنابر التي أنتجت ونشرت المعرفة السودانية.

لكن الأهم من كل ذلك أنه ترك أسئلة لم تجد إجاباتها بعد.

 

كيف تُبنى دولة سودانية تتسع لتنوع مجتمعها؟ لماذا تتكرر دورات الانقلاب والاستبداد والحرب؟ لماذا تتعثر الديمقراطية كلما حاولت أن تجد طريقها؟ وما الذي يجعل النخب السودانية تعيد إنتاج الأزمات بدلاً من تجاوزها؟

هذه الأسئلة لم تكن عابرة في تجربة حيدر إبراهيم؛ كانت الخيط الذي انتظم مشروعه الفكري كله تقريباً.

 

من القرير إلى علم الاجتماع

 

وُلد حيدر إبراهيم علي في القرير عام 1943. بدأ دراسته في التاريخ والتربية، وحصل عام 1966 على دبلوم من كلية التربية بأم درمان، ثم درس علم الاجتماع في جامعة القاهرة ونال الليسانس عام 1970، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا ويحصل عام 1978 على الدكتوراه في فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت.

لم تكن فرانكفورت بالنسبة إليه مجرد محطة أكاديمية

في المدينة التي احتضنت مدرسة فرانكفورت النقدية، اقترب حيدر من تقاليد فكرية جعلت علاقة المعرفة بالمجتمع والسلطة موضوعاً مركزياً. وبعد سنوات، سيعود إلى تلك التجربة وهو يتحدث عن فكرة إنشاء مركز للدراسات السودانية، مستعيداً في ذاكرته الغرفة الصغيرة في "بوكنهايمر" بفرانكفورت التي انطلقت منها أعمال معهد الدراسات الاجتماعية.

كان يحلم، كما قال في حوار عن مركز الدراسات السودانية، بمؤسسة للبحوث والدراسات منذ وقت مبكر، قبل أن يتحول الحلم إلى واقع في القاهرة.

المعرفة.. ليست ترفاً

كان حيدر ينظر إلى المعرفة باعتبارها جزءاً من معركة المجتمع مع أزماته، ولذلك لم يكتف بالمسار الأكاديمي.

 

اشتغل على علم الاجتماع، وعلم اجتماع الدين، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والدولة، والتنمية، والهوية، والنخب، والإسلام السياسي، والفتوى والحريات، وكتب بلغة تجمع بين الباحث الذي يستند إلى أدوات تخصصه والمثقف الذي يريد أن تصل أفكاره إلى القارئ العادي.

لم يكن يريد أن تبقى الجامعة جزيرة معزولة عن المجتمع.

ومن هذه الفكرة نشأ واحد من أهم أدواره في الحياة الثقافية السودانية: تحويل البحث والدراسة إلى فعل عام، وتحويل السؤال الأكاديمي إلى سؤال يمس حياة الناس مباشرة.

مركز الدراسات السودانية.. حلم فرانكفورت في القاهرة

 

في عام 1992 أسس حيدر إبراهيم مركز الدراسات السودانية في القاهرة.

وحين سُئل عن فكرة المركز، لم يقدمها باعتبارها مشروعاً إدارياً أو مؤسسة نشر فحسب، بل أعادها إلى حلم قديم تشكل لديه منذ وجوده في فرانكفورت.

كان يرى أن السودان يحتاج إلى مؤسسة تنتج المعرفة عنه، وتتيح للباحثين والكتاب مساحة مستقلة للنقاش والنشر.

ومن خلال المركز صدرت مجلة "كتابات سودانية"، ونُشرت عشرات الكتب والدراسات، ونُظمت ندوات وورش عمل تناولت قضايا مختلفة في التاريخ والمجتمع والسياسة والثقافة السودانية.

 

وبحسب حيدر نفسه، تجاوز إنتاج المركز في مسيرته مئات الكتب والدراسات، إلى جانب أعداد متتابعة من مجلة "كتابات سودانية" والتقرير الاستراتيجي السوداني.

لكن قصة المركز لم تكن قصة مؤسسة ثقافية فقط.

