القاهرة – في ظل الحرب التي يعيشها السودان، وما خلفته من آثار إنسانية واجتماعية وثقافية عميقة، برز دور المبدعين والفنانين في محاولة قراءة واقع البلاد، واستعادة الذاكرة، ومواجهة خطاب الكراهية، والتأكيد على إمكانات السلام والتعايش.

وخلال استضافة عدد من المبدعين السودانيين في برنامج «الحصاد الإفريقي» على قناة القاهرة الإخبارية، وتقف خلفه الاعلامية سمر إبراهيم، تناول المشاركون علاقة الأدب والفن بالحرب، مؤكدين أن الصراع الحالي ليس منفصلاً عن أزمات قديمة وأسئلة ظلت حاضرة في المجتمع السوداني لعقود، وأن للفنون قدرة خاصة على مخاطبة الناس وتقديم صورة مختلفة عن السودان للعالم.

حمور زيادة: الحرب جزء من أسئلة المجتمع السوداني

قال الروائي السوداني حمور زيادة إن السودان يعيش حالة حرب منذ عام 1956، وإن الحديث عن المجتمعات السودانية في الأدب لا يمكن أن يتجاهل الحروب التي وصلت اليوم إلى مناطق في الشمال والوسط، بعدما ظلت بالنسبة إلى كثير من كتاب تلك المناطق قضية سياسية منعكسة في كتاباتهم أكثر من كونها تجربة معيشة مباشرة.

وأوضح أن دور الفن هو الحفاظ على الذاكرة، وليس تقديم توثيق تاريخي بالمعنى البحثي، مشيراً إلى أن السودان ما زال يعيش الأسئلة والمشكلات ذاتها التي تناولها أدباء سابقون، ومن بينهم الطيب صالح وبركة ساكن وأمير تاج السر وغيرهم.

وأشار إلى أن ما تغير ليس جوهر الأسئلة، وإنما الأشخاص والأدوات؛ فما تزال قضايا العلاقة مع الآخر ومع الدولة حاضرة، وهي أسئلة يرى أنها قادت إلى الصراعات التي يعيشها السودان اليوم.

Screenshot 2026-08-09 160931.png

وأضاف أن السودان يحمل اختلافات قبلية ومناطقية وثقافية متعددة، وأن انفصال الجنوب ترك واقعاً جديداً، فيما تبدو البلاد اليوم أمام حالة من الانقسام الداخلي. وفي هذا السياق، يظل الفن، بحسب زيادة، مدخلاً مهماً لمعرفة الناس والثقافات، وتقديم السودان إلى العالم بصورة تتجاوز مشاهد الحرب والدمار.

أمير تاج السر: الحرب امتداد لنزاعات سابقة

من جانبه، قال الروائي السوداني أمير تاج السر إن الحرب ظلت شيئاً أساسياً في المجتمع السوداني، مشيراً إلى وجود حروب حدودية وعشائرية وغيرها من أشكال النزاع التي طبعت حياة السودانيين خلال فترات مختلفة.

وتحدث تاج السر عن قضايا اللاجئين الذين لجأوا إلى السودان هرباً من الحروب، موضحاً أنه تناول إحدى هذه التجارب في روايته «منتجع الساحرات»، التي استندت إلى قصة حقيقية عن لاجئة قدمت إلى السودان من إريتريا وانتهت حياتها بالقتل.

وأكد أن السودانيين مرتبطون بالحرب بصورة أو بأخرى، وأن الحرب الحالية تمثل امتداداً لنزاعات سابقة، لكنها، بحسب وصفه، الأعنف والأكثر تأثيراً في المجتمع.

768172895_3940672212741540_207465272266931674_n.jpg

وأشار إلى أنه ينطلق غالباً في أعماله الروائية من تجارب واقعية، لافتاً إلى رواية «إيبولا» التي استلهم فكرتها من حديث طبيب عمل في جنوب السودان عن المرض، قبل أن يبني حولها عالماً روائياً موازياً.

