صوت الأمة ــ سارة عطية
نيويورك، حيث تتجه أنظار المجتمع الدولي إلى حرب السودان ومسارات إنهائها، اختار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أن يطرح رؤيته للحرب والسلام عبر مجلة "فورين بوليسي"، واضعاً جملة من الشروط والتصورات أمام المجتمع الدولي، تبدأ بوقف دائم لإطلاق النار وتجفيف مصادر تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وتمر بتثبيت مبدأ الجيش الواحد، وصولاً إلى حوار سياسي ودستور وانتخابات يحدد السودانيون عبرها مستقبل بلادهم.
لكن المقال لم يقتصر على تقديم تصور لإنهاء الحرب، إذ حمل في طياته محاولة لإعادة تعريف موقع البرهان نفسه داخل المشهد السوداني والدولي، وتثبيت صورته بوصفه ممثلاً للدولة وصاحب رؤية للحل، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية موضع تنازع بين أطراف الحرب والقوى السياسية والمسارات الإقليمية والدولية المختلفة.
ومن هذا المنطلق، لا ينفصل وجود البرهان في نيويورك عن معركة موازية حول من يملك حق رسم شكل التسوية السياسية في السودان، ومن يحدد أطراف الحوار وسقفه ومرجعياته. ففي مقاله، يقدم البرهان "الحوار السوداني" و"الملكية السودانية" للعملية السياسية باعتبارهما مدخلاً أساسياً للحل، بالتوازي مع تثبيت مبدأ الجيش الواحد ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط على قوات الدعم السريع وداعميها.
وتقوم رسالته، في جوهرها، على أولوية الدولة والجيش الواحد، ثم الانتقال إلى حوار يحدد السودانيون من خلاله شكل الحكم ومستقبل البلاد. غير أن هذه الرؤية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة القوى التي ستشارك في ذلك الحوار، والجهة التي ستحدد أطرافه وشروطه، ومدى قدرة أحد طرفي الحرب على تقديم رؤيته باعتبارها تعبيراً عن الإرادة السودانية الأوسع.
شروط الحوار
ومن هنا تبدأ قراءة ما وراء مقال "فورين بوليسي". ويرى المحلل السياسي د. النور حمد، في مقابلة مع "صوت الأمة"، أن حديث البرهان جاء "خارج اللحظة السياسية تماماً"، ويكشف، بحسب تقديره، عن انفصال عن تعقيدات المشهد السوداني وحقائقه العسكرية والسياسية والدولية.
ويقول حمد إن البرهان يتحدث كما لو أنه خرج من الحرب منتصراً، في وقت لم تُحسم فيه الحرب عسكرياً أو سياسياً، ولا تزال قوات الدعم السريع وحلفاؤها يسيطرون على مساحات واسعة من البلاد. ويرى أن تقديم البرهان نفسه باعتباره ممثل السلطة الشرعية، والتعامل مع الطرف الآخر بوصفه قوة مهزومة ينبغي أن تنسحب أولاً قبل الدخول في الحوار، لا يعكس، في تقديره، قراءة واقعية للمشهد.
وتتصل هذه الملاحظة مباشرة بأحد أبرز الشروط التي طرحها البرهان في مقاله، والمتمثل في إخلاء قوات الدعم السريع للمنازل والأعيان المدنية قبل بدء الحوار.
ويقول حمد إن البرهان يكرر منذ بداية الحرب الخطاب ذاته: "اخرجوا من المنازل والأعيان المدنية ثم نتحدث عن الحوار"، مضيفاً أن هذا الطرح يتعامل مع التفاوض بمنطق المنتصر الذي يحدد للطرف الآخر شروط دخوله إلى العملية السياسية، رغم أن الحرب لم تصل بعد إلى نهاية عسكرية أو سياسية تتيح فرض مثل هذه المعادلة.
وبحسب حمد، فإن موازين القوة على الأرض، والانقسام السياسي، والمواقف الدولية، تجعل الحديث عن طرف منتصر وآخر مهزوم مجافياً للواقع. ويرى أن المطلوب في هذه المرحلة هو البحث عن صيغة متوافق عليها لإنهاء الحرب، بدلاً من إعادة إنتاج خطاب الشروط والإملاءات.
ويصف حمد حديث البرهان بأنه "مكرر ومستهلك ومشحون بقدر كبير من عدم المسؤولية السياسية"، معتبراً أن المشكلة لا تكمن فقط في تكرار مطلب إخلاء الأعيان المدنية، وإنما في اختزال حرب بهذا الحجم في مطلب واحد، وكأن إخراج القوات من المدن وحده كفيل بإنهاء الحرب وإعادة السودان إلى مساره الطبيعي.
