صوت الأمة ــ تقرير

لم تعد التوترات المتصاعدة في إقليم تيغراي الإثيوبي بعيدة عن الداخل السوداني، بعدما عبرت آثار المواجهات الحدود ووصلت مقذوفاتها إلى الأراضي السودانية، بالتزامن مع حركة نزوح جديدة ومخاوف من تحركات المقاتلين عبر الشريط الحدودي الطويل، لتضع شرق السودان أمام تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية جديدة، في وقت تعاني فيه البلاد من حرب مستمرة وهشاشة في السيطرة على حدودها.

وتزايدت المخاوف مع تجدد المواجهات بين الجيش الإثيوبي وقوات من إقليم تيغراي قرب الحدود في نهاية يوليو، وما صاحبها من سقوط مقذوفات داخل مناطق سودانية ومعسكرات للاجئين، إلى جانب عبور فارين من القتال إلى السودان.

ووفقًا لتقارير صحفية إقليمية، حذرت معتمدية اللاجئين السودانية من أن استمرار الحشود العسكرية والمواجهات قرب الحدود قد يؤدي إلى تدفق مزيد من طالبي اللجوء، وسط مخاوف أمنية وإنسانية متزايدة.

وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة هشاشة الحدود السودانية الإثيوبية، التي تتداخل فيها ملفات النزاعات المسلحة واللاجئين والزراعة والتجارة والخلافات الحدودية، وفي مقدمتها ملف الفشقة، إلى جانب انعكاسات الحرب الدائرة في السودان والتوترات المتصاعدة في منطقة القرن الإفريقي.

وبالنسبة للسودان، لا يقتصر القلق على احتمال وصول آثار القتال الإثيوبي إلى أراضيه، وإنما يمتد إلى حركة المقاتلين عبر الحدود، وتدفق اللاجئين، والضغط على المناطق الزراعية والخدمات والبنية التحتية في الولايات الشرقية.

حدود مفتوحة أمام أزمات متعددة

قال الصحفي والمحلل في شؤون القرن الإفريقي عبد المنعم إدريس إن التوترات في إقليم تيغراي الإثيوبي ستكون لها آثار أمنية كبيرة على السودان، بالنظر إلى امتداد الحدود بين البلدين وضعف السيطرة الأمنية عليها.

وأوضح إدريس في حديثه لـ«صوت الأمة» أن الأراضي السودانية قد تصبح مساحات لانسحاب المقاتلين حال اتساع نطاق المواجهات، كما ستشكل ملاذًا لطالبي اللجوء من المدنيين الهاربين من القتال.

وأضاف أن تدفق اللاجئين من شأنه أن يفرض ضغوطًا على المشاريع الزراعية الموجودة في المناطق الحدودية.

وأشار إلى أن سقوط مقذوفات خلال المواجهات الأخيرة داخل مشاريع زراعية سودانية سيؤثر على تحركات العمال والمزارعين في تلك المناطق.

ولفت إدريس إلى أن إمكانية تحرك المقاتلين عبر الحدود يمكن أن تزيد من التوتر بين السودان وإثيوبيا، خاصة في ظل تبادل الاتهامات بين البلدين بدعم مجموعات متمردة في كل منهما.

وقال إن اندلاع الحرب على نطاق واسع ستكون له عواقب أمنية واقتصادية وخيمة على المناطق الحدودية السودانية، في ظل ما تعانيه من هشاشة أمنية وغياب للبنيات التحتية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية في ظل التوترات التي ظلت تحيط بالعلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا خلال الفترة الماضية، وتبادل الاتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة مرتبطة بالصراعات الداخلية في البلدين.

وتحدثت تقارير صحفية دولية خلال فبراير الماضي عن منشآت تدريب داخل إقليم بني شنقول-قمز مرتبطة بمقاتلين مشاركين في الحرب السودانية، ما أضاف بُعدًا جديدًا إلى المخاوف المتعلقة بتحول الحدود المشتركة إلى مساحة لتداخل الصراعات في البلدين.