فالمركز، في نظر صاحبه، كان جزءاً من معركة أوسع حول استقلال المعرفة. وقد تعرض للمضايقات والاتهامات، وعاش تجربة الانتقال من القاهرة إلى الخرطوم، قبل أن يعود مرة أخرى إلى القاهرة.

وحين تحدث حيدر عن تلك التجربة، قال بعبارة تكشف جانباً من شخصيته: "كنت أظن أن معركتي مع القوى الظلامية والنظام الفاشي، ولكن كان ظهري مكشوفاً."

كان الخلاف، بالنسبة إليه، لا يأتي دائماً من السلطة وحدها، بل أحياناً من الوسط الثقافي نفسه.

المثقف أمام السلطة

ربما كان هذا أحد المفاتيح الأساسية لفهم حيدر إبراهيم.

لم يكن نقده موجهاً إلى السلطة فقط، بل إلى المثقف الذي يفقد استقلاله أمامها.

في كتاباته عن المثقفين والنخب، ظل يعود إلى العلاقة الملتبسة بين المعرفة والسلطة، ويسأل عن مسؤولية المثقف في مجتمع يعاني من الاستبداد والانقسام.

 

كان يرى أن المثقف لا يستطيع أن يطالب بالديمقراطية في المجال العام بينما يمارس داخل جماعته أو مؤسسته أو حزبه عكس ما يدعو إليه.

ولهذا كان حيدر شديد الحساسية تجاه فكرة الاستقلال الفكري، وربما لهذا السبب أيضاً لم يكن حريصاً على صناعة إجماع حوله.

الاختلاف، بالنسبة إليه، لم يكن فشلاً.

كان جزءاً من وظيفة الفكر.

 

الإسلام السياسي.. من موقع علم الاجتماع

احتل الإسلام السياسي مساحة واسعة في مشروع حيدر إبراهيم.

في "أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية نموذجاً"، ثم "سقوط المشروع الحضاري"، و"مراجعات الإسلاميين السودانيين"، لم يكتف بتسجيل موقف سياسي من تجربة الإسلاميين، بل حاول تفكيك الظاهرة من خلال علاقتها بالدين والمجتمع والدولة والسلطة.

وكان يصر على أن القضية لا تتعلق فقط بأشخاص أو تنظيمات، وإنما بالسؤال الأوسع: ماذا يحدث عندما يتحول الدين إلى مشروع للسلطة؟.

وفي أحد حواراته قال بوضوح: "الإسلام دين ودعوة، وليس دين دولة."

وكان يرى أن التجربة السودانية قدمت نموذجاً مهماً لفشل احتكار المجال السياسي باسم الدين، وأن مسألة الديمقراطية لا يمكن حلها بمجرد استبدال نظام سياسي بآخر.

 

الديمقراطية.. أكثر من انتخابات

 

لم تكن الديمقراطية عند حيدر مجرد صندوق اقتراع.

في كتابه "الديمقراطية السودانية: المفهوم، التاريخ، الممارسة"، حاول أن يقرأ التجربة السودانية من زاوية أوسع، متوقفاً عند تطور الفكر الديمقراطي، وتاريخ الأحزاب، ومشكلات الممارسة، والحاجة إلى تحويل الديمقراطية من ممارسة مؤقتة إلى ثقافة سياسية.

وكان يرى أن الحقوق والحريات والمساواة والانتخابات لا تنفصل عن بناء المؤسسات وعن قبول الاختلاف.

ولهذا كان سؤال الديمقراطية عنده مرتبطاً دائماً بسؤال الدولة.

فالمشكلة ليست فقط: من يحكم السودان؟

بل: أي دولة نريد؟ وكيف تُدار علاقتها بالمجتمع؟

 

سؤال الهوية.. عندما يكون السؤال نفسه خاطئاً

ومن أكثر أفكاره إثارة للنقاش موقفه من سؤال الهوية السودانية.

في أحد حواراته قال إن الأزمة ليست في فهم الهوية، وإنما في جعل سؤال الهوية أولوية في المشروع القومي، وذهب إلى أن بعض الإجابات كانت خاطئة لأن السؤال نفسه، في أصله، خاطئ.

 

كان يرى أن السودان مجتمع متنوع بصورة تجعل محاولة اختزاله في تعريف واحد أمراً شديد التعقيد.

