صوت الأمة - القاهرة

نظمت كل من المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، وهيئة محامي دارفور، وسعة للإنتاج الثقافي، مساء الإثنين 5 أكتوبر 2026، بمقر حزب الكرامة، منتدى ثقافي، نقاش ورقة بعنوان «العقد الاجتماعي الوطني الجديد.. من الحرب إلى الدولة»، أعدها وقدمها المهندس إمام الحلو، رئيس لجنة السياسات بحزب الأمة القومي، بمشاركة عدد من قادة الرأي والمهتمين والسياسيين والمثقفين.

وطرحت الورقة رؤية تتجاوز النظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية بين طرفين، إلى التعامل معها بوصفها نتاجاً لأزمة أعمق تتصل ببنية الدولة وطبيعة العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، والحاجة إلى إعادة تأسيس هذه العلاقة على عقد اجتماعي وطني جديد. واستعرض الحلو تطور مفهوم العقد الاجتماعي في الفكر السياسي، وصولاً إلى مبادئ العدالة والمساواة والحقوق والحريات وشرعية المؤسسات باعتبارها ركائز للنظام السياسي المستقر.

وفي تشخيصه للأزمة السودانية، أشار الحلو إلى أن انقلاب 25 أكتوبر 2021 أسهم في إجهاض المرحلة الانتقالية، قبل أن تنفجر الحرب في أبريل 2023، لتدخل البلاد في صراع تتنافس فيه ثلاثة مشروعات، هي مشروع دولة العسكر الأوتوقراطية، ومشروع الحركة الإسلامية، ومشروع دولة السودان الجديد. وخلص إلى أن هذه المشروعات، في تقديره، لا يمكن أن توفر أساساً مستداماً للسلام والاستقرار والتنمية، في ظل غياب الوعي القومي المشترك.

ورأى الحلو أن الحرب أضعفت تماسك المجتمع والدولة، وهددت وحدة البلاد وسلامة أراضيها، كما وسعت مساحة التدخلات الخارجية والضغوط الإقليمية والدولية. ودعا، بدلاً من الرهان على «المعادلة الصفرية» والحسم العسكري، إلى تغليب «المعادلة الكسبية» عبر تفاوض ينهي الحرب ويضع مصلحة الوطن فوق حسابات المتحاربين، مستنداً إلى الضغط الشعبي والسياسي واستراتيجية الإنهاك والادراك لوقف الحرب.

وانتقلت الورقة من تشخيص الحرب إلى سؤال الدولة التي ينبغي أن تخرج من رحمها، حيث دعا الحلو إلى بناء دولة وطنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وتعترف بالتنوع العرقي والجهوي والثقافي والديني، وتعمل على بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز تعريف الهوية بالإثنية أو الجهة.

ويقوم تصوره للعقد الاجتماعي الوطني الجديد على أربعة محاور رئيسية: تحقيق السلام العادل والشامل، وإدارة مرحلة انتقالية راشدة، وبناء دولة وطنية حديثة، ودعم الأمن والسلم والتكامل الإقليمي. كما دعا القوى المدنية الديمقراطية إلى توحيد صفوفها في اصطفاف واسع يضم الأحزاب والنقابات والنساء والشباب والقوى المجتمعية والأهلية والثقافية، وصولاً إلى جسم مدني منظم ذي ميثاق وبرنامج وقيادة مساءلة.

واقترح الحلو عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم أصحاب المصلحة السودانيين من المدنيين والعسكريين، بإسناد إقليمي ودولي، لاعتماد العقد الاجتماعي الجديد ووضع آليات تنفيذه، بما يشمل وقف الحرب، ومعالجة آثارها، والعدالة الانتقالية والمصالحة وجبر الضرر، وإدارة مرحلة انتقالية عبر مؤسسات قومية، إلى جانب عقد مؤتمرات متخصصة لمناقشة قضايا السلام والدستور والإصلاح الأمني والعسكري والاقتصاد والعلاقات الخارجية والتعليم والثقافة وغيرها.

وفي الجانب المؤسسي، شددت الورقة على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية لامركزية وفدرالية، ونظام حزبي تعددي، مع جيش وطني مهني واحد يلتزم بالقرار المدني وينأى عن السياسة والاقتصاد، وإخضاع القضايا المصيرية لمسارات قومية جامعة تنتهي إلى دستور دائم واستفتاء شعبي وانتخابات مرحلية.

وأكملت المداخلات التي أعقبت تقديم الورقة الصورة، فانتقلت بالنقاش من تشخيص الأزمة إلى البحث في شروط بناء العقد الاجتماعي نفسه. وأكد المشاركون أن الوصول إلى عقد اجتماعي وطني لا ينبغي أن يتم من أعلى إلى أسفل، وإنما عبر عملية تأسيس تبدأ من القاعدة وتتيح مشاركة واسعة للقوى السياسية والمجتمعية والأهلية، بما يجعل العقد تعبيراً عن توافق مجتمعي حقيقي لا مجرد تسوية بين النخب.

كما ركزت المداخلات على أن إعادة بناء الدولة تستلزم تأسيساً دستورياً لدولة المساواة والمواطنة، يضمن الحقوق والحريات ويعالج اختلالات الدولة التي راكمتها العقود السابقة. وبرز في النقاش التأكيد على أن السودانيين يحتاجون إلى دولة تنموية قادرة على توفير الخدمات والحماية والرعاية الاجتماعية، ومعالجة الفقر والتهميش، وربط السلام بإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة.

وشدد المشاركون كذلك على أن السلام المنشود ينبغي أن يكون عادلاً وشاملاً، لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يعالج جذور النزاع والمظالم التاريخية، ويوفر مسارات للعدالة وجبر الضرر والمصالحة، ويفتح المجال أمام تأسيس خطاب وطني جديد يقوم على التعايش وقبول الآخر واحترام التنوع، بدلاً من خطابات الإقصاء والاستقطاب والكراهية.

وانتهى النقاش إلى أن معركة السودان الأساسية في كيف ينتقل السودان من دولة الحرب والأزمات والانقسامات إلى دولة المواطنة والتنمية والسلام، عبر عقد اجتماعي جديد تكون شرعيته مستمدة من مشاركة السودانيين أنفسهم، ويؤسس لدولة قادرة على حماية مواطنيها، وإدارة تنوعهم، وتحقيق العدالة والتنمية والاستقرار.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...