تحالفات متغيرة وصراعات متداخلة

وفي السياق، قال الكاتب والمهتم بشؤون القرن الإفريقي النور حمد إن منطقة القرن الإفريقي، خاصة السودان وإثيوبيا وإريتريا، تعيش مرحلة شديدة التعقيد نتيجة تشابك المصالح الإقليمية والدولية وسرعة تغير التحالفات.

وأوضح حمد في حديثه لـ«صوت الأمة» أن أطرافًا تكون في حالة عداء خلال مرحلة معينة قد تتحول إلى حلفاء، قبل أن تعود مرة أخرى إلى المواجهة وفقًا لتغير المصالح والظروف السياسية في المنطقة.

وأشار إلى أن النزاع المصري الإثيوبي حول سد النهضة أدخل مصر بصورة أكبر في تفاعلات القرن الإفريقي، وأصبحت علاقاتها مع السودان وإريتريا جزءًا من هذه التوازنات.

وقال إن إريتريا شاركت بقوة إلى جانب الحكومة الإثيوبية في الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، لكنها عادت لاحقًا، وبعد تراجع علاقتها مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إلى التقارب مع الجبهة.

وأوضح أن التوتر بين أسمرا وأديس أبابا تصاعد على خلفية تصريحات آبي أحمد بشأن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، وهي تصريحات أثارت مخاوف إريترية من احتمال استخدام القوة لتحقيق هذا الهدف.

وأشار حمد إلى أن هذه التطورات تعكس حالة السيولة السياسية وتغير التحالفات في منطقة القرن الإفريقي.

وفي ما يتعلق بالحرب الدائرة في السودان، قال: "مجموعات مسلحة من شرق السودان عادت من إريتريا بعد تلقي تدريبات عسكرية، وانخرطت في القتال إلى جانب الجيش السوداني".

وأضاف أنه، بحسب معلوماته، جرى كذلك إشراك مقاتلين من تيغراي كانوا قد لجأوا إلى السودان عقب الحرب الإثيوبية، في العمليات العسكرية التي خاضها الجيش لاستعادة الفاو وسنجة وسنار من قوات الدعم السريع.

 

ولفت إلى أن استخدام لاجئين في عمليات عسكرية يطرح إشكاليات تتعلق بوضعهم القانوني والإنساني.

وأشار حمد كذلك إلى التصعيد العسكري في إقليم أمهرا بين الحكومة الإثيوبية وقوات "فانو"، بعد انهيار التحالف الذي جمع الطرفين خلال حرب تيغراي، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع على المناطق القريبة من الحدود السودانية.

وحذر من أن تشابك الصراعات في المنطقة انعكس على الحدود السودانية الإثيوبية، مشيرًا إلى مواجهات في محيط بني شنقول-قمز والكرمك ومخاوف من اتساع نطاقها إلى مناطق أخرى.

 

اتفاق سلام مهدد

 

وتعود خلفية التوتر الراهن إلى الحرب التي شهدها إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، والتي دفعت عشرات الآلاف من المدنيين إلى عبور الحدود نحو السودان، خاصة إلى ولاية القضارف.

وفي خضم تلك الحرب، أعاد الجيش السوداني انتشاره في مناطق واسعة من الفشقة، ما أعاد النزاع الحدودي مع إثيوبيا إلى واجهة العلاقات بين البلدين.

وانتهت الحرب رسميًا بتوقيع اتفاق بريتوريا في جنوب إفريقيا في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الإفريقي، ونص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح قوات تيغراي واستعادة الخدمات وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

غير أن الاتفاق لم ينهِ جميع أسباب النزاع، وظلت ملفات أمنية وسياسية وتنفيذية محل خلاف بين الطرفين.

قال الصحفي الإثيوبي والمهتم بشؤون القرن الإفريقي أنور إبراهيم لـ«صوت الأمة» إن التوترات الحالية في تيغراي ليست أزمة جديدة، وإنما امتداد لصراع لم تُعالج جذوره منذ توقيع اتفاق بريتوريا.

