نيالا- صوت الأمة
تخوض النساء النازحات في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، معركة مستمرة من أجل بقاء أسرهن، وتوفير تكاليف تعليم أبنائهن. وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.
تقول سلمى "اسم مستعار"، وهي أم نزحت من الفاشر إلى نيالا، "إنها اضطرت للعمل في بيع الشاي بالسوق الشعبي جنوب المدينة لتغطية المصاريف الدراسية واحتياجات أبنائها الأساسية".
وتضيف، بعد أن مسحت دمعة انسابت على خدها، "إن زوجها مفقود منذ سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر"، مشيرةً إلى أنها تتقاسم المنزل مع سيدة أخرى عادت إلى نيالا قبل اندلاع المعارك الأخيرة.
ولا تختلف قصة سلمى عن واقع العشرات من النساء اللاتي يواجهن مصاعب جمة؛ حيث يصحون في ساعات الفجر الأولى للعمل في بيع الأطعمة والشاي وبيع البضاعة البسيطة في الأسواق لتأمين لقمة العيش.
وفي حديث لـ«صوت الأمة»، أكدت خمس نساء أنهن لم يتلقين أي دعم أو مساعدات منذ نزوحهن إلى المدينة، لافتات إلى أن السلطات الأمنية قامت مؤخرًا بإخلائهن من المدارس التي كانت تستخدم كدار إيواء لهن.
رحلة شاقة
في سوق "موقف الجنينة" شمالي المدينة، تقف سيدة أخرى نزحت من الفاشر واستقر بها المقام في نيالا لتروي تجربة مختلفة من الإصرار والتحدي. إذ تعمل برفقة بناتها الثلاث في مطعم خاص بهن عقب إخلائهن من مدرسة "مهيرة" التي كانت دار إيواء.
وأوضحت أن أحد أصدقاء زوجها المتوفي في معارك الفاشر مدّ لها يد العون وساعدها في الحصول على دكان، ومنحها مبلغًا ماليًا بدأت به مشروع المطعم.
وعن عائد العمل تقول بامتنان: "الحمد لله، الدخل وفير.. المدينة تتميز بنشاط تجاري كبير".
"أصل المطعم عند الساعة الخامسة فجرًا ولا أعود إلى المنزل إلا في الرابعة مساءً"، تقول السيدة، كاشفةً عن ظهور مظاهر سالبة تُؤرق النساء والفتيات، تتمثل في تزايد حوادث خطف الحقائب خلال الفترة المسائية.
نيالا.. انتعاش تجاري
تشهد مدينة نيالا، المقر الإداري لحكومة "الدعم السريع"، تحولات اجتماعية واقتصادية ملحوظة، حيث تحولت ثاني أكبر مدن البلاد إلى وجهة رئيسية للآلاف من النازحين القادمين من مدينة الفاشر والولايات المجاورة.
وفي ظل استقرارها النسبي وانتعاش حركتها التجارية، باتت تطرح واقعًا جديدًا يفرضه منطق البحث عن الأمان وسبل العيش.
وتزامنًا مع بدء العام الدراسي الجديد، أعلنت حكومة تحالف تأسيس تنظيم برامج العودة الطوعية للنازحين القادمين من مدينة الفاشر إلى ديارهم.
لكن الواقع الميداني أظهر تفضيل الغالبية العظمى من النازحين البقاء في نيالا، بسبب تعرض منازلهم والبنية التحتية والخدمية لدمار شامل، مما يجعل العودة في الوقت الراهن خيارًا صعبًا للغاية.
في المقابل، شهدت أسواق نيالا حركة تجارية نشطة أسهمت في توفير فرص عمل هامشية وصغيرة للنازحين، أتاحت للعديد من الأسر الاعتماد على الذات وتأمين متطلبات الحياة الأساسية.
شهادات
يعكس أحمد، اسم مستعار، لـ«صوت الأمة»، وهو أحد النازحين الذين استقر بهم المقام في نيالا، حال الكثير من الأسر، إذ يعمل تاجرًا على قارعة الطريق الرئيسي المؤدي إلى شمال المدينة.
يقول: "مستوى الدخل الذي أحققه هنا في نيالا مكنني من استئجار منزل لأسرتي وتسجيل أطفالي في المدرسة لمواصلة تعليمهم".
وعن إمكانية العودة إلى الفاشر، أضاف: "الوضع هناك مدمر للغاية.. ولا أملك مأوى متاحًا ولا عملًا في الوقت الحالي... لماذا أعود وقد وجدت هنا كافة سبل الحياة والاستقرار الأسري؟".
صمود يصاغ بالأمل
في سوق"الجبل" الواقع شرق مدينة نيالا، تُجسد امرأة نازحة حكاية صمود تتجاوز قسوة الواقع، ومرارة النزوح.
في الصباح الباكر، تُباشر السيدة التي فضّلت عدم ذكرها عملها في بيع الشاي والمأكولات الشعبية برفقة شقيقتها، لترسمان لوحة كفاحية تُجسد إصرار حواء السودانية على الحياة رغم تحديات الحرب.
تُكابد السيدة يوميًا لتوفير متطلبات الحياة الأساسية، بدءًا بسداد إيجار المنزل وصولًا إلى استقطاع جزء من دخلها للحالات الطارئة، كما تقول.
وذكرت أن الهم الأكبر يكمن في تغطية مصاريف دراسة أطفالها الأربعة، مضيفةً: "يجب أن يدرسوا.. الحرب لا تمنعهم من مواصلة تعليمهم".
وحول إمكانية عودتها إلى مدينتها الفاشر، تؤكد أن حلمها الأول والأخير إيقاف الحرب، مشيرةً إلى أن مدينة نيالا تشهد استقرارًا، وانتعاشًا تجاريًا ملموسًا.
وتضيف: "رغم التكلفة المعيشية العالية، إلا أن نيالا تُعد أفضل حالًا مقارنةً بالعديد من الولايات".
صمود
تختصر قصص نساء الفاشر في أسواق نيالا شاهدًا على عظمة "حواء السودانية" التي رفضت الاستسلام لمرارة النزوح. فبين لقمة عيش تنتزع من فك المعاناة ورسوم دراسية تُدفع لأجل استمرار أبنائهن في مقاعد الدراسة؛ تصوغ نساء الفاشر ملحمة صمود حقيقية أمام واقع قسوة الحرب واستمرار نيرانها من قلب أسواق مدينة نيالا.



التعليقات (0)
جاري التحميل...