ترجمة نادرة المهدي
تواجه زراعة الحناء في السودان ضغوطًا متزايدة تهدد واحدًا من المحاصيل المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتراث والثقافة السودانية، في ظل نقص المياه وتغير المناخ واستمرار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس نشرته شبكة RTL Today في لوكسمبورغ.
وفي أحد صالونات التجميل في شمال السودان، تجلس إحدى الزبونات بصبر بينما ترسم فنانة الحناء نجوى مبارك أنماطًا زهرية قرمزية دقيقة على يديها، في ممارسة تحافظ من خلالها على تقليد سوداني عريق تقول مبارك إنه أصبح مهددًا بالاندثار مع تراجع إنتاج المحصول.
وقالت مبارك إن الحناء بالنسبة للسودانيين تمثل في الوقت نفسه هواية وتراثًا، مضيفة أنها تضع الحناء للعرائس باعتبارها جزءًا أساسيًا من فرح العروس، وأنها بالنسبة إليها أيضًا شغف ومصدر للدخل.
وفي صالون مبارك بمدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، انتشرت رائحة البخور بينما استخدمت الفنانة ضربات دقيقة وانسيابية لوضع معجون الحناء على بشرة إحدى الزبونات، ليترك بعد ذلك لونًا بنيًا محمرًا داكنًا.
لكن بعيدًا عن صالونات التجميل، تواجه زراعة الحناء تحديات متزايدة، خصوصًا بسبب شح المياه وتأثر أنظمة الري بالحرب والظروف المناخية.
المياه أكبر عقبة أمام المزارعين
في مزرعته القريبة من الدامر، مرر المزارع عبد الله محمد، البالغ من العمر 57 عامًا، يده بين صفوف شجيرات الحناء التي بدت متدلية تحت تأثير الحرارة.
وقال محمد، الذي يزرع الحناء منذ عقود، إن الأرض بدأت تجف تدريجيًا، مشيرًا إلى أن المياه تصل بعد فترات طويلة وتنقطع في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليها أشد.
وأضاف أن الحصول على المياه أصبح "أكبر عائق" أمام الإنتاج، وأن انقطاعها يؤدي إلى عطش الأراضي الزراعية.
ويعتمد المزارعون في المنطقة، مثل محمد، على قنوات الري التي تغذيها مياه النيل. إلا أن انقطاع الإمدادات وإهمال المجاري المائية تسببا في جفاف الحقول خلال مراحل حرجة من الموسم، وهو ما انعكس على كمية المحصول وجودته.
الحرب تضرب الزراعة وأنظمة الري
ولا تقتصر الضغوط على نقص المياه والتغيرات المناخية، إذ أدى الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية إلى تعطيل الزراعة في مناطق واسعة من البلاد.
كما أن الحرب التي بدأت في أبريل 2023 ألحقت أضرارًا بشبكات الري، وتسببت في انسداد القنوات وتوقف المضخات عن العمل، فضلًا عن إهمال أنظمة إدارة المياه.
وساهم نمط مناخي مرتبط بظاهرة النينيو في اضطراب الأحوال الجوية وتأخر الأمطار الموسمية، إلى جانب انخفاض مستويات مياه النيل، الأمر الذي زاد من صعوبة حصول المزارعين على المياه التي يحتاجون إليها.
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، توفر الزراعة سبل العيش لنحو 65% من سكان السودان.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إن معدلات هطول الأمطار في المناطق الزراعية الرئيسية خلال الفترة من يونيو وحتى منتصف أغسطس كانت أقل بما يصل إلى 30% من متوسطها طويل الأجل، وهو ما أدى إلى تفاقم الجفاف وزيادة المخاطر التي تواجه إنتاج الغذاء وسبل العيش في المناطق الريفية.
جزر خضراء وسط أراضٍ جافة
وفي محيط مدينة الدامر، تظهر حقول الحناء الخضراء وسط مساحات واسعة يغلب عليها اللونان المغر والبني، في مشهد يعكس التناقض بين النباتات التي لا تزال صامدة والظروف البيئية القاسية المحيطة بها.