 

وأوضح أن الاتفاق نجح في وقف القتال، لكنه لم ينجح في بناء الثقة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.

وأشار إلى أن الإقليم شهد خلال العامين الماضيين مناوشات متفرقة، إلا أن التطورات الأخيرة تعد الأخطر منذ توقيع الاتفاق، سواء من حيث التحركات العسكرية أو تصاعد التراشق السياسي والإعلامي بين الطرفين.

وأضاف أن الحكومة الإثيوبية والجبهة تتبادلان الاتهامات بشأن المسؤولية عن تعثر تنفيذ الاتفاق، إذ تتهم الجبهة أديس أبابا بعدم تنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية المتفق عليها، بينما تؤكد الحكومة أن الجبهة لم تلتزم هي الأخرى بعدد من البنود.

وقال إبراهيم إن انهيار اتفاق بريتوريا سيعيد إثيوبيا إلى مربع الحرب، ولن تقتصر تداعيات ذلك على الداخل الإثيوبي، وإنما ستمتد إلى السودان وإريتريا وجيبوتي، بحكم الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.

وأضاف أن المشهد يزداد تعقيدًا في ظل استمرار الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا، والتوترات الحدودية والأمنية بين السودان وإثيوبيا، إلى جانب تشابك مصالح مجموعات مسلحة في المنطقة.

ورجح أن تتحرك أطراف إقليمية ودولية لاحتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، مشيرًا إلى أن تكلفة أي مواجهة جديدة ستكون عالية عسكريًا وإنسانيًا واقتصاديًا.

لاجئون بين حربين

وتظل موجات النزوح واللجوء إحدى أكثر التداعيات التي يخشاها السودان إذا توسعت المواجهات في تيغراي.

فخلال الحرب السابقة في الإقليم، تدفق عشرات الآلاف من المدنيين إلى السودان، خاصة إلى ولاية القضارف، حيث أُنشئت معسكرات لاستقبال اللاجئين الإثيوبيين.

 

لكن الوضع مختلف هذه المرة، إذ يعيش السودان منذ أبريل 2023 حربًا داخلية أدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين، وفرضت ضغوطًا كبيرة على الخدمات الأساسية والاستجابة الإنسانية.

وقال أنور إبراهيم إن أي تصعيد واسع سيدفع آلاف المدنيين إلى الفرار باتجاه شرق السودان، الذي سيصبح بحكم موقعه الجغرافي الوجهة الأولى للاجئين.

وأوضح أن ذلك يمكن أن يفاقم الأزمة الإنسانية في ظل محدودية مراكز الإيواء وضعف الخدمات الأساسية وشح التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية.

واستذكر إبراهيم ما شهدته حرب تيغراي عام 2020 من تدفق عشرات الآلاف من المدنيين إلى السودان ودول الجوار، لافتًا إلى أن قدرة السودان اليوم على استقبال موجات جديدة من اللاجئين أصبحت أكثر محدودية بسبب الحرب التي يشهدها.

وفي مشهد يعكس تعقيد الأزمة، أصبح الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا يشهد حركة لجوء في الاتجاهين؛ فبينما يفر إثيوبيون من القتال باتجاه السودان، لجأ سودانيون إلى إثيوبيا منذ اندلاع الحرب في بلادهم.

وحذر الصحفي الإثيوبي من أن استمرار التصعيد دون تدخل سياسي ودبلوماسي فاعل قد يعيد منطقة القرن الإفريقي إلى دائرة عدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الصراعات والنزوح.

وفي ظل حرب داخلية لم تنتهِ بعد، وقدرات محدودة للدولة على تأمين حدودها والاستجابة لأزمة إنسانية جديدة، تصبح عودة تيغراي إلى الحرب أكثر من مجرد تطور في دولة مجاورة، إذ يمكن أن تفتح جبهة جديدة من المخاطر أمام السودان، تبدأ من الحدود الشرقية ولا يُعرف إلى أي مدى يمكن أن تمتد.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...