ويرى تاج السر أن الحرب الراهنة زادت من معاناة السودانيين، خصوصاً في ظل نقص الغذاء والأدوية، لتضيف أبعاداً إنسانية جديدة إلى أزمات المجتمع.

هادية طلسم: الفن لغة قادرة على مخاطبة الجميع

أما الفنانة هادية طلسم، عضو فرقة البلابل، فأكدت أن السودان بلد متعدد الثقافات والقبائل، مشيرة إلى أن فرقة البلابل استطاعت من خلال الفن والغناء مخاطبة مختلف مكونات المجتمع السوداني.

وقالت إن الفرقة زارت نحو 80% من المناطق السودانية، وهو ما أتاح لها الاقتراب من التنوع الثقافي والاجتماعي الكبير في البلاد.

وأكدت أن الفن لغة العالم، وله أدوار خاصة في أوقات الأزمات والحروب، موضحة أن الحرب تركت آثاراً سيئة في الإنسان السوداني، وهو ما يدفع الفنانين إلى البحث عن الأمل والغناء للسلام.

وأعربت عن أملها في أن تنتهي الحرب في أسرع وقت، مؤكدة قدرة الفنانين على المساهمة في إذابة خطاب الكراهية والعنصرية، وتوجيه رسائل تدعو إلى التسامح والتصالح.

وأشارت إلى تجربة سابقة للمبدعين السودانيين تمثلت في عمل فني جمع أهل الإبداع تحت شعار السلام، وذلك عقب اندلاع الحرب مباشرة، في محاولة لاستخدام الفن مساحة للتعبير عن رفض الحرب والدعوة إلى التعايش.

عوض حمودي: الموسيقى كائن حي يتأثر بالحرب والسلام

من جهته، قال العازف عوض حمودي إن الموسيقى «كائن حي» يتأثر بالحراك الذي يشهده المجتمع، سواء في أوقات الحرب أو السلام أو التحولات والتطورات الاجتماعية.

وأوضح أن الموسيقى نفسها تأثرت بالحرب، وفي الوقت ذاته أثرت فيها، مشيراً إلى أن المؤلفات الموسيقية تغيرت بعد اندلاع الحرب، واتجه بعضها إلى مناهضة الحرب ومخاطبة أسبابها.

ويرى حمودي أن هذا يمثل أحد الأدوار الأساسية للفن، إذ يستطيع الموسيقي أن يعبر عن مشاعر المجتمع تجاه ما يعيشه، وأن يحول التجربة القاسية إلى خطاب فني يرفض العنف ويدعو إلى السلام.

محمد الهادي نجل الشاعر الهادي آدم: آثار سلبية للحرب على الدولة السودانية

وقال محمد الهادي، نجل الشاعر السوداني الراحل الهادي آدم، إن أثر الحروب على الدولة السودانية سلبي، في ظل ما تسببه من اضطراب وتداعيات تمتد إلى مختلف جوانب الحياة.

ويأتي حديثه في سياق التأكيد على أن الحرب لا تقتصر آثارها على الخسائر المباشرة، وإنما تمتد إلى بنية الدولة والمجتمع، وتترك آثاراً طويلة المدى على الإنسان والثقافة والاقتصاد والحياة العامة.

إيمان يوسف: السينما لا تتنبأ بالحروب

أما الممثلة إيمان يوسف، بطلة فيلم «وداعاً جوليا»، فرفضت اعتبار الفيلم تنبؤاً بالحرب التي اندلعت في السودان، مؤكدة أن الحروب لها ظروفها وحيثياتها وأسبابها التي تؤدي إلى اندلاعها.

Screenshot 2026-08-09 161203.png

ويطرح الفيلم، الذي تناول قضايا الانقسام الاجتماعي والتوترات بين مكونات المجتمع السوداني، أسئلة حول العلاقة بين السودانيين، والاختلافات الاجتماعية والمناطقية، وما يمكن أن ينتج عنها من توترات.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...