ويضيف أن حديث البرهان يعكس، في تقديره، "تخبطاً سياسياً واضحاً"، لأنه لا يتعامل مع الواقع السياسي والعسكري الذي أفرزته الحرب، ولا مع التعقيدات التي باتت تحيط بعملية التسوية.
ويختم حمد إفادته بالقول إن السودانيين "لا يحتاجون إلى مزيد من خطابات الانتصار والشروط، وإنما إلى قيادة تعترف بتعقيد الواقع، وتجلس مع بقية الأطراف للبحث عن مخرج حقيقي من الحرب".
معركة الشرعية
وإذا كان حديث البرهان قد أعاد طرح شروطه للحوار، فإن اختيار نيويورك منصة لطرح هذه الرؤية يمنح المقال بعداً آخر، يتعلق بالدور الذي يريد للأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يلعباه في دعم تصوره للحل، وفي تثبيت موقعه السياسي داخل المشهد السوداني.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي د. وليد دفع الله، في إفادته لـ"صوت الأمة"، أن مقال البرهان في "فورين بوليسي" ليس مجرد مداخلة سياسية من نيويورك، وإنما جزء من مناورة أوسع للبحث عن شرعية دولية وشراء الوقت، مستفيداً من وجوده في قلب المنظومة الأممية لإعادة تقديم نفسه باعتباره "الدولة" في السودان، لا طرفاً في نزاع يحتاج، مثل غيره، إلى تسوية سياسية.
ويرى دفع الله أن البرهان يحاول استخدام نيويورك منصة لإعادة تعريف الحرب وفق الرواية التي تخدم موقعه، بحيث ينتقل النقاش من كيفية إنهاء الحرب وشروط التسوية إلى قضية الشرعية وحق تمثيل السودان.
وبحسب إفادته، تتحول معركة الاعتراف بهذه الشرعية إلى جزء من المعركة السياسية الموازية للحرب على الأرض، خصوصاً أن البرهان يسعى إلى الظهور بمظهر صاحب المبادرة، في الوقت الذي يطرح فيه شروطاً تجعل أي مسار تفاوضي يتحرك داخل السقف الذي تحدده سلطته.
ويقول دفع الله إن أحد أبرز أبعاد هذا الخطاب يتمثل في محاولة الاستفادة من ثقل الأمم المتحدة لإسناد معادلة سياسية تقوم على الاعتراف بالسلطة أولاً، ثم الانتقال إلى التفاوض من موقع قوة.
وبذلك، لا تبدو نيويورك، وفق هذا التحليل، مجرد محطة دبلوماسية للحديث عن السلام، وإنما ساحة سياسية جديدة يخوض فيها البرهان معركة الشرعية بالتوازي مع معركة السلاح.
كما يرى دفع الله أن تعقد التسوية واتساع الفجوة بين المسارات الدولية يمنحان البرهان مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقه، وهو ما يجعل مقاله جزءاً من حركة سياسية أكبر، وليس مجرد طرح صحفي عابر.
مسار دولي جديد
وعند الانتقال من معركة الشرعية إلى مضمون المبادرة نفسها، يبرز جانب آخر من الجدل يتعلق بما إذا كان البرهان يقدم بالفعل مساراً جديداً للحل، أم يعيد طرح تصورات سابقة تحت عنوان "الحل السوداني".
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي ماهر أبو الجوخ أن مقال البرهان تضمن "مغالطات تاريخية وسياسية"، وأنه حاول من خلاله إعادة تقديم روايته للحرب وتسويق نفسه باعتباره ممثلاً لإرادة السودانيين، رغم أنه طرف مباشر في الصراع.
ويشير أبو الجوخ، في حديثه لـ"صوت الأمة"، إلى أن من أبرز ما يراه مغالطة تاريخية استدعاء البرهان لانتهاكات وقعت في دارفور خلال بدايات الألفية وإسنادها إلى الدعم السريع، مع إغفال موقعه ودوره في تلك المرحلة.
ويقول إن البرهان كان قائداً للقوات المرتبطة بذلك الملف، وبالتالي "لا يمكنه أن يتعامل مع التاريخ وكأنه يقف خارجه، أو أن يقدم نفسه باعتباره شاهداً محايداً على وقائع كان جزءاً منها".
لكن قراءة أبو الجوخ تتجاوز الرواية التاريخية إلى الهدف السياسي للمقال، إذ يرى أن البرهان يسعى إلى إرباك المساعي الدولية القائمة ومحاولة فتح مسار جديد للتفاوض.
ويقول إن البرهان يدفع بمسار الأمم المتحدة وكأنه إطار مستقل يمكن البناء عليه بعيداً عن المسارات الدولية القائمة، رغم أن الأمم المتحدة حاضرة أصلاً ضمن منظومة الجهود الدولية المتعلقة بالسودان.
