خاص ــ صوت الأمة

أثار إعلان نتائج الشهادة الثانوية الصادرة عن حكومة «تأسيس» حالة من الجدل الحاد والتباين في الشارع السوداني. وتحول ملف التعليم إلى واجهة جديدة للنزاع المستعر في البلاد للعام الرابع على التوالي.

وشكلت النتائج حالة من الانقسام والقلق، لا سيما بين أسر الطلاب والطالبات، ولجنة المعلمين السودانيين، والخبراء والمهتمين بقضايا البلاد، في بلدٍ يواجه خطر الانقسام أكثر من أي وقت مضى.

فبين طموحات الالتحاق بالجامعات السودانية في مناطق سيطرة الجيش السوداني، والمخاوف من عدم الاعتراف الأكاديمي بالشهادة، تفرض أسئلة معقدة على المشهد التعليمي تتطلب إجابات حاسمة، لا سيما بعد تكفل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة "تأسيس" بدراسة الطلاب العشرة الأوائل في الخارج. فيما كشف الناطق الرسمي باسم حكومة التحالف أن الحكومة تلقت منحًا من جامعات أمريكية لـ60 طالبًا وطالبة.

"تأسيس" تعلن نتائج امتحانات الشهادة في مناطق سيطرتها

يوم الثلاثاء، 1 ديسمبر الحالي، أعلنت حكومة تحالف "تأسيس"، بقيادة "الدعم السريع"، نتائج امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في يونيو الماضي بالمناطق الخاضعة لسيطرتها في دارفور وأجزاء من كردفان.

وقال رئيس اللجنة الفنية للامتحانات وقتذاك، حافظ أحمد عمر، إن عدد الطلاب المسجلين بلغ "10.664" طالبًا وطالبةً، جلس منهم "9.314" للامتحانات.

وبحسب حافظ، بلغ عدد الطالبات الجالسات "7.896" طالبةً، نجحت منهن "4.482" طالبة، بنسبة نجاح 56.2 بالمئة. فيما جلس "2.668" طالبًا، نجح منهم "1.652" طالبًا، بنسبة نجاح 61.9 بالمئة.

وأحرزت الطالبة يسرا آدم عبدالله، من مدرسة محي الدين الخاصة بنات بولاية غرب دارفور، المرتبة الأولى بنسبة 91.2 بالمئة.

في السياق، قال رئيس مجلس وزراء حكومة "تأسيس" محمد حسن التعايشي، إن "تنظيم الامتحانات يمثل جزءًا من برنامج لاستعادة الحق في التعليم"، معلنًا تكفله بدراسة الطلاب العشرة الأوائل.

وكشف الناطق الرسمي باسم حكومة "تأسيس"، أحمد تقد لسان، أن الحكومة تلقت منحًا من جامعات أمريكية لـ60 طالبًا وطالبة.

رأى الشارع في نيالا

عصفت بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، غداة إعلان نتائج الشهادة السودانية الصادرة عن حكومة "تأسيس"، مجموعة من التساؤلات العالقة، وبات الشارع في حاجة إلى معرفة الآليات التي سيلتحق بها الناجحون والناجحات بالجامعات السودانية في مناطق سيطرة الجيش، ومدى الاعتراف الأكاديمي بالشهادات التي حصلوا عليها، في ظل الانقسام الإداري والجغرافي والسياسي الذي يشهده ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة.

أصبحت سلاح حرب

قال أحد المعلمين بمدينة نيالا لـ«صوت الأمة» إن "أزمة الشهادة الحالية هي نتاج مباشر لإقحام قطاع التعليم في الحرب الدائرة الآن بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائهما".

وأضاف أن "أكبر خطأ ارتكبه طرفا الحرب هو استخدام التعليم كسلاح من أسلحة الحرب والضغط السياسي على حساب مستقبل الطلاب".

وأكد أن التعليم حق أساسي مكفول لكل طالب وطالبة، وكان من الواجب تمكينهم من الجلوس للامتحانات بصيغته الموحدة السابقة.

وكانت مبادرة قد طُرحت قبل أسابيع من انعقاد امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة الجيش، التي عُقدت في يوم 13 أبريل للدفعة 2024-2025.

وطُرحت المبادرة وقتذاك، بضرورة توفير فرص الامتحانات للممتحنين في مناطق وجودهم وبيئتهم الدراسية، مع التزام الأطراف بضمان سلامة وأمن الطلاب والطواقم التربوية قبل العملية وأثناءها وبعدها.

لكن المبادرة فشلت في توحيد امتحانات الشهادة الثانوية في بلدٍ منقسم جغرافيًا وسياسيًا.

انتقادات لتعنت طرف

رأى أولياء أمور في نيالا أن إصرار الجيش على مواصلة الحرب وتسييس المؤسسات التعليمية عمّق من معاناة الطلاب.

