نيالا ــ صوت الأمة
تسببت الغارات الجوية العنيفة التي تنفذها الطائرات المسيّرة التابعة للجيش السوداني في موجة عارمة من الخوف والهلع بين سكان مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وسط تصاعد المخاوف من اتساع نطاق القصف واستهدافه مواقع مأهولة بالسكان.
ورغم توقف المعارك العسكرية على الأرض منذ 26 أكتوبر 2023، لم تهدأ الأوضاع الأمنية في مدينة نيالا، مقر حكومة تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" بقيادة "الدعم السريع"، إذ ظلت المدينة هدفًا دائمًا لطيران الجيش.
وخلال الأسبوع الماضي، وسّع الجيش نطاق عملياته الجوية لتشمل عددًا من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات "الدعم السريع"، وفي مقدمتها مدينة نيالا، التي تُعد معقلًا لحكومة تحالف "تأسيس".
وأدت هذه الضربات إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين والعسكريين، في حين أكد الجيش، في بيان رسمي صدر الجمعة قبل الماضية، أن ضرباته تستهدف بدقة مقرات ومراكز لوجستية تابعة لـ"الدعم السريع".
معاناة من رعب القصف
تعيش مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، وقع كارثة إنسانية ونفسية غير مسبوقة، إثر تصاعد الغارات الجوية التي ينفذها الطيران الحربي التابع للجيش.
وصباح الجمعة الموافق 16 أكتوبر الحالي، نفذت طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني قصفًا استهدف "سوق المواشي" في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة، مما أسفر عن خسائر بشرية واسعة وسط المواطنين، وسط تضارب في الأرقام الرسمية.
وبحسب بيان أصدره تحالف "تأسيس"، قُدّرت حصيلة قصف السوق بنحو 33 قتيلًا و47 جريحًا.
في المقابل، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود استقبال مرفقها ما لا يقل عن أربع حالات وفاة، بينها حالة لطفل، إلى جانب ثماني إصابات أخرى تتلقى العلاج.
حالة الفزع من القصف
تتجاوز التداعيات المباشرة للقصف الجوي المتواصل على مدينة نيالا حدود الخسائر البشرية والمادية الفادحة، لتمتد إلى عمق الحياة اليومية والبنية النفسية للمدنيين، حيث باتت "حالة الفزع" العنوان الأبرز والشعور المسيطر على أهالي الأحياء السكنية والأسواق بالمدينة.
تقول سليمة، وهي إحدى قاطنات شمالي المدينة، "إن حالة الفزع الشديد ظلت تسيطر عليهم طوال هذا الأسبوع بسبب كثافة الضربات الجوية وتتابعها".
وأضافت، في وصفها لواقع اللحظات المرعبة، أنها وأبناءها يضطرون إلى الاختباء تحت الأسرّة كلما دوّت انفجارات في أي مكان بالمدينة، محاولةً توفير الحد الأدنى من الحماية لأطفالها وسط جحيم القصف.
وأشارت إلى أن شدة الانفجارات تجعل كل شيء في المنازل يهتز بعنف، في مشهد يعكس مدى القسوة والضغط النفسي الهائل الذي تعيشه العائلات المحاصرة وسط أتون القصف الجوي.
غارات عشوائية.. ونوبة تودي بحياة مسن
وفي شهادة ميدانية تعكس عمق الأزمة، أفاد المتطوع أحمد بأن الطائرات المسيّرة التابعة للجيش السوداني ظلت تشن غارات عشوائية تطال الأحياء السكنية والأسواق، مما ضاعف مخاوف السكان وعزّز قناعتهم بأن القصف قد يستهدف منازلهم ومصادر رزقهم في أي لحظة.
وأوضح المتطوع أن شدة القصف تسببت في حالات هلع وخوف شديدين بين الأطفال، مشيرًا إلى واقعة أليمة أدّى فيها قصف الجمعة الماضي إلى وفاة رجل مسن جراء إصابته بنوبة هلع مفاجئة ألمّت به أثناء دوي الانفجارات العنيفة.
على صعيد متصل، أبدى القاطنون في شمالي المدينة، لا سيما المقيمون بالقرب من مقرات قوات "الدعم السريع" التي يتركز ثقلها هناك، مخاوف جدية للغاية من استمرار الغارات.
وأكد ثلاثة من المواطنين، في استطلاع ميداني، أنهم يفكرون جديًا في الانتقال والسكن في الأجزاء الجنوبية من المنطقة، نظرًا لما تتمتع به من هدوء نسبي وبعد عن بؤر القصف الجوي، بحثًا عن الأمان وحفاظًا على أرواح عائلاتهم.
وعلى الرغم من توقف المعارك وعودة الحياة في مدينة نيالا إلى نحو نصف طبيعتها، يظل هناك كابوس ثقيل يقلق مضجع السكان ويهدد شعورهم الهش بالأمان، وهو شبح القصف الجوي المستمر.
وأبدى مواطنون كثر مخاوفهم الجدية والعميقة من أن تمتد الغارات لتستهدف الأسواق الشعبية ومنازلهم، مما يحوّل لحظات الاستقرار النسبي إلى حالة ترقّب دائمة للموت القادم من السماء، فيما يبقى شبح النزوح المستمر والخوف ماثلًا في أذهان الأسر التي تبحث عبثًا عن ملاذ آمن.



التعليقات (0)
جاري التحميل...