كما يرى أن البرهان يعيد تقديم الخطة التي سبق أن دفع بها إلى مجلس الأمن قبل أكثر من عام، ويطرحها باعتبارها "الحل السوداني"، ثم يطالب المجتمع الدولي بدعمها وتنفيذها، مع أن صاحب الخطة نفسه طرف في الحرب.
وبحسب أبو الجوخ، فإن ذلك يجعل ما يطرحه البرهان رؤية أحد أطراف النزاع ومحاولة لفرضها كإطار للحل، وليس تصوراً يمكن تقديمه باعتباره تعبيراً عن الإرادة السودانية الجامعة.
من يمثل السودانيين؟
ويربط أبو الجوخ بين هذا البعد الدولي ومفهوم "الحوار السوداني" الذي ركز عليه البرهان، معتبراً أن الحديث عن ملكية السودانيين للعملية السياسية وحقهم في كتابة دستورهم بأنفسهم لا يحسم القضية الأساسية المتعلقة بتحديد القوى التي ستشارك في ذلك الحوار.
ويرى أن الخشية تكمن في أن يجري اختيار أطراف الحوار بطريقة تسمح بإقصاء قوى أخرى، بما يحول العملية من أداة لمعالجة الأزمة إلى مسار يعيد إنتاج ترتيبات سياسية تخدم رؤية طرف بعينه.
ويضيف أن البرهان، وفق تقديره، يبحث عبر هذا الطرح عن "مشروعية لحوار صيغت قواعده مسبقاً"، بدلاً من التوافق أولاً على إطار جامع يحدد أطراف العملية السياسية وشروطها وضماناتها.
ولا يتوقف نقد أبو الجوخ عند بنية الحوار، إذ يرى أن المقال أغفل كذلك الإجابة عن قضايا يعتبرها حاضرة بقوة في النقاش الدولي حول الحرب، من بينها الاتهامات المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي.
وفي المحصلة، يقول أبو الجوخ إن البرهان يحاول عبر المقال تسويق نفسه ورؤيته وإظهار أنه يتحدث باسم السودانيين جميعاً، وهو أمر لا يتسق، في تقديره، مع طبيعة الصراع، مضيفاً أن "قائد الجيش وغريمه قائد الدعم السريع لا يعبران عن السودانيين".
ويضيف: "الإجماع السوداني نفسه جرى خرقه بانقلاب 25 أكتوبر، ثم هُدم المعبد على رؤوس الجميع بإشعال الحرب في أبريل 2023. لذلك لا يمكن لطرف من أطراف الأزمة أن يعيد تعريف نفسه باعتباره الممثل الحصري للشعب السوداني".
ويرى أبو الجوخ أن هذا الطرح لن يحقق، في تقديره، الأثر الذي يبحث عنه البرهان في الدوائر الدولية، لأنه لا يقدم تصوراً متكاملاً للأزمة بقدر ما يعيد طرح رؤية طرف من أطراف الحرب داخل إطار دولي أوسع.
ويخلص إلى أن ما جاء في المقال يمثل "مناورة جديدة وتبضعاً جديداً في سوق الإطار الدولي"، معتبراً أن زيارة البرهان إلى نيويورك تأتي في سياق البحث عن مساحة سياسية جديدة داخل النظام الدولي، وإعادة تسويق رؤيته للحل باعتبارها مدخلاً بديلاً للمسارات القائمة.
ويقول: "البرهان ذاهب إلى نيويورك وهو يحاول التبضع بجواره؛ أي البحث عن مسار دولي يخدم تصوره للحل. لكن هذه التصورات تفتقد الإطار الكلي الذي يجعل الواقع متماهياً مع أطماحه وأحلامه، ولذلك أتوقع أن حديثه لن يجد الأثر الذي يسعى إليه".
وتكشف قراءة مقال البرهان، إلى جانب إفادات المحللين الثلاثة، أن الجدل لا يتعلق فقط بما طرحه عن وقف إطلاق النار أو الجيش الواحد أو الحوار والدستور والانتخابات، وإنما أيضاً بمن يملك حق تعريف الحل، وتحديد أطراف الحوار، وصياغة قواعد التسوية.
وبينما يسعى البرهان من نيويورك إلى تثبيت روايته للحرب وتقديم خطته باعتبارها مدخلاً لإنهائها، يفتح مقاله فصلاً جديداً في معركة أوسع على الشرعية وشكل المسار الدولي، وعلى الجهة التي ستملك حق رسم قواعد التسوية السياسية في السودان قبل أن تبدأ المفاوضات نفسها.



التعليقات (0)
جاري التحميل...