وأشاروا إلى أنهم لا يدعمون طرفًا من أطراف الصراع، محملين البرهان وزمرته من الإسلاميين المسؤولية الكاملة عن المضي في خيار العنف ورفض إيقاف الحرب.

ولفت مصدر تربوي، فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن مبادرة وطنية طُرحت في وقت سابق لإنقاذ مستقبل الطلاب، إلا أن معسكر الجيش رفض تلك المبادرة، مما أدى إلى تعقيد الموقف، ما جعل حكومة "تأسيس" الموازية تعقد امتحانات في مناطق سيطرتها كخيار أمر واقع لإنقاذ الطلاب من استمرار الفراغ الدراسي.

بين طموح الدراسة بالخارج وواقع التحديات الأكاديمية

قال الطالب الناجح أحمد الساير إنه لا يرغب في الالتحاق بالجامعات السودانية، بل يطمح في مواصلة دراسته في الخارج.

وعما إذا كان عائق عدم الاعتراف بشهادته الثانوية سيقف عقبة أمام إكمال تعليمه، أجاب بأن "حكومة تأسيس تستطيع حل هذه المشكلة".

في المقابل، قال تربوي إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الطلاب والطالبات، سواء كانوا يرغبون في الالتحاق بالجامعات المحلية في دارفور أو الجامعات الاتحادية والمنح الخارجية، يكمن في غياب التوثيق والختم المعتمد لدى مؤسسات التعليم العالي والوزارات الاتحادية والخارجية.

وأضاف: "تشترط الجامعات والسفارات بالخارج وجود توثيق وختم صادرين من وزارة الخارجية والمؤسسات الاتحادية، وهو غير متوفر لدى حكومة تأسيس، مما يشكل عقبة كبيرة جدًا أمام استكمال دراستهم".

في السياق، قال المتحدث الرسمي باسم حكومة "تأسيس"، أحمد تقد لسان، إن الحكومة تلقت منحًا من جامعات أمريكية لـ60 طالبًا وطالبة، دون توضيح مزيد من التفاصيل أو المعايير التي سيتم بناءً عليها قبول الطلاب في الجامعات الأمريكية.

حاولت صحيفة «صوت الأمة» التواصل مع تقد للحصول على توضيحات بشأن المنحة المقدمة من الجامعات الأمريكية، ومعايير اختيار الطلاب، وآليات التوثيق الرسمية للمنح، إلا أنه لم يرد على استفساراتنا حتى لحظة إعداد ونشر التقرير.

في المقابل، قال عزالدين يعقوب، صاحب شركة الإخلاص للدراسة والعلاج بالخارج، إن شروط قبول الطلاب في الجامعات الخارجية تتطلب وجود ختم من وزارة الخارجية والجهات الاتحادية المعنية على الشهادات الدراسية.

بالإضافة إلى خضوع الشهادة الثانوية لمعادلة الأكاديميات الخارجية واجتياز اختبارات الكفاءة المعتمدة، نافيًا بشكل قاطع قدرة الناجحين في نتائج حكومة "تأسيس"على الالتحاق بالجامعات في الخارج في ظل غياب هذه التوثيقات الاتحادية الرسمية.

الجامعات الولائية الخيار الأنسب

قال أستاذ جامعي سابق إن الاعتماد على الجامعات الولائية بالإقليم يظل هو الخيار الأنسب حاليًا لكسر الجمود وإبقاء الطلاب في مسار التعليم.

وفي السياق ذاته، قالت إحدى المعلمات إن الأفضل للطلاب والطالبات هو الالتحاق بالجامعات في إقليمي كردفان ودارفور.

موضحةً أن الإقليمين يملكان عقولًا كبيرة وخبرات أكاديمية قادرة على إدارة الملف التعليمي بكفاءة، وتعمل المؤسسات على تهيئة البيئة لاستيعاب الطلاب.

وأضافت أن جامعة نيالا تقف حاليًا في مرحلة التأهيل تمهيدًا لافتتاحها واستئناف نشاطها الأكاديمي.

وأزاء كل هذا الوضع المعقد سياسيًا، تبقى مشكلة انقسام امتحانات الشهادة الثانوية، التي كانت يومًا ما تُشكل رمزًا لوحدة البلاد، شرخًا وخاصرةً في جسد الوطن الذي انفصل سابقًا.

ويخشى مراقبون أن يُمهد التشظي التعليمي إلى انفصال جغرافي جديد، بينما يرى آخرون أن هذه القضية الشائكة ستُحل إذا ما أوقف أطراف الحرب زخات الرصاص والتفتوا لصوت العقل والوطن.

وحتى ذلك الحين، يبقى ملف التعليم في مناطق سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع رهينًا بتوافق أطراف الصراع والقوى المدنية على ضرورة تحييد التعليم عن الحرب، حتى لا يتحول إلى النواة التي تُرسخ تقسيم السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...