وتحت درجات حرارة مرتفعة، يعمل المزارعون بين شجيرات الحناء التي يصل ارتفاعها إلى مستوى الخصر، مستخدمين المناجل التي توارثوها عبر أجيال لقطع الأوراق.
وتطلق الأغصان المقطوعة حديثًا رائحة ترابية أثناء جمعها في حزم ونقلها لتجفيفها وطحنها وتحويلها إلى مسحوق.
وقال الناشط البيئي الرشيد علي مهدي: إن الحناء تمثل "محصولًا ذا أهمية اقتصادية محلية كبيرة".
السودان كان مصدرًا رئيسيًا للحناء
لم تكن الحناء مجرد محصول للاستخدام المحلي، إذ كان السودان في السابق واحدًا من أبرز منتجي الحناء في أفريقيا، وطور حولها صناعة اقتصادية قامت على زراعة النبات وتجفيف أوراقه وطحنها وتحويلها إلى مسحوق وصبغة.
ووفقًا للبيانات التي أوردها التقرير نقلًا عن منظمة الأغذية والزراعة، كان السودان من الدول الأفريقية الرائدة في إنتاج الحناء، كما ازدهرت تجارة منتجاتها التي وصلت إلى مستهلكين في دول الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وفي ولاية نهر النيل، التي بقيت إلى حد كبير بعيدة عن المعارك مقارنة بمناطق أخرى في السودان، لا تزال الحناء من المحاصيل النقدية المهمة، إذ ترتبط بها سلسلة اقتصادية تشمل المزارعين ومصانع المعالجة والأسواق المحلية والخارجية، وصولًا إلى صالونات التجميل.
ولم تستجب الحكومة السودانية لطلب الحصول على بيانات محدثة بشأن حجم إنتاج الحناء أو صادراتها.
الحرب تغيّر طرق التصدير
وفي أحد مصانع الحناء في منطقة الدامر، يعمل العمال على نشر الأوراق الطازجة لتجفيفها قبل إدخالها إلى المطاحن.
وفي موقع قريب، كان العمال يجرفون مسحوق الحناء الأخضر الناعم ويضعونه في أكياس كبيرة، قبل تعبئته في أكياس بلاستيكية مخصصة للبيع في الأسواق المحلية والتصدير إلى الخارج.
وقال صاحب المصنع محمد رمضان إنه قبل الحرب كانت منتجات المصنع تُصدّر من أم درمان إلى وجهات مختلفة حول العالم.
لكن اندلاع القتال أدى إلى تغير طرق التجارة، إذ اتجه عدد من المصدرين إلى تحويل شحناتهم عبر مصر المجاورة، بعدما أصبحت الطرق التجارية التقليدية، بما فيها المسارات التي تمر عبر تشاد، أكثر صعوبة في الاستخدام بسبب الحرب.
الحناء بين الاقتصاد والتراث
ورغم الضغوط التي تواجه زراعة الحناء، لا تزال العاملات في هذا المجال ينظرن إليها باعتبارها جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية والثقافية في السودان.
وقالت أمنية السيد، البالغة من العمر 29 عامًا، وهي صاحبة صالون في منطقة الدامر، إن الحناء ستستمر رغم التحديات، لأنها "عنصر أساسي في الثقافة".
ويبرز التقرير أن مستقبل الحناء في السودان يرتبط بأكثر من مجرد محصول زراعي؛ فهي جزء من تقاليد الاحتفال بالزواج والمناسبات العائلية والدينية، ومصدر دخل لعدد كبير من العاملين في سلسلة إنتاجها وتجهيزها وتوزيعها.
ومع استمرار الحرب وتفاقم مشكلات المياه وتغير أنماط الأمطار وارتفاع المخاطر المناخية، تواجه هذه النبتة التي زينت أيادي العرائس السودانيات لقرون تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على مورد اقتصادي محلي، وفي الوقت نفسه حماية تقليد ثقافي تخشى العاملات في هذا المجال من أن يختفي تدريجيًا.



التعليقات (0)
جاري التحميل...