وهنا يلتقي علم الاجتماع عند حيدر مع السياسة: فالدولة التي تحاول فرض تعريف واحد للمجتمع قد تتحول، في النهاية، إلى دولة تستبعد أجزاء منه.

النخبة السودانية.. السؤال الذي لم يتركه

لم يكن حيدر إبراهيم راضياً عن الطريقة التي أدارت بها النخب السودانية علاقتها بالدولة والمجتمع.

في كتابه "المثقفون: التكوين في السودان"، اقترب من سؤال المثقف السوداني نفسه: كيف يتشكل؟ وما علاقته بالسلطة؟ وكيف تتحول المعرفة إلى موقف؟ ومتى يتحول المثقف من ناقد للسلطة إلى جزء منها؟

وكان نقده للنخبة جزءاً من نقد أوسع لطريقة إنتاج الأزمة السودانية.

لم يقل إن السلطة وحدها مسؤولة عن كل شيء.

كان يريد من المثقف أن ينظر أيضاً إلى المرآة.

من دارفور إلى الحرب

وحين تناول حيدر أزمات السودان، لم يكن يميل إلى التفسيرات الأحادية.

في حديثه عن دارفور مثلاً، ركز على تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وبيئية وأنماط إنتاج وتنوع قبلي وثقافي، رافضاً اختزال الأزمة في تفسير واحد.

 

وهذه الطريقة في النظر كانت جزءاً أصيلاً من أدوات عالم الاجتماع لديه: البحث عن جذور الظاهرة في تركيب المجتمع، لا الاكتفاء بمظاهرها السياسية.

ولذلك بدت الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023، وكأنها تجمع في لحظة واحدة كثيراً من الأسئلة التي اشتغل عليها لعقود: هشاشة الدولة، عسكرة السياسة، ضعف المؤسسات، أزمة النخب، الانقسامات الاجتماعية، وتراجع المجال المدني.

حيدر الذي لم يتوقف عن السؤال

كان حيدر يكتب أحياناً بنبرة حادة، ويختلف مع شخصيات واتجاهات سياسية وفكرية، لكنه ظل يكتب من موقع المثقف الذي يرى أن مهمته ليست إرضاء الجميع.

كان السؤال عنده أهم من المجاملة.

وفي هذا ربما تكمن خصوصية تجربته.

فهو لم يترك مدرسة فكرية مغلقة، ولم يقدم وصفة واحدة للسودان، وإنما ترك مجموعة واسعة من الأسئلة والكتب والحوارات والمواقف، يمكن من خلالها قراءة أكثر من نصف قرن من تاريخ البلاد الفكري والسياسي والاجتماعي.

ماذا يبقى بعد الرحيل؟

يبقى مركز الدراسات السودانية.

 

وتبقى الكتب.

وتبقى "كتابات سودانية".

وتبقى أجيال من الباحثين والكتاب الذين وجدوا في مشروعه مساحة للنشر والنقاش.

لكن الأهم أن تبقى طريقته في النظر إلى السودان: الشك في الإجابات الجاهزة، ومساءلة السلطة، ونقد النخبة، والدفاع عن المجال المدني، والبحث عن دولة تتسع لتنوع المجتمع.

رحل حيدر إبراهيم بينما الأسئلة التي عاش من أجلها لا تزال مفتوحة.

ولعل المفارقة أن السودان الذي ظل يدرسه ويكتب عنه طوال حياته ما زال يحتاج إلى كثير من الأسئلة التي طرحها.

كيف تُبنى الدولة؟

كيف تُحمى الديمقراطية؟

كيف يستعيد المجتمع دوره؟

كيف يصبح الاختلاف وسيلة لإدارة التنوع لا سبباً للحرب؟

وكيف يمكن للسودانيين أن يخرجوا من دورة الاستبداد والانقلاب والحرب؟

هذه المرة لن يكون حيدر موجوداً ليكتب الإجابة.

لكن كتبه ستظل موجودة لتذكّر السودانيين بأن السؤال نفسه كان، طوال حياته، جزءاً من طريق البحث عن الوطن.

 

رